مقال: حراك "ارفعوا العقوبات" نحو تحرير حالة الاحتجاج وتكريسها

مقالات | 2018-06-22 | خاص - بوابة اللاجئين الفلسطينيين
الوليد يحيى

بثَّ حراك "ارفعوا العقوبات عن قطاع غزّة" روحاً جديدة في الحالة الفلسطينية، وفي هذا الكلام إقرارٌ بأنّ الحالة غير مسبوقة، بما هي فعل مطلبي احتجاجي، يتماشى مع التطورات التي أصابت المشهدية الفلسطينية التي كانت " احتلال _ مقاومة" إلى " احتلال_مقاومة_ وسلطة".

ولأنّ المقاومة حق طبيعي وبديهي وثابت، تفرضها حالة الاحتلال، لابد أن يكون الاحتجاج المطلبي كذلك، طالما دخلت إلى المشهد الفلسطيني وتكرّست منذ اتفاق اوسلو، حالة السلطة المحليّة التي لها مؤسسات وأجهزة أمنية ورقابية لحكم المجتمع، بغض النظر عن كونها بلا سيادة وغير قادرة على التحكم بتحركاتها دون إذن الاحتلال، لكنها تمارس سلطويتها كاملة على شعبها، و بطابع استبدادي "فاسد" شديد الوضوح.

ومن المميز وشديد الطبيعيّة، أن تُطلق الحالة المطلبية المجتمعيّة الفلسطينية باكورة حراكها من الميدان المطلبي الوطني "رفع العقوبات عن غزّة" ، لكون "السلطة الوطنية الفلسطينية" من مهامها المُضافة على مجمل المهام السلطوية التي تمارسها أي سلطة استبداديّة على وجه الأرض، هي التكامل مع سلطة الاحتلال في التضييق على الفلسطينيين والتنسيق الأمني معها، لاعتقال المقاومين وحصار قطاع غزّة " مشكلة الاحتلال المزمنة" بما يختزنه من طاقات مقاومة بكافة الأشكال، فضلاً عن ضمّه لشريحة كبيرة من اللاجئين المهجّرين من أراضي 1948، التوّاقين بشدّة للعودة.

من رام الله المحتلّة، وفي مشهد جميل رغم تأخّره، شاهد العالم جموعاً من الفلسطينيين من كافة الفئات الإجتماعيّة، ومن ضمنهم مثقفون وصنّاع رأي، يندفعون لمطالبة السلطة الفلسطينية برفع العقوبات عن قطاع غزّة، والمتمثلة بجملة من الإجراءات التي تمس القطاعات الصحيّة والماليّة والمعيشيّة للأهالي بشكل مباشر، لتُكمل الحصار الصهيوني المستمر منذ 12 عاماً .

مشهد انتقل إلى بقاع مختلفة داخل فلسطين المحتلّة، محفّزاً الشتات الفلسطيني على إفراز مكمّله بمدن الشتات " عمّان وبيروت ومخيّمات تهجير شباب مخيّم اليرموك في سوريا" والمنفى الأوروبي، في مشهدية تفاعليّة ذكرتنا بتفاعل الجسد الفلسطيني الواسع، مع ما يحدث في قلبه من فعاليّات وطنية وثوريّة ضد الاحتلال على امتداد عقوده.

 وقد يقول قائل ببعض الاستنكار، إنّ في هذا القول مقاربة بين الحراك الفلسطيني التاريخي على تنوعه ضد الاحتلال، وبين الحراك المطلبي الاحتجاجي ضد السلطة، لكنّ ليس في الأمر خشية من المقاربة، طالما أنهّ في كلا الحالتين سلطة، وفي كلا الحالتين مقاومة لإجراءاتها، لكن ما يستوجب التوضيح، أنّه في حالة الاحتلال فالمطلب هو الإزالة، أمّا في حالة السلطة الفلسطينية، فهي تستوجب إعادة التشكيل لأخرى شرعيّة وطنية ميثاقيّة تؤكد الحقوق الوطنية والحريّات الاجتماعية وتطوّبها بالدم.

لماذا يتوجّب تحرير الحالة وتكريسها؟

سرعان ما انتقلت الحالة الناتجة عن حراك "إرفعوا العقوبات عن غزّة" في رام الله، من عنوانها الوطني المحدد، إلى أماكن أخرى مكمّلة لها، كرفع الصوت ضد القمع والانتهاكات الحقوقيّة من قبل أجهزة السلطة، التي كشرّت عن أنيابها لممارسة سلوكياتها الطبيعية كسلطة استبداديّة، فاستفزّت بذلك القريحة الاحتجاجية لنقابة الصحفيين وجهات حقوقية وناشطين وطنيين ومثقفين كثر، وسط أفكار كثيرة بتعميم الحالة المطلبية بمعانيها الاقتصادية والحقوقية وعلى مستوى الحريّات.

 لكن هل هذه من مهام الحراك؟ وهل ممارسة المطلبيّة الحقوقية والاجتماعيّة من شأنه تكريس اعتراف ما بسلطة أوسلو كحالة شرعيّة يُطلب منها الحقوق والحماية ؟

 تساؤلات تعبر عن مخاوف الكثير من الناشطين، وهي مشروعة ومُكبّلة بذات الوقت.

و في الإجابة عن التساؤلين آنفي الذكر  يكمن بالضبط  " تحرير الحراك" من ذهنيّة اللاحراك واللّا تحرك واللا احتجاج، وهي ذهنية لا تميّز بين حالة الحراك وحالة التنظيم السياسي، حالة المطالبة وحالة التثوير البدائلي ضد البنى القائمة، وطالما أنّه ثمّة اتفاق على أنّ ما يجري هو حراك شعبي، لذلك لا بد من صياغته وفق المعطيات الأساسية التي يتحرك لأجلها، ووفق ما يحتمله مفهوم حراك عن مفهوم ثورة.

المُعطى الأبرز هو " السلطة الفلسطينية" التي يكرّس وجودها واقعاً مؤسساتيّا قائماً ومحصناً بأجهزة "دولتيّة" بلا دولة، استطاعت إحتواء الشريحة الأكبر من الشعب الفلسطيني، وتأطيره ضمن مؤسسات تُعنى بكافة الشؤون ولو بهزالة مفرطة، وبالتالي التحكم به وتسييره بابتزازه معيشيّاً، والتلويح بفكرة الفراغ والضياع في حال تفكك هذه المؤسسات وتبعثر "عطاءاتها" وفق ما يهوى ترديده السلطويون.

ولعلّ ما شهدناه في التحرك الثاني لنشطاء الحراك أمام السفارة الفلسطينية في بيروت، يوم الأربعاء 20 حزيران/يونيو ، أفقع مثال على قدرة السلطة استغلال الاحتياجات المعيشية  في تحشيد شارع فلسطيني واسع لدعم خياراتها في عقاب وحصار فلسطينين آخرين، في وجه فلسطينيين يلجون إلى عصر الاحتجاج من أجل مسألة وطنية لا لبس فيها، حتّى لدى جمهور حزب السلطة وموظفي مؤسساتها الذين لا شكّ في نواياهم الوطنية والتحامهم المعنوي بشعبهم في غزة وسواها.

ومن هذا المُعطى، يصبح من نافل القول أنّ حالة الاحتجاج المطلبي والمجتمعي هي ضرورة، واتساعها لتشمل الحقوقي والمعيشي والديمقراطي، وما يمس يوميات الناس، لابد أنّ يبرز في الصورة، ويُكرّس في الذهنيّة الفلسطينية، لما فيه من تأسيس لوعي لابد أن يتسرّب بالتراكم ليؤسس لدى المؤطرين سلطوياً، قاعدة تحرك لهم كذلك، واستيعابهم كحالة مقيّدة لابد من دفعها نحو المطالبة لتحسين واقعها وشروطها، وانتزاع حقوق لها يصادرها الفاسدون من حيتان السلطة.  

دفعها للاحتجاج من أجل  التحرر من ابتزازها من قبل السلطويين، لابد أن يكون بديل عن إدانتها لا سيّما أنّه لا بديل مؤسساتي حتى اللحظة عن مؤسسات " السلطة الفلسطينية" ، لا على المستوى النظري ولا العملي بكل تأكيد، من هنا تكمن ضرورة  من ضرورات عبور الحراك نحو المطلبي والحقوقي، إلى جانب الوطني الثابت.

 فالسكون والتطويع الذي يغلّف حال شريحة كبرى من الفلسطينيين، مردّه غياب حالة الاحتجاج بما هي وعي حقوقي مطلبي مجتمعي، وليس في الأمر ما يعطي شرعيّة لسلطة أوسلو عبر المُطالبة منها، بقدر ما يؤسس لتوسيع أرضيّة الانطلاق نحو إعادة التشكيل الوطني عبر المكتسبات المُنتزعة عبر النضال المطلبي والحقوقي، فالمسألة هنا انتزاع، وهو فعل يمارس بوجه من يقيّد ويأخذ ويُصادر بإكراه، ومن يمارس ذلك هو غير شرعي بالضرورة، وليس في مواجهته اعترافٌ بشرعيّته، وفي التاريخ أمثلة كثيرة عن شعوب انتزعت مكتسبات حتّى  من استعمار، واستثمرتها نحو التحرر، ولم تشرعنه بالتأكيد.

تكريس الحالة، وتوسيعها لتكون قاطرة مجتمعيّة تتسع لكافة شرائح الشعب الفلسطيني، بات ضرورة ملّحة، في ظل غياب البديل الوطني، وعجز القوى " المُعارضة" لنهج حركة فتح كحزب للسلطة، عن إنتاج البديل، وشللها حتّى عن الحركة، لذلك، في هذا الحراك بارقة أمل نحو تبلور حالة يحتاجها الشعب الفلسطيني، بدأت بمطلب وطني، ولا بد أن تصبح  حالة وطنية اجتماعية مطلبية حقوقية، تتكامل مع مقاومة الاحتلال السلمية والمسلحة، وتؤسس لوعي مجتمعي كفيل لاحقاً بخلق النموذج المطلوب، بمجّرد أن توفرت الظروف الموضوعيّة لذلك، فالبداية مع ارفعوا العقوبات، لا بد أن تستتبع ببدايات أخرى، وحالة الاحتجاج هي اللبنة الأولى لثورة التغيير الشامل، وضد أي سلطة تفرض على الفلسطينيين من أي لون وشكل ونوع.
 
منشورة في زاوية
رابط مختصر
الأخبار المرتبطة