شباب فلسطيني لم يمنعه حضيض اللجوء في لبنان عن النجاح والفعل الوطني
من حضيض اللجوء في لبنان .. الى النجاح والفعل الوطني
المخيمات الفلسطينية في لبنان | 2018-02-04 | خاص - بوابة اللاجئين الفلسطينيين

لبنان - بوابة اللاجئين الفلسطينيين 

رنيم اوطه باشي

طموحاتٌ وأحلام يبدأ بها الإنسان مسيرة حياته واضعاً النجاح في تحقيقها نصب عينيه، في مختلف جوانب الحياة ، يخوض غمار طريق اختاره بكامل إرادته، هكذا هو الحال مع الإنسان الذي شاءت له الظروف أن يعيش ضمن مجتمع طبيعيّ يتمتع فيه بكامل حقوقه المدنيّة، ولكن عند الحديث عن الشباب الفلسطينيّ تنقلب الموازين تماماً.

الفلسطينيون ذاقوا الأمرّين من حرمانهم أرضهم قسراً وعدواناً، ودُفعوا إلى  حياة أجبرتهم وفرضت عليهم ما لم يختاروه، من تهميش إجتماعي وإقتصادي و قانوني، ولكن وكما عهدناه مقاوماً، لم يستسلم الفلسطيني لواقع الظلم والتهميش والتجريد من حقوقه المدنيّة، والحق في الحياة كإنسان طبيعي، بل حول هذا الحال، إلى حافز للعمل من أجل النجاح و القضيّة الفلسطينيّة، مثبتاً قدرته على خلق طرق جديدة في وقت سدّت فيه جميع الدروب.

إعلاميّون طلاب جامعات وآخرون من مختلف الأماكن، أثبتوا قدرتهم الكبيرة على تجاوز ظروفهم كلاجئين، والانطلاق وتحقيق الذات، تجمعهم عزيمة صلبة وعقيدة راسخة، لكلّ منهم طريقته الخاصّة بالتعبير عن دعمه وانتمائه، مروا بعوائق كبيرة وكان السلاح الأقوى حبّ القضيّة والأمل.

تروي الصحافية نشوى حمّاد البالغة من العمر 26 عاماً قصتها، موضّحة أثر التنشئة الأسرية في تكوين الانطباع الأوّل لديها عن القضيّة، "ولدت وتعلّمت في لبنان، أمي لبنانية لكنها من أشدّ الأشخاص إيماناً ووعياً بالقضيّة الفلسطينية، وهذا مازرعته في نفوسنا عندما كنّا صغاراً، وسنغرسه في نفوس أبنائنا وأحفادنا في المستقبل".

وعلى الرغم من إحساس الصدّ الذي انتابها، عقب ما تلقته من نصائح بعدم دراسة الإعلام، لأن الفرصة في ممارسة الصحافة ضئيلة ومحدودة كونها فلسطينية تحرمها القوانين اللبنانية حق العمل، الاّ أنّ حماسها لخوض المغامرة في سبيل حلمها دفعها لتحقيقه.

تكمل نشوى سيرتها وهي تتنفّس الصعداء:  "بداية حصلت على فرصة عمل صغيرة مع شركة أجنبيّة، ولكن طلباً غريبٌ من نوعه، بعدم الإفصاح عن جنسيتي  في مكان العمل، جعلني أتراجع عن قبول هذا العرض المشروط بتنازلي عن ارتباطي وانتمائي لفلسطين."

ولكن من يزرع الشغف لن يحصد إلا النجاح، تتابع نشوى: "وبعد عدّة تدريبات مع مختلف المؤسسات الصحفيّة، بدأت بالعمل مع  بوابة اللاجئين الفلسطينيين ، لتتجسد أحلامي على أرض الواقع وهذه المرة مع أبناء دمي، لأبدأ رحلة جديدة في التعايش مع واقع وحقيقة المخيمات الفلسطينية وسكّانها، من خلال هذا العمل بدأت أشعر أني أسخّر كل مالدي من شغف وحبّ للصحافة ولأبناء المخيمات وللقضيّة، من خلال تسليط الضوء على أوضاعهم ومن خلال محاولتي إيصال أصواتهم إلى الفئات المعنيّة لإيجاد حلول لمشاكلهم"

خليط من المشاعر تنتابني حيال واقع المخيمات تقول نشوى، "تارة فرح، و حزن للحال الذي وصلنا له تاراتٌ أخرى، أصبح وعيي الشخصي أنضج، وإيماني بالقضيّة أعمق،  على أمل أن نستطيع من خلال عملنا  تغيير الوضع وحتى وإن كان تغييراً صغيراً".

أشخاص جردتهم الحروب من أرضهم، ولكن أعطتهم حلماً، رنا مكّي التي قاست من مرارة حرمانها من حق الحيّاة على الأراضي الفلسطينيّة، غادرت ليبيا مع عائلتها من العام 1991 أثر الأحداث التي واجهها الفلسطينيون في ليبيا تلك الفترة، وانتهى بها المطاف ببيروت.

 شعورمن الغربة والاغتراب في مجتمع مختلف عنها، رافقها خلال دراستها الجامعيّة، حيث تركت الجامعة اللبنانيّة أثر حصولها على منحة جزئية من الجامعة الأميركيّة في بيروت لتبدأ بدراسة التجارة، وبعدها الماجستير في السياسة العامة والعلاقات الدوليّة.

كانت نقطة تحول بالنسبة لرنا، حيث وجدت انتماءً يشبهها، من خلال أشخاص لايعرف بعضهم بعضاً تعرفت عليهم على مقاعد الجامعة، يجمعهم شيئ واحد، وهو الانتماء والرغبة العميقة في عمل شيئ قدّ يساعد على تحسين واقع الشباب الفلسطينيّ.

تطوّرت علاقة رنا بزملائها الى صداقة، وباتوا يلتقون بشكل دوريّ يقرأون التاريخ الفلسطينيّ ويتحاورون، الأمر الذي ساعدهم على تطوير أنفسهم ووضع خطة لنشاطهم.

 تشرح رنا طبيعة نشاطها وتقول: "نعمل الآن على توثيق القصص والأحداث التي حصلت خلال الحرب الأهليّة في المخيمات الفلسطينيّة، نستهدف جيل مابعد النكبة لأننا نشعر أن الضوء لم يسلط عليهم بما فيه الكفاية".

 هذه المجموعة من المثقفين الشباب التي تعمل معهم رنا، تسعى لتكون حجر أساس لأهداف ومشاريع كبيرة في المستقبل القريب، وتابعت رنا: "شعرنا بالمسؤولية أكثر بعد الأحداث الأخيرة التي مسّت القدس والفلسطينيين بشكل عام، نحن منظمون وملمّون بما نريد أكثر من أيّ وقت سابق، الحماس والشغف هو المحرك الأساسي لهذه المجموعة." 

 لم تشعر رنا يوماً بأنها بعيدة عن الداخل الفلسطيني، وبهذا السياق قالت: "نستوحي الكثير من الأفكار من نشاطات وإنجازات المجموعات التي تعمل في داخل فلسطين، من دون تنسيق معهم، نشعر بأن إنجازاتنا مكملة لهم، وهذا ليس بغريب فنحن وكل فلسطينيي العالم تجمعنا روح وانتماء واحد."

أمّا الشاب طارق سخنيني 29عاماً، وهو لاجئ "فلسطيني سوري"، فله قصّة أخرى من الكفاح الشخصي والوطني. فمالبث طارق أن بدأ بالتخطيط لمستقبله، حتى اندلعت الحرب السوريّة، ليحمل رحاله الى لبنان، ويبدأ من الصفر مجدداً في محاولة التعايش مع واقع قاسٍ فرض نفسه دون استئذان.

 طارق الذي يعمل طاهٍ في أحد مطاعم بيروت، اختار أن يعود مجدداً لمقاعد الدراسة، وعلى الرغم من كثرة الانشغالات والالتزامات الحياتيّة، إلا أنه خصص جزءاً من وقت فراغه للمشاركة والتطوع مع مختلف النوادي الفلسطينيّة الثقافيّة، والجمعيات التي تعنى بالشأن الفلسطيني، ويعمل جاهداً خلال مشاركاته على كسر الصورة النمطيّة المتداولة في المجتمع اللبناني عن الشباب الفلسطيني.

صلابة الفلسطينيّ والطموح الكبير، وكل مايحمله من معانٍ "زاخمة"  كانت مصدر إلهام لمن حوله ليمتد الأثر الفلسطيني ويستقر في قلوب أشخاص لم يعيشوا معاناة الفلسطيني مع الاغتراب والتهميش،  ولكن حملوا القضيّة الفلسطينيّة في قلوبهم.

 اللبنانية دولّي الأحمدية 21 عاماً، تدرس الإعلام في الجامعة اللبنانية الدولية، و من الأعضاء المؤسسين للنادي الثقافي الفلسطيني في الجامعة، تتحدث لـ"بوابة اللاجئين الفلسطينيين" عن تجربتها، وتقول: "لم أكن أعرف عن القضيّة الفلسطينيّة سوى ماتعلمته في المدرسة ومن كتب التاريخ، وعندما بدأت حياتي الجامعيّة، معظم أصدقائي "كانوا فلسطينيّة"، وكان أثرهم عميق في نفسي، من خلالهم بدأت بالتعرف أكثر على القضيّة الفلسطينية حتى أصبحت جزءاً مني."

وبمساعدة أربعة من أصدقائها الفلسطينيين ضمن الجامعة ومن بينهم "طارق" ، تم افتتاح النادي الثقافي الفلسطيني في العام 2015، الذي يهدف إلى التعريف عن ثقافة وعادات المجتمع الفلسطيني، ويتطرق إلى الحديث عن القضية وبثها في نفوس أصدقائهم اللبنانيين والعرب في الأوساط الجامعيّة.

تقول دولّي، "فلسطين من أكثر الدول التي تعرضت للظلم والتهميش على كافة الأصعدة، أنا اليوم من الأوائل الذين تعنيهم القضية الفلسطينيّة بشكل أساسي وشخصي، وما أفعله هو واجب عليّ وعلى كل شخص عربيّ بغض النظر عن الجنسيّة التي يحملها".

شبابٌ كثر، من بينهم أولئك الذين تبيّن قصصهم وتجاربهم، صلابة الفلسطيني في تمسّكه بقضيّته وإجتراح طرقاً ووسائلَ للتعبير عنها وتكريسها في أيّ مكان وزمان يحلّون به، ورغم أيّ ظروف، ساروا على خطى من سبقوهم، وكانوا ولا زالوا حاملين لقضيّتهم رغم ضغط الظروف الاقتصادية والمعيشيّة والتشتت، وصاروا نماذجاً لمن يحولون الصفر إلى قيمة حقيقيّة، تترك بصمتها على خارطة الفعل والأمل.

منشورة في زاوية
رابط مختصر
الأخبار المرتبطة