الخميس 04 يونيو 2020
"شوف يا بابا صورتي عالجوال":  حينما لم يستطع  إجابة طفلته
تقرير:  الصياد اللاجئ "خضر الصعيدي".. أفقده الاحتلال نظره ومصدر رزق عائلته

 

يحيى موسى – مخيم الشاطئ

 

لا زالت تلك الخيوط والتعرجات أسفل عينه اليمنى شاهدة على لحظة دامية و"جريمة" حدثت في جنح الظلام، غيرت مسار حياته .. كانت تلك الساعة فاصلة بين عالمين، لحظة كان الصياد الغزي اللاجئ من مدينة "يافا" خضر الصعيدي يجوب فيها بحر قطاع غزة شمالا وجنوبًا، يعرف كل شيء فيه، لا يحتاج حتى إلى بوصلة "اتجاه" لتقدير المسافات، كان هذا عالمه، قبل أن يصبح طريح الفراش قعيداً لا يرى من ذلك العالم سوى ذكريات تجوب الآن مخيلته.

عقارب الساعة، تحط رحالها عند الثانية عشرة ظهرا، الشمس تتوسط قلب السماء وتسدل خيوطها على مخيم الشاطئ غرب بمدينة غزة، تمسك الطفلة إيناس (ثلاثة أعوام) أطراف يد والدها، لا تعي حتى اللحظة ما الذي جرى معه، يرافقها في إرشاده شقيقها هاشم (أربعة أعوام)، كانت كل خطوة يخطوها خضر مع أطفاله حذرة،  فهذان الطفلان أصبحا عيونه التي يرى بها، حتى وصل فناء منزله بالطابق الأرضي قادماً من شقته العلوية.

اهتزت أصابعه وهو يحاول الإمساك بيد الكرسي البلاستيكي قبل أن يجلس عليه، على الحائط الخلفي معلقة صورته، تضم عبارات تهنئة بمناسبة الإفراج عنه بعد 14 شهرًا من الاعتقال لدى الاحتلال الإسرائيلي، يبدأ بفتح دفتر الذكريات وقصته لموقع "بوابة اللاجئين الفلسطينيين" مع زوارق الاحتلال الحربية، يحضر حديثنا والداه وشقيقه وطفلاه اللذان يجلسان بين ذراعيه، في مشهد غاب عنه ابنه الثالث محمد (سبعة أعوام).

23 مارس/ أذار 2017م، أوشكت الشمس على الاختفاء خلف الأفق، انطلق خضر في رحلة بحرية واعدً أطفاله بـ "صيد وفير"، افترش غزله بقعة من مياه البحر على بعد ستة أميال، مرت عدة ساعات على هذا النحو.
 

رحلة الرزق الأخيرة..

يرحل صوته إلى ذلك اليوم المحمل بالألم: "أبحرت لاصطياد الأسماك، برفقة صياد آخر (..) قبل أن نقترب من جمع شباك الصيد، وأعود لأطفالي بالصيد الوفير الذي وعدتهم به، وجدت نفسي بين شباك قوارب الاحتلال التي باغتتنا فجأة وقامت بإطلاق النار علينا"".

 يشير نحو قدمه "يومها أصابت قدمي رصاصة معدنية مغلفة بالمطاط، ورصاصة أخرى أصابت عين رفيقي، وقامت بحرية الاحتلال باقتيادنا إلى ميناء أسدود وحولت للتحقيق في سجن "ريمون".

مرت فترة تحقيق قاسية وصعبة على الصياد اللاجئ،  كان جنود الاحتلال يحاولون جمع معلومات عن "وحدات الكوماندوز البحري" التابعة للمقاومة، وإن كان يشاهد أماكن تدريبها.

تحقيق استمر على مدار 32 يوماً؛ كان يمكث 12 ساعة على كرسي بلاستيكي بثلاثة أرجل، لكن تلك المعلومات التي بحث عنها ضباط الاحتلال لم يجدوها مع هذا الصياد، "لم أكن أعرف أي شيء .. هكذا أخبرتهم" يستحضر تلك اللحظات.

انتهى التحقيق، ظن أنه سيتم الإفراج عنه، لكن "الرياح جاءت بما لا تشتهي توقعات الصياد"، جرى تحويله إلى سجن "نفحة"، هناك حيث لا تدخل أشعة الشمس يعيش معزولا عن العالم"، مرت 14 شهرًا صعباً على خضر بعيداً عن أطفاله الثلاثة، حتى أفرج عنه في 24 إبريل/ نيسان 2018م.
 بعد فترة من التردد استمرت عشرة شهور قرر الصعيدي خوض غمار التحدي من جديد، كان الشوق إلى البحر والصيد ينهش تردده حتى أذابه، وعاد للصيد في البداية لمسافات قليلة خشية الاعتقال.
 

سرقوا عيني ومصدر رزقي

حينما يقع نظرك على عين الصياد اليمنى، يلفت انتباهك آثار عملية جراحية أسفلها ولهذه قصة أخرى، تحط رحال ذكرياته عند يوم 20 فبراير/ شباط (2019م) .

عقارب الساعة تشير إلى الرابعة عصراً، أبحر الصعيدي بواسطة مركب صغير "لنش" قبالة شاطئ خان يونس على مسافة 9 أميال (كان الاحتلال يسمح يومها للصيادين بالإبحار لمسافة 12 ميلا بحريا).

يفترش المشهد ذاكرته، كشريط يشاهده أمامه: "أوشكت على جمع الغزل الساعة التاسعة مساءً، فهاجمتني أربعة قوارب إسرائيلية مطاطية نسميها "عباسات" وزورق كبير "دبور" وبدأت بإطلاق الرصاص المطاطي بشكل عشوائي وبغزارة".

كانت الطلقات كزخات المطر، تضرب المحرك والقارب، حاول النجاة بنفسه بالهرب من زوارق البحرية الإسرائيلية سريعة الحركة، عاش لحظات مرعبة، فحياته مهددة، تذكر لحظة اعتقاله، اجتاحته أسئلة باغتت تفكيره: "هل سيتكرر المشهد مرة أخرى وأعود إلى تلك القضبان؟ لماذا يحدث معي كل هذا ..؟ ما الذي فعلته؟".

توحي ملامح وجهه التي حرقت لونها الشمس تتوسطه بقع أخرى داكنة، طبيعة حياة الصيادين تحت أشعة الشمس ولهيبها، ما إن يبحرون عصراً للصيد، هنا يدفعون ضريبة ليس فقط من ملامحهم التي يسرقها القرص الأحمر المتوهج بل من حياتهم التي يسرقها الاحتلال.

مرة أخرى يرحل صوته إلى لحظة الاعتداء تلك: "أصابتني رصاصة بعيني، وصعد جنود تابعون لبحرية الاحتلال إلى قاربي، واقتادوني مرة أخرى لميناء أسدود، فلم أجد نفسي بعدها إلا في غرفة العمليات لا أدري من الذي حدث معي، إلا أن تفاجأت بأنني لا استطيع الرؤية".
 

لا بصيص أمل..

"ليش بشوفش .. ليش هيك صار معي؟".. يسأل خضر الطبيب الإسرائيلي، فجيب الأخير: "لقد أصبت بعينك اليمني، والعين الثانية بها ضرر بسيط .. سترى بها قريبا"، أعطى كلام الطبيب بصيص أمل للصعيدي، الذي تفاجأ أن مكان عينه اليمنى فارغا بالكامل، "هل جرى سرقتها؟" .. سؤال حتى الآن لم يعرف اجابته إذ بقيت أسرار ما حدث داخل المستشفى العسكري الإسرائيلي.

"لا أعرف ما الذي جرى لعيني، وجدتها فارغة بالكامل" .. يتحسس عينه اليمنى قائلا: "أنظر، هذه عين زجاجية فقط".

حدد الطبيب الإسرائيلي موعداً في الخامس عشر من مارس/ أذار الماضي، لمراجعة الطبيب كما قال له لـ "إنقاذ عينه اليسرى وإعادة النظر إليها"، يكمل بعدما اختلطت نبرة صوته بالغضب: "أثناء عودتي لغزة جرى استجوابي عند حاجز بيت حانون/ إيرز، قلت للضابط حينها: "أصابتني رصاصاتكم بعيني والآن تحققون معي .. لم أعد أرى، لكنه حاول خلق مبررات للجريمة".

جاء الموعد المحدد للمراجعة، ولم ينقطع الأمل لدى الصعيدي، اعتقد أن نظره سيعود إليه بالعين الأخرى، بالنسبة له لا مشكلة أن يرى بعين واحدة، المهم يريد أن يرى الأسماك، وأعماق البحر، وأن يستطيع جلب رزق عائلته.

إلا أن ما حدث مختلف تماماً، فقد منع الاحتلال الصياد من الذهاب للمستشفى الإسرائيلي تحت ذرائع أمنية لثلاث مرات،  قبل أن يسمحوا له في شهر أيلول/ سبتمبر الماضي بالذهاب للعلاج بعد فوات الأوان، يفرد كفيه تجاه السماء، يحني رأسه لجانبه الأيمن .."هناك قال لي الطبيب، العصب منقطع وأمل إعادة النظر ضيف، ولا يوجد طب للعصب".

تقلب الطفلة إيناس الهاتف المحمول بعد أن نجحت بالتقاط صورة "سلفي" وهي تجلس بحضن والدها لا تعي بما جرى له تريد أن يشاركها سعادتها: "شوف يا بابا صورتي على الجوال .. أنا حلوة؟"، موقف صعب يتكرر مع الصياد يجيبها وهو عاجز عن الرؤيا تماما محترق القلب من الداخل: "آه حلوة".

 هذه الطفلة لا تعي أن والدها الذي غادر المنزل قبل شهور لصيد الأسماك، عاد بواسطة الإسعاف عاجزا عن الرؤية.

 


يُضيف سعيدي لمُراسل "بوابة اللاجئين": "هاي الحمدلله زي ما انت شايف، بقيت أروح وآجي وهلقيت إلي سبع شهور من التخت للفرشة ومن الفرشة للتخت، لا بطلع ولا بنزل، بقيت لما كان عندي نظر أروح وآجي وأسرح وأصرف على 14 شخصاً، يعني ايش بدي أقولك، بقيت أطلع وأروح وآجي مع أصحابي، أما هلقيت لما فقدت النظر، الدار بطلعش منها، وين بدي أروح؟"

وتابع "لما بدي أطلع بدي أتصل ع صاحبي يجي يوخدني أو أخلي أخوي يجي يوخدني، بستثقلها، بقول خلص صبري ع حالي ولا صبر الناس علي."

قبل أن يسدل الستار على حديثه، حرر كلمات الحزن التي تحرق قلبه .."انا كنت أعيل   أسرتي، لكني الآن أتكئ على أطفالي الثلاثة للتنقل، معظم وقتي أمضيه بالبيت، كل هذا بسبب الاحتلال الإسرائيلي".
 

الصيد في غزة .. رزق مغمس بالدم

تجدر الإشارة إلى أنه مع الحصار الذي فرضه الاحتلال على قطاع غزة منذ أكثر من (13) عاماً، ساءت أحوال الصيّادين أكثر فأكثر، فبعد أن كان يعمل في مهنة الصيد نحو (10) آلاف صيّاد انخفض العدد مع الحصار ليصل إلى بضعة آلاف لا تتجاوز (3000 – 4000)، حيث فرض جيش الاحتلال قيوداً على مساحة الصيد باتت تتغيّر من وقتٍ لآخر، علماً بأنّ زوارق الاحتلال التي تُحاصر مياه القطاع لا تلتزم حتى بهذه المساحة المُعلن عنها، والتي تتراوح من التقليص إلى التوسيع ما بين (3 – 9) ميلاً بحريّاً.

وحسب رصد وتوثيق صدر عن مركز الميزان لحقوق الإنسان، ارتكبت قوات الاحتلال منذ بداية العام 2019، وحتى صدور البيان في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، (311) انتهاكاً بحق الصيادين في عرض البحر، ما بين إطلاق نار ووقوع إصابات واعتقالات واستيلاء على مراكب ومُعدات صيد، بالإضافة إلى حظر دخول المُعدات الضروريّة لاستمرار مهنة الصيد البحري في قطاع غزة، في إطار استمرار الحصار المُشدد المفروض على القطاع.

وتُشير وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" إلى الحصار المفروض على القطاع أدى إلى زيادة مُعدلات البطالة بشكلٍ كبير في مُخيّم الشاطئ الذي يعيش فيه أكثر من (85628) لاجئ مُسجّل لدى "أونروا"، ما فاقم من مُعاناة سُكانه من اللاجئين، حيث انخفض عدد الأسر التي يُمكنها إعالة نفسها، الامر الذي جعل نسبة كبيرة من السكان تعتمد على المُساعدات الغذائيّة والنقديّة التي تُقدمها الوكالة الأمميّة، لافتةً إلى أنّ انخفاض كميّات الصيد قد أثّر على المُخيّم بشكلٍ كبير، بالإضافة إلى فُقدان العديد من سُبل العيش وزيادة مُعدلات الفقر جراء انهيار قطاع الصيد.

 

شاهد الفيديو

 

منشورة في زاوية
رابط مختصر
الأخبار المرتبطة
أكثر الأخبار قراءة
آخر الأخبار المضافة