الإثنين 01 يونيو 2020
تقرير: جائحة "كورونا" تكشف عوز أسر العمّال الفلسطينيين في الضفة الغربية

فلسطين المحتلة | 2020-04-24 | خاص


تقرير أحمد حسين
 

في كل عامٍ وعلى أعتاب شهر رمضان الفضيل، ينظر الجار إلى جارِه، وكل مسؤولٍ لرعيته متفقدًا حالهم لمساعدتهم، هذا بالتأكيد في الأعوام العاديّة السابقة، لكن هذا العام سيهل هذا الشهر على آلاف الأسر الفلسطينيّة والعمّال بشكلٍ خاص كضيفٍ ثقيل، بفعل الأزمة الحاليّة المتمثلة في الإغلاق شبه الكامل منعًا لانتشار فيروس "كورونا"، وانكشاف عوز الأسر الفقيرة التي يُعيلها عمّال يعملون بنظام "المياومة" داخل مستوطنات الاحتلال الصهيوني.

تقول الإحصائيات: إنهّ ومنذ بداية أزمة "كورونا" كان يعمل في المستوطنات قرابة 150 ألف عامل فلسطيني، ونحو ستين ألفًا منهم قرّروا البقاء هناك، ويعمل معظمهم في قطاع البناء، إذا تتعمّد سلطات الاحتلال استغلال العمّال الفلسطينيين وتشغيلهم في القطاعات الخطرة غير آبهةٍ لحياتهم وصحتهم، مثل: البناء، المخابز، وغيرها من الأعمال الشاقة، بل لم تقم هذه السلطات بإجراء الفحوصات اللازمة للعمّال حفاظًا عليهم من خطر "كورونا".

أزمة "كورونا" كشفت أيضًا زيف شعاراتٍ كثيرة على الساحة الفلسطينيّة، فمثلاً انكشفت العديد من المبالغات الحكوميّة في التعامل مع هذه الأزمة بكافة جوانبها، وانكشفت شعارات المسؤوليّة الاجتماعيّة التي لطالما تغنى بها القطاع الخاص الفلسطيني، والسؤال الآن: هل هناك أشد وجعًا للعمال الفلسطينيين من هذه الأزمة الحالية، وهم جميعًا يجلسون في البيوت بلا أي مصدر دخل؟.
 

المساعدات شكليّة!

"بوابة اللاجئين الفلسطينيين"، تواصل مع قرابة 15 عاملاً فلسطينيًا من مدن ومخيمات الضفة المحتلة، وبما نسبته 90% من هؤلاء العمّال أكَّد وبشكلٍ قاطع أنّه "لم يستلم من الحكومة أيّة مساعدات ماليّة أو كوبونات غذائيّة، على عكس ما يروّج في الإعلام".

العامل محمد العرجة (46 عامًا)، أوضح لــ"بوابة اللاجئين الفلسطينيين"، أنّه "ومنذ بداية أزمة كورونا جلست في بيتي حفاظًا على حياتي وحياة أفراد أسرتي"، مُردفًا بالقول: "لكن من سيطعمني ويطعم أطفالي الآن؟، نحن على أبواب شهر رمضان وأنا حتى اللحظة لم أستلم أي شيء من الحكومة التي طالبتنا وتنمّرت علينا في البداية بأنّ علينا أن علينا الجلوس في البيوت".

وتابع العرجة الذي يقطن في مُخيّم الفارعة للاجئين الفلسطينيين جنوب طوباس، ويُعيل ستة من أفراد أسرته: "وضعي المعيشي الآن صفر كبير بمعنى الكلمة، أنا منذ شهر فبراير لم أعمل، ما وصلني فقط كرتونة صغيرة فيها عدس ومعكرونة، والحكومة الآن عليها أن تساعدنا، بدهم نموت من الجوع؟".  

وبيّن العرجة الذي كان يعمل في قطاع البناء: "همّا موظفين والهم رواتب وبياكلوا وبيشربوا، بس إحنا عمّال ما حدش مدوّر علينا، زي ما طلبت من الناس تقعد في بيوتها بدك تساعدها عشان تطعمي ولادها".

وفي ذات السياق، قال العامل الفلسطيني فادي ذيب إنّه لم يعمل منذ 45 يومًا، وعند سؤاله عن وضعه المعيشي الآن بفعل الأزمة القائمة، أجاب بعد ضحكةٍ متهكّمة: "وضعي زي أي عامل فلسطيني، ما عنّا إشي، إحنا زي العصافير رزقها يومي، إزا اشتغلت بتاكل، ما اشتغلت ما في أكل".

وأضاف ذيب الذي يقطن في قرية "عورتا" جنوب شرق نابلس، أنّه "يعيل أسرة من ثلاثة أولاد وبنت، وحتى اللحظة لم يصلنا شيء من الحكومة، وقبل 18 يومًا شحنت كرت الكهربا بـ100 شيكل، وفي حال أصبح الكرت فارغًا لن أقدر على تعبئته مرةً أخرى"، مُتابعًا: "مش طالبين إشي كبير، كل مطالبنا شيء بسيط وهو أن نستطيع إطعام أطفالنا".

ومن ضمن أحد العمّال الذي تحدّث إليهم "بوابة اللاجئين"، كان العامل وسام غوراني الذي أكَّد بدوره أنّه "لا يقوى أصلاً على العمل لأنه يُعاني من عدّة أمراضٍ، فقط أعمل في مهنٍ بسيطة كالدهان مثلاً، ويُعيل أسرته الكبيرة المكوّنة من 8 أفراد، وزوجته مريضة سرطان ولها احتياجات عديدة".

وأردف غوراني (45 عامًا) من مُخيّم الفارعة: "حتى اللحظة لم يصلنا أي مساعدات من الحكومة رغم حديثهم عن ملايين الدولارات التي تم رصدها لمساعدة العمّال"، خاتمًا حديثه بأنّ "الشكوى لغير الله مذلّة".
 

"وقفة عز" فعلاً؟

صندوق "وقفة عز.. اسمه على جسمه"، هكذا وصف المتحدّث باسم حكومة السلطة ابراهيم ملحم - صندوق لجمع التبرعات المالية أسسته حكومة اشتية لمواجهة الجائحة- عندما سأله أحد الصحفيين في أحد الايجازات الصحفيّة حول طريقة توزيع أموال هذا الصندوق ومن هي الشرائح المستفيدة منه، بل وأكَّدت الحكومة بكافة وزاراتها المعنيّة بمُتابعة أمور العمّال الفلسطينيين أنّها لن تتركهم للاشيء، بل ستساندهم في هذه الأوقات الصعبة.

ظهر أمس الخميس 23 أبريل/ نيسان، كشف رئيس صندوق "وقفة عز" طلال ناصر الدين، إنّ "اجمالي التبرعات للصندوق بلغ 13 مليون دولار حتى اللحظة ونضع نصب أعيننا أن يصل إلى 20 مليون دينار أردني قبل تاريخ 15 أيار"، ويُشار إلى أنّ المبلغ كان قبل أسابيع 8 ملايين دولار.

المُحاضر في جامعة بيت لحم، أ.وسام رفيدي، كتب على صفحته الرسميّة في موقع "فيسبوك"، إنّ "كل تبرع جيد، ولكن تنطرح حفنة من الأسئلة وأبرزها سؤالان: كيف سيتم توزيع ما يُجمع؟، خاصة أن هناك تجربة طويلة من سلطة أوسلو تبعث على عدم الثقة مطلقًا بنزاهة وشفافية التوزيع دون محسوبيات وفصائليّة مقيتة".
 

"تجميل مخزٍ لرأس المال"

أما السؤال الثاني –بحسب رفيدي-، فهو: "8 مليون جمعوا حتى الآن ويعلنون أن الهدف 20 مليون لنهاية الشهر! بالله شو؟ 8 مليون؟ عشرين مليون؟ هذا أقل من فتات، هذا مخجل!".

وأكَّد رفيدي أنّ "البنوك وشركات الاتصال والتأمين والعقارات تربح سنويًا مئات ملايين الدولارات (راجعوا تقاريرها السنوية) هي بالنهاية (مسحوبة من جياب الناس) على رأي زياد الرحباني، وحسب مرصد السياسات الاقتصادية والاجتماعية فخمسة شركات فقط كانت أرباحها في 2019 مليار و350 ألف شاقل أي أكثر من 400 مليون دولار، ومع ذلك يتحدثون عن 8 مليون و20 مليون"، مُشدًدا على أنّ "هذه تفاهة وتجميل مخزٍ لرأس المال، تشارك به سلطة أوسلو باعتبار الزواج الكاثوليكي بين السلطة ورأس المال.. استحوا شوي".
 

الحكومة ملزمة بتوفير البدائل

وحول المطلوب لإنقاذ شريحة العمّال في فلسطين، تواصل "بوابة اللاجئين الفلطسينيين" مع مسؤول جبهة العمل النقابي في قطاع غزة إلياس الجلدة، إذ أكَّد على أنّ "اتحاد نقابات عمّال فلسطين ومنذ بداية الأزمة طالب العمّال بالجلوس في بيوتهم حفاظًا عليهم"، مُشددًا أنّ "الحكومة الفلسطينيّة ملزمة بتوفير فرص عمل بديلة لهؤلاء العمّال في المصانع الوطنيّة".

وبيّن الجلدة، أنّ "أصحاب العمل داخل المستوطنات يتحايلون على العمّال الفلسطينيين ويمارسون عملية خداع ممنهجة تجاه حقوقهم، ونحن دائمًا كنّا ندعو لعدم العمل في المستوطنات"، مُشيرًا أنّه "بالإمكان أن تقوم المصانع المحلية بتشغيل العمّال".

وأوضح الجلدة أنّ "وضع العمّال سواء في المستوطنات، أو في السوق المحلي يدفعون اليوم في ظل جائحة كورونا ثمنًا باهظًا، فهم عرضة اليوم للخداع وانتهاك حقوقهم من قبل أرباب العمل"، مشددًا على أنّه "لا يجوز لصاحب العمل أن يتهرّب من مسؤولياته تجاه العمّال الذين هم بالأساس من جلبوا له الأرباح".

وختم الجلدة حديثه مع موقعنا، بالتأكيد على أنّ "السلطة اليوم مُطالبة بتوفير المبالغ لتغطية أجور العمّال الذين تضرروا بفعل هذه الأزمة ذات الحجم الكارثي بالمعنى الاقتصادي، وعليها توفير كافة الإمكانيات والحياة الكريمة لهم.. من طلب من العمّال الجلوس في البيت للحفاظ عليهم، عليه أيضًا أن يوفّر لهم حتى لو جزء من الراتب كما يوفر رواتب الموظفين".
 

الانهيارُ آتٍ؟

وفي بيانٍ لها، قالت الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان "ديوان المظالم"، الأربعاء 22 أبريل/ نيسان: إنها خاطبت وزير العمل في السلطة الفلسطينية نصري أبو جيش بخصوص (اتفاق أطراف الإنتاج الثلاثة خلال حالة الطوارئ)، الذي تم توقيعه بتاريخ 16 آذار/مارس الماضي برعاية وزارة العمل، مشددةً على "ضرورة العمل على إيجاد آليات تحمي حقوق العمال وأصحاب العمل في ظل حالة الطوارئ المستمرة، وذلك من خلال تدخلات من الدولة، كون مدة هذا الاتفاق قد شارفت على الانتهاء، في حين أن الظروف التي دفعت إلى توقيعه ما زالت قائمة".

 وبيّنت الهيئة في بيانها "وجود العديد من المؤشرات التي تدل على أن الكثير من أصحاب العمل يفكرون بشكلٍ جدي، في حال استمرار حالة الطوارئ إلى ما بعد شهر نيسان الحالي، بتسريح أعداد كبيرة من العمّال، وهذا الأمر يتطلب تدخلاً سريعًا وعاجلاً لتوفير الحماية ليس فقط للعمال وإنما للمنشآت الاقتصادية، وبخاصة الصغيرة منها والمتناهية الصغر.

وقدّمت الهيئة عدّة مقترحات في خطابها لضمان عدم الانهيار، منها: إعادة فتح الاتفاق الثلاثي، ودعوة الشركاء الموقعين عليه في أقرب وقتٍ ممكن، وقبل نهاية الشهر الحالي، وضم شركاء جدد من ذوي العلاقة والمصلحة، للوصول إلى صيغة اتفاقٍ واضحة وملزمة للجميع، ويمكن للهيئة أن تكون عضوًا مراقبًا خلال جلسات البحث في صيغة اتفاقٍ جديد.

منشورة في زاوية
رابط مختصر
الأخبار المرتبطة