الخميس 17 أكتوبر 2019
بوتين والأسد لن يغيرا تصرفاتهما فهما يعرفان قلة حيلة أوباما… وروسيا تريد تحويل حلب إلى غروزني

عربي ودولي | 2016-09-29 | صحيفة القدس العربي

لندن ـ «القدس العربي»: «بنوا صحراء وسموها سلاما»، هكذا قال تاكتيوس، المؤرخ الروماني المعروف. ويصلح الوصف بشكل دقيق على مدينة حلب، فقد توصل القيصر الروسي إلى نتيجة هي أن القوات التابعة لنظام بشار الأسد والميليشيات الإيرانية لم تعد قادرة على إخراج المقاتلين المعارضين لهم من شرق المدينة ولهذا لا بد من تسويته بالتراب وإخراج من تبقى فيه بعد أن تحول إلى أرض يباب وضمه لما تبقى من دويلة لبشار الأسد التي تمتد إلى الساحل غربا.

حرب مختلفة

ويعتقد ديفيد غاردنر في صحيفة «فايننشال تايمز» أن الحملة الجارية على المدينة تختلف عن القصف الذي يمارسه النظام والطيران الروسي منذ شهرين فهي اليوم عبارة عن توليفة من البراميل المتفجرة والقنابل العنقودية والفسفور الأبيض والقصف الكيميائي والقنابل السجادية التي يستخدمها الروس ضد الأهداف المدنية. 
ويقول الكاتب إن موسكو التي تعود علاقتها مع ديكتاتورية آل الأسد إلى نصف قرن، لم تستطع التوصل إلا بعد عام إلى أن جيش الأسد قد انهار وتحول إلى مجموعة من الجيوش الخاصة. وقبل فترة ظهر تقييم مدمر لقوات الأسد في مؤسسة إعلامية قريبة من الكرملين وجاء فيه أن «الجيش السوري لم يقم بعملية عسكرية واحدة ناجحة خلال العام الماضي». وردد التقييم صدى ما جاء في حديث المعارضة أن الجيش يدير شبكة ابتزاز من خلال الحصارات التي يفرضها على المدن وآلاف نقاط التفتيش التي أقامها لهذا الغرض. 
ولأن روسيا لم تستطع هزيمة عدد كبير من الفصائل السنية المسلحة فإنها قررت تدمير حضارتهم نيابة عن حليفها السوري وإجبارهم على الخروج من منطقتهم التي أصبجت أرضا قاحلة، وضمها لدويلة يحكمه الأسد. 
كل هذا وسط حديث مزدوج ساعد فيتالي تشيركين، المندوب الروسي في الأمم المتحدة على كيل المديح نظام الأسد وضبطه لنفسه «المثير للاحترام»، في الوقت الذي وقف العالم صامتا أمام غروزني الجديدة، والإبادة التي ستدخل في سجلات العار. 
وأشار الكاتب إلى أن القصف الشرس على حلب يحدث في وقت تشابك فيه الدبلوماسيون في مجلس الأمن، مشيرا للمشاهد العاصفة في مجلس الأمن، حيث وصفت السفيرة الأمريكية سامنثا باور الممارسات السورية بالبربرية، فيما قال ماثيو ريكروفت، السفير البريطاني إن ما يجري هو «جرائم حرب» أما السفير الفرنسي فرانسوا ديلاتيه، فقد قال إن «حلب بالنسبة لسوريا هي ما مثلته سراييفو للبوسنة أو ما مثلته غورنيكا في الحرب الأهلية الإسبانية». وبمقاييس الحرب التي قتلت حتى الآن حوالي نصف مليون أو يزيد فالهجوم الحالي على حلب هو الأسوأ ذلك أن القوى المنشغلة في الأزمة السورية لها أجندات متعددة وتقف مكتوفة الأيدي أمام القتل اليومي في المدينة. 
فالرئيس بوتين مهتم بتوسيع نفوذه في منطقة الشرق الأوسط. أما باراك أوباما فمركز انتباهه من أجل هزيمة تنظيم «الدولة». وترغب إيران بتعزيز تأثيرها عواصم الشرق العربية وبالنسبة لتركيا فهي منشغلة بمنع الأكراد من تأكيد وجودهم على حدودها بعدما كانت لديها استراتيجية خارجية طامحة.

يتودد لبوتين

ومن هنا ترى صحيفة «واشنطن بوست» في افتتاحيتها أن العملية العسكرية الغنية بجرائم الحرب والتي وصفها المندوب السوري بأنها محاولة لاستعادة الجزء الشرقي من حلب مزقت محاولة إدارة أوباما لكسب موافقة روسيا والتزامها بوقف الأعمال العدائية. 
وعندما سأل صحافيون مسؤولين بارزين عن الكيفية الي ستوقف بها إدارة اوباما المذبحة في حلب فكان جواب أحدهم «لا أعتقد أن هذا الوقت هو وقت الحديث أين نذهب من هنا» وقال آخر «نحن ننتظر ما سيقدمه الروس».
وكان موقف إدارة أوباما يوم الإثنين واضحا وهو شجب العملية ولكن الابتعاد عن عمل أي شي. وبخلاف كل هذا كان موقف جون كيري، وزير الخارجية واضحا من أنه سيواصل التواصل مع بوتين ويقدم له عرضا دبلوماسيا. 
وقال بعد اجتماع حول سوريا «لن تعتذر الولايات المتحدة عن السير مسيرة ميل آخر» ولا يعني بهذا خطوات واقعية أمريكية لحماية المدنيين، بل مناشدة لا معنى لها لموسكو الالتزام بالحل. فبوتين والأسد يعرفان أن الفعل الوحيد الذي أمر به الرئيس أوباما هو التحرك الدبلوماسي. وهما بهذه المثابة ليسا مجبرين على تغيير تصرفاتهما. 
وتقول إن النظام استغل الخطأ الذي ارتكبته الطائرات الأمريكية وشن مع الروس هجوما على حلب. ولو نجح مسعى النظام في هزيمة المعارضة فسيحقق انتصارا في الحرب الأهلية ولن يحتاج في هذه الحالة لمفاوضات كيري. 
ولو توقفت الحملة فسيرسل بوتين سيرغي لافروف، وزير الخارجية لاستئناف المحادثات وعندها تنتصر روسيا دبلوماسيا. وفي كلتا الحالتين فالخاسرون هم المدنيون العالقون في هذا الجزء من المدينة والذين منحهم النظام الخيار نفسه الذي منحه للمدن المحاصرة: الجوع أو الركوع. وهؤلاء هم ضحايا البربرية، مما يعني أن استمرار الدبلوماسية الأمريكية الاعتماد على بوتين لن يساعدهم كثيرا.

بدون خطة

وينهي غياب خطة بديلة/ب أي وهم لدى السكان من أن الدعم سيأتي من الأمريكيين. وكان كيري واضحا في تصريحاته من كولومبيا من أن الأسد والروس يبحثون عن نصر عسكري وبأي ثمن وأن المكان «مدمر وهذا ليس وهما» بل حقيقة. 
ونقلت صحيفة «إندبندنت» عن تيم إيتون ـ الباحث في المعهد الدولي للدراسات الدولية (تشاتام هاوس) في لندن «في الوقت الذي ترى الولايات المتحدة في اتفاق وقف إطلاق النار الذي توصلت إليه مع موسكو باعتباره الطريق الوحيد لتسوية النزاع، فمن الواضح أن الولايات المتحدة ليس لديها استعداد لاتخاذ خطوات تعمل على فرض حل وتعرف روسيا هذا». 
وقالت إن سابقة حدثت في تموز/يوليو منحت الروس الانطباع أنه يمكنهم التصرف كما يريدون. 
وذلك عندما قصف الطيران الروسي المعارضة في قاعدة التنف، القريبة من الحدود الأردنية والتي كانت تستخدمها القوات الأمريكية والبريطانية الخاصة وقتلت أربعة من مقاتلي المعارضة. 
ونقلت الصحيفة عن مراقب في منظمة غير حكومية قوله «دفنت الولايات المتحدة القصة، وهو ما أعطى الروس الانطباع بأنهم يستطيعون عمل ما يريدون. 
وبنظرة للوراء فقد تركتهم يعملون ما يريدون بحصانة وهو ما يفسر الكثير حول الوضع الحالي». 
وفي تطور قد يغضب الروس قال المسؤولون الأمريكيون أنهم سيسمحون لدول الخليج تزويد المقاتلين بأسلحة مضادة للطائرات. 
وقال مسؤول أمريكي «اعتقد السعوديون أن الطريقة لإخراج الروس نجحت قبل 30 عاما في أفغانستان» في إشارة لصواريخ مانبادس المضادة للطائرات والتي رفضت واشنطن السماح بها للمعارضة خشية وقوعها في يد الجهاديين. 
ويرى إيتون أنه في غياب الحل الدبلوماسي، الذي فشلت واشنطن بإحيائه حتى الآن، فالتصعيد هو الحل «بدلا من خطة «ب»، وسنرى أن الولايات المتحدة والدول الحليفة معها ستحاول الإبقاء على المعارضة حية بدرجة تكفي لإحياء خطة ألف» وهي التسوية السياسية.

حلب تحترق

وفي الوقت الحالي ستظل حلب تحترق، ومصيرها سيحدد الحرب الأهلية. فهي كما يقول ريتشارد كوهين في صحيفة «واشنطن بوست» «ليست مجرد مدينة تسوق تاريخية، بل هي – أو كانت ـ أكبر المدن السورية، وهي مركز تجارة تاريخي وكانت ممرا لمعظم القوافل. وهي الآن تسوى بالأرض عن طريق القصف المستمر، وتستخدم أحيانا الأسلحة الكيميائية والبراميل المتفجرة والقنابل التي تخترق الملاجئ التي تدفن الجرحى» ويضيف «وحلب مثل غورنيكا قبلها مكان يتعلم فيه العالم درسا يبدو أنه دائما ينساه»، مشيرا إلى قرار ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية في نيسان/إبريل 1937 لقصف بلدة باسكية في شمال إسبانيا حيث كانت من المرات الأولى التي يستهدف فيها المدنيون بشكل متعمد. وقام الفنان بابلو بيكاسو بتصوير الرعب في جدارية مشهورة سماها باسم البلدة (غورنيكا) حيث أكملها في شهر حزيران/يونيو. ولو كان حيا اليوم لرسم جدارية جديدة أسماها «حلب» ويجب تعليق هذه الجدارية خارج البيت الأبيض». 
ويعتقد كوهين أن كيري، الذي يخاطب الزهور الذابلة، لا يتحمل المسؤولية بل أوباما الذي يزهو بنفسه بأنه لم يورط أمريكا في حروب غير ضرورية مثل حرب العراق، وكانت النتائج بالنسبة لسوريا مأساوية . 
ويضيف «حلب مثل غورنيكا، مدينة ارتكبت فيها مذابح. وهي رمز لضعف أمريكا. إن بوتين نفسه الذي يتدخل في سوريا هو نفسه الذي سرق الرسائل الالكترونية وتدخل في الانتخابات الأمريكية». 
ويقول «لم يعد أحد في كل العالم يصدق بالقوة الأمريكية. فرئيس الفلبين المعرف باستخدامه للألفاظ السوقية دعا أوباما بـ «ابن العاهرة» وبدلا من قيام أوباما بتحريك الأسطول قام بإلغاء اللقاء معه» بالإضافة للتحدي الصيني والإيراني. 
وفي النهاية تجسد جدارية «غورنيكا» كل العذاب. وعندما يراها الشخص لا يمكن أن ينساها «الوجوه المعذبة والأجساد المتشابكة والتشوهات البشعة للموت. 
والآن لدينا صورة الطفل السوري في سيارة إسعاف أحمر متقزح اللون ومغطى بغبار البيوت التي هدمت.. مرة أخرى لا شيء يتم فعله .. مرة أخرى الأسوأ قادم».

إيران مستمرة

ورغم العذاب والقتل فالدول المشاركة في العمليات الحربية تزيد من جنودها وميليشياتها. ومن هنا كتب سكوت باتريسون، عن المقاتلين الذين ترسلهم إيران إلى حلب. 
ويبدأ تقريره الذي نشرته صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» أن محمد رضا دغان – أميري (20 عاما) كان مصمما على القتال في سوريا، وعندما ودعته أمه رفعت القرآن الكريم ومشى تحته ولم تكن تتوقع رؤيته مرة أخرى. والمبرر لسعيه لـ «الشهادة» في سوريا كان هو قتال من «أهانوا الإنسانية» أي تنظيم «الدولة» ولأنه كان يريد اتباع خطوات عمين له قاتلا في الحرب العراقية ـ الإيرانية في ثمانينات القرن الماضي. 
وأكد دغان- أميري انه قد لا يعود من سوريا. وتتذكر أمه فاطمة توسي «قلت له لست حزينة لأنك وجدت الطريق، وأنت ذاهب لمكان أحسن، فلماذا أبكي». 
وتقول إنها لم تبك عندما غادر حتى لا تؤثر على معنوياته. 
ولكنها بكت عندما وصل سوريا. وبعد ثمانية أيام تحقق حلم دغان- أميري وقتل بقذيفة صاروخية مع ثلاثة آخرين أطلق عليهم «شهداء حلب الأربعة» وانضموا إلى قائمة من الإيرانيين الذين قتلوا في سوريا. وليس واضحا إن قاتل دغان- أميري إلى جانب صفوف النظام أو حزب الله أو آلاف من المتطوعين الشيعة. وتلقت عائلته خبر مقتله من مسؤولين في فيلق القدس، المسؤول عن العمليات الخارجية في الحرس الثوري. وقيل لها إنه مات وهو يقاتل تنظيم «الدولة». وينقل الكاتب مشاعر أمه وكيف «بكيت في وحدتي».

دعاية

ويرى الكاتب أن قصة دغان- أميري تقدم صورة عن عالم الجمهورية الإسلامية والمؤمنين فيها والذين تستخدم السلطات تقاهم والتزامهم لإعادة خلق روح الشهادة في وقت تخوض فيه إيران حروبا في سوريا والعراق واليمن. 
كما واستخدمت الدولة قصة كهذه من أجل إظهار أن شعلة الثورة الإسلامية عام 1971 قد انتقلت من جيل إلى جيل. فالأداة الإعلامية للدولة تهدف لاستخدام قصص من قتلوا في سوريا لإحياء نموذج الشهادة التي أسهمت قبل عقود في تجنيد آلاف من الشبان في الحرب العراقية – الإيرانية. 
وعلق موقع «بدريون» على مقتل دغان- أميري «أبطال الخميني الجدد ينضمون للمعركة». وأشار إلى أن جيل دغان- أميري الذي ينتقدهم المتشددون بأنهم ضعاف ومتأثرون بالدعاية الغربية لا يزالون مكرسين لميراث الثورة. وجاء في الموقع «كانت الجبهة تعلم في الماضي داخل حدودنا ولكن هناك أخرى خارج الحدود». 
و»أظهر الجيل الجديد أنهم ليسوا أطفالا ولكنهم رجال حقيقيون». وأشار الموقع إلى أن أميري كان عمره 15 عاما عندما بدأت الحرب السورية «والآن يذهب إلى قلب الجبهة ليقول للإرهابيين أنكم لن تروا أبدا الحدود الإيرانية حتى في أحلامكم».

قلة

ويعلق الكاتب أن أشخاص كأميري يظلون قلة في إيران حيث يهتم جيله بالحصول على آخر نسخة من آيفون أو خرق القيود التي تفرضها الدولة على الإنترنت. 
وفي الوقت الذي نشرت إيران أعدادا من عناصر حزب الله والميليشيات في العراق وأفغانستان نشرت قلة من أبنائها للقتال في سوريا. وهناك عدد كبير من الجنرالات الذين قتلوا من بين 400 عنصر من الحرس الثوري الذين قتلوا في العراق وسوريا. 
وتردد النظام في البداية الكشف عن أسمائهم ولكنه بدأ يحتفل بهم وتضحياتهم من أجل إيران. وأطلقت الدولة على زقاق في وسط – غرب طهران حيث تعيش عائلة أميري على اسم ابنها الذي قتل في حلب. 
وانتشرت أشرطة فيديو تمجد تضحياته وحتى كتاب عن حياته في طبعته الثالثة. وتحولت عائلته لدى بعض الدوائر لوضعية تشبه وضعية النجوم، مشيرا إلى التقاليد التي تسري في العائلة منذ الحرب العراقية – الإيرانية والتي قاتل فيها عماه.

منشورة في زاوية
رابط مختصر
الأخبار المرتبطة