"شاتيلا وصبرا".. فتّحوا في عصرنا جُرحين

الأحد 16 سبتمبر 2018
خاص - بوابة اللاجئين الفلسطينيين
لبنان

نشوى حمّاد
ست وثلاثون سنة مرّت، وما زال أهالي مُخيّم شاتيلا في العاصمة اللبنانية بيروت، يستذكرون ضحاياهم، وترنّ في آذانهم صرخاتهم وبكاء الثكالى واليتامى والضحايا.

"مجزرة صبرا وشاتيلا" ارتُكبت بحق الفلسطينيين واللبنانيين عام 1982 في مخيميّ صبرا وشاتيلا، على يد عصابات من القوّات اللبنانية وحزب الكتائب وقوات العميل سعد حداد، بمُساعدة وحماية من قوات الاحتلال الصهيوني، حيث بدأت يوم 16 أيلول/سبتمبر، واستمرت لمدة ثلاثة أيام من الذبح المتواصل، ولم يُعرف حتى الآن العدد الحقيقي لشهدائها، إذ تُشير التقديرات إلى أنّ عددهم يتراوح بين (3500 -5000)  شهيد من الرجال والأطفال والنساء والشيوخ المدنيين العُزّل من السلاح.

صبرا وشاتيلا ما قبل المجزرة

بعد مرور أشهر على النكبة عام 1948، ولجوء أعداد كبيرة من الفلسطينيين إلى لبنان، تبرّع أحد أصحاب العقارات في لبنان، سعد الدين باشا شاتيلا بمساحة كيلومتراً مربعاً جنوب العاصمة اللبنانية بيروت، لصالح اللاجئين الفلسطينيين لكي تكون مأوىً لهم، وعُرف المكان منذ ذلك اليوم بمُخيّم "شاتيلا"، وتم تأجير نصف المُخيّم لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، والنصف الآخر تم تملكه من قِبل منظمة التحرير الفلسطينيّة.

مُخيّم شاتيلا الذي يُجاور تجمّعاً فلسطينيّاً يقع في منطقة صبرا قرب الملعب البلدي ومنطقة الرواس، عاش فيه عام 1982 نحو (3000) لاجئاً فلسطينيّاً، وكان أهالي المُخيّمات يعيشون في تلك الفترة تحت رعاية منظمة التحرير.

ولم يطُل العهد، خلال عام 1982 اجتاح جيش الاحتلال جنوب لبنان، حيث وصل إلى العاصمة بيروت وحاصرها بأوامر من وزير الحرب الصهيوني آنذاك، أرئيل شارون، لسبعة أسابيع، وقصفت القوّات الصهيونية المدينة بحراً وجواً وأرضاً، وقْطعت إمدادات الغذاء والمياه والكهرباء، واحتلت المطار وبعض الضواحي الجنوبية.

لكن لم يتمكّن جيش الاحتلال من فرض السيطرة على المدينة واحتلال لبنان كاملاً، إلا بعد عقد اتفاقيّة عرفت بـ "اتفاقية السلام"، بين كل من سوريا والولايات المتحدة وكيان الاحتلال ولبنان ومنظمة التحرير الفلسطينية، ومن بين بنودها ترحيل جنود منظمة التحرير خارج الدولة اللبنانية براً وبحراً إلى تونس، اليمن، الأردن وسوريا. 

أنين الموت: 16 أيلول 

يروي الحاج الفلسطيني ابن مخيّم شاتيلا، عبدالله الصلحاني من مواليد 1923، ذكرياته عن ذلك اليوم، وهو يحمل "بلطة" احتفظ بها بعد عثوره عليها مُلطّخة بالدماء، إلى جانب إحدى الجثث.




ويقول بصوتٍ مازال يحمل أنين ألم المجزرة، "اجتمعنا في هذا اليوم وبعد معرفتنا ببدء الحادثة عند بيت أبو أحمد سعيد في المُخيّم، كنّا خمسة رجال، قررنا الذهاب كوفد للتفاوض بهدف حقن الدماء، وخلال توجّهنا نحو مركز الاحتلال الصهيوني، لمقابلة وزير الحرب الصهيوني آنذاك، أرئيل شارون، بعد استدعائه لنا، وقبل وصولنا إلى خارج حدود المُخيّم، تفقدت هويّتي ولم أجدها فعُدت إلى داري لآخذها، في حين أكمل باقي الرجال طريقهم، وكان مصيرهم الموت."

لا ينسى هذا الحاج أدق التفاصيل في 16 أيلول 1982، ويُتابع روايته بعيونٍ جامدة، وكأنها تستعيد شريط ذكرياتها بكل حواسها، "كانت مذبحة هوجاء، بدأت من دون أي سابق إنذار"، واصفاً مشهد هروب الناس من منطقة الرحاب وصبرا، فمنهم من لطّخ بالدماء ومنهم من اجتاحه الهلع من هول الإجرام.

"هُم عناصر الكتائب اللبنانية من قتلوا شعبنا والشعب اللبناني بدمٍ بارد"، يقول الحاج صالحاني، ويُضيف "كان الاحتلال الصهيوني يُحاصر المُخيّم ليؤمّن مدخل قوات الكتائب وسعد حداد إلى ساحة الجريمة"، "بعد يوم من المكوث في المخيّم، وسط أصوات الصراخ ورائحة الدماء، خرجت وعائلتي من المخيّم لمنطقة آمنة."



تلك الذكريات لم تمت من عقول من عايشوا المجزرة، كباراً وصغاراً، أمّ سامر، إحدى اللاجئات الفلسطينيّات، كانت تبلغ من العمر (15) عاماً خلال أحداث المجزرة، تتغيّر نبرة صوتها حين تستذكر تلك المشاهد، تارةً تعلو وتارةً تخرج بتواترٍ قلِق.

"كنا في الحارة وكان كل شيء عادي، وإذ بامرأة مُقبلة نحونا، الدماء تسيل منها جرّاء إصابتها في رقبتها، وتصرخ لنا مُحذّرة من هجوم الصهاينة على المُخيّم لذبحنا، حمل أخي والدي العجوز على ظهره وتوجّه به نحو الخارج، وركضنا أنا وأمي وأخوتي من دون أن نأخذ أي شيء بيدنا حتى الأوراق، فلم يكن للعقل وللوعي قُدرة على استيعاب ما يجري."

"ولم يكن هناك من يُدافع عن المخيّم؟" 

تُجيب أم سامر: "لا، مُعظم شباب المُخيّم كانوا مع منظمة التحرير ورحلوا من البلاد قبل أشهر قليلة من الحادثة، فكان معظم الأهالي من النساء والأطفال والشيوخ، ولا يوجد أي سلاح في المُخيّم."

"نعم هذا صحيح"، تُكملّ جارتها أم أحمد الحديث، بعدما أعاد الحديث مشاهد ما جرى إلى وعيها مُجدداً، "أقاربي كانوا يعيشون في مُخيّم شاتيلا، أذكر تماماً قدومهم إلينا وسط حالة أشبه بالهستيريا والهلع، ووصفوا لنا هول المشاهد والمذبحة التي أغرقت أزقّة المُخيّم بالدماء.

زُهق المخيّم

استمرت هذه المجزرة لمدة ثلاثة أيام حتى 18 أيلول 1982، استُخدمت  فيها الأسلحة البيضاء وغيرها من الأسلحة الأخرى في عمليّات القتل للمدنيين العُزّل.

تستكمل أم سامر روايتها، حيث رسمت صورة من الظلام الحالك والروائح الكريهة والصمت المرعب، واصفةً المُخيّم بأرض الأشباح التي لا روح فيها ولا حياة، "هكذا كان حال المُخيّم بعد خروج عناصر الميليشيات المُتعددة، وتراجع الاحتلال عن حدوده، هكذا انتهت المجزرة بمئات الجثث المُنتشرة بين الأزقّة، بعض منها منتفخ والآخر تغيّر لونه أو سبح بدمائه"، تقول أم سامر.



"خسرنا العديد من أصدقائنا وجيراننا، كُنّا في المُخيّم أسرة واحدة، ويُكسر قلب الشخص حين يرى جثث أترابه وجيرانه مُلقاة بين الأزقّة التي جمعت بيننا على الألفة والمودة والأخوّة."

مشاعر مخُتلطة، ألم وحزن كبير لغياب العدالة، هذا ما يُمكن تلمّسه بقولٍ ختم به الحاج صالحاني حديثه، وهو من عايش المجزرة بكل تفاصيلها: "من سيُغيّر الحال ومن سيُعيد الزمن أو يُعيد الموتى؟ هل سيتحسّن حال مُخيّم الشهداء؟ الروح ما زالت تحتضر هنا وكل شيء ليس على ما يرام.. خسرنا كل شيء حتى الحزن لن يعوّضنا."

الأخبار المرتبطة

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد