الاشتباكات الداخلية المتكررة في مخيمات الضفة وتحديداً بلاطة.. من المسؤول والمستفيد؟

الأحد 15 نوفمبر 2020
أحمد حسين-الضفة الغربية/بوابة اللاجئين الفلسطينيين

فجر يوم السبت 31 أكتوبر/ تشرين الأوّل الفائت اندلع اشتباك مسلّح وُصف بالعنيف داخل أروقة مُخيّم بلاطة للاجئين الفلسطينيين في نابلس بالضفة الغربيّة المحتلة، ما أدّى لكسر حالة الهدوء التي من المفترض أن يعيشها مُخيّم اللاجئين، وهذا الاشتباك أدّى لمقتل الشاب حاتم أبو رزق وإصابة خمسة آخرين، عوضاً عن حالة الاحتقان والهدوء الحذِر التي ما زالت مُستمرة حتى يومنا هذا.

مصادرٌ عديدة تابعها "بوابة اللاجئين الفلسطينيين"، بيّنت أنّ الإشكال الأخير في مُخيّم بلاطة اندلع على خلفيّة شجارات سابقة بين شبّان مسلّحين، يتبعان لطرفين سياسيين، أحدهم لما يُسمّى "التيار الإصلاحي لحركة فتح" التابع لمحمد دحلان، والآخر لحركة "فتح المركزية"، كما شنّت الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة أواخر شهر أكتوبر حملة اعتقالات طالت مجموعة من الشبّان في مُخيّم الأمعري للاجئين الفلسطينيين، وذلك بحجّة أنّهم ينتمون "لتيار القيادي السابق في حركة فتح محمد دحلان".

هذا الاشتباك لم يكن الأوّل من نوعه داخل أحد مُخيّمات اللاجئين بالضفة وبالتأكيد لن يكون الأخير وفق معطياتٍ عديدة تؤكّد أنّ هناك حالة من "الفلتان" تُمارسها بعض المجموعات المسنودة من جهاتٍ متنفّذة في السلطة الفلسطينيّة.

من صنع هذه الظاهرة في المخيمات هما السلطة وإسرائيل.

تعقيباً على حالة عدم الاستقرار التي تضرب بعض المُخيّمات الفلسطينيّة بين الفينةِ والأخرى، يقول أستاذ العلوم السياسيّة عبد الستّار قاسم لـ"بوابة اللاجئين الفلسطينيين" إنّ "من صنع هذه الظاهرة في المُخيّمات هي السلطة وإسرائيل، وهما من سلّحوا هؤلاء الناس الذين يستخدمون السلاح كما يحلو لهم، فتارةً لإرهاب الناس، وتارةً أخرى لابتزازهم، وهذا إجرام بحق أبناء شعبنا".

لا محاسبات جدية .. إن حاسبت السلطة المسلحين سيفضحون أمرها.

ولفت قاسم خلال حديثه إلى أنّ "السلطة اليوم إذا أرادت مُحاسبة هؤلاء المسلحين سيفضحون أمرها، لذلك لا نرى مُحاسبات جديّة في هذا الأمر"، مُؤكداً أنّ "هذا النهج الذي تتبعه السلطة جاء لعدّة أسباب أبرزها (تأديب المُعارضين) وبعد ذلك تدّعي أنّها ستتخذ الإجراءات ضد هذا الشخص أو ذاك الذي أطلق النار على الناس، والسبب الثاني من أجل تمزيق المجتمع الفلسطيني لأنّه متماسك وقوى ولا يمكن بأي حالٍ من الأحوال أن يعترف بالكيان الصهيوني ولا التنسيق الأمني معه، فبالتالي يجب تمزيق هذا المجتمع والتأثير على أخلاقياته الوطنيّة لتمرير الاتفاقيات مع الكيان الصهيوني".

فائدة  للعدو فقط

كما أوضح لموقعنا أنّ "المُخيّمات الفلسطينيّة اليوم والقرى أيضاً مليئة بالسلاح الذي يراه العدو بكل وضوح، فماذا يفعل العدو؟ لا شيء لأنّه يعرف ويعلم علم اليقين أنّ هذا السلاح لن يوجّه ضدّه بل يُستخدم للإساءة للمجتمع الفلسطيني، أي الفائدة تكون للكيان الصهيوني من كل هذه الزعزعات والمشاكل هائلة جداً"، مُؤكداً أنّ "السائد اليوم بين الناس هو الشك المتبادل وليس الثقة المتبادلة، ونحن اليوم بحاجة إلى جهودٍ ضخمة من أجل تغيير ما نحن فيه، لأنّ هذه القيادة السياسيّة ما دامت هي الموجودة تمنع أي جهد نحو تصحيح المسار".

وزاد قاسم بالقول: "إذا كان هناك مناصرون أو منتمون لتيار دحلان ما دخل السلطة بهم؟، الإنسان حر يختار التنظيم الذي يراه مناسباً، ولا يوجد أي مبرر قانوني لاعتقال الناس على هذه الخلفية، إذن اعتقال الشبّان على خلفية الانتماء لتيار دحلان هي حجّة وشماعة فقط"، خاتماً حديثه مع موقعنا بالتأكيد على أنّ "السلاح الذي يغض الاحتلال عينه عنه إنّما هو سلاحٌ مشبوه يعمل ضد القضية الفلسطينيّة".

استهداف متعمد للمخيمات واللاجئين

وفي السياق، رأى رئيس مركز يافا الثقافي في مُخيّم بلاطة تيسير نصر الله، أنّ قضية اللاجئين الفلسطينيين تتعرّض لاستهدافٍ مُباشر من قِبل الإدارة الأمريكيّة برئاسة ترامب منذ أن استلمت الحكم وهي تسعى لتصفية قضية اللاجئين، والأداة على الأرض لتنفيذ هذه المخططات هو الاحتلال الصهيوني من خلال وضع المُخيّمات الفلسطينيّة في حالة "لا استقرار" وتفعيل المشاكل الاجتماعيّة داخل هذه التربة الخصبة -المُخيّمات- التي تُعاني من البطالة وتفشي الفقر والاكتظاظ السكّاني داخل المساحة الجغرافيّة الضيّقة، وكل هذه العوامل جعلت المُخيّمات قابلة للانفجار في أي وقت.

وشدّد نصر الله على أنّ المُستفيد الأكبر من إشعال المُخيّمات هو الاحتلال، فبدلاً من أن تكون المُخيّمات رمزاً للصمود وقلعة للمقاومة والنضال تصبح وكراً للمخدرات أو للخارجين عن القانون، أي تشويه لتاريخ المُخيّمات وتاريخ اللجوء وإبعاد الناس عن القضية المركزيّة التي على أساسها بدأ الصراع "الفلسطيني – الإسرائيلي" والذي يمثّل عودة اللاجئين.

الحل الأمني ليس مجدياً.

وأكَّد نصر الله خلال حديثه لموقعنا، على ضرورة أن تقوم السلطة الفلسطينيّة بالقيام بواجباتها تجاه اللاجئين الفلسطينيين إلى حين العودة إلى ديارهم من خلال رعايتهم وتوفير كامل الخدمات لهم ودعم وجود وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" كي لا يتم تصفية هذه المؤسّسة الشاهد على جريمة النكبة عام 1948، مُشدداً على أنّ "مشاكل المُخيّمات التي يفتعلها الاحتلال أو الظروف الصعبة يجب على السلطة أن تُعالجها اجتماعياً واقتصادياً، وليس بالحل الأمني والحملات الأمنيّة تجاه اللاجئين الفلسطينيين، وإذا أرادت السلطة أن تطبّق القانون على حاملي السلاح فيجب أن يكون هناك عدالة في التطبيق وليس انتقاء هذا الشخص أو ذاك".

الأمريكيون يستخدمون "ورقة دحلان" في الضغط على السلطة إزاء موقفها من صفقة القرن.

كما تحدّث "بوابة اللاجئين الفلسطينيين" مع الكاتب والمُحاضر في العلوم الاجتماعيّة بجامعة بيت لحم د.وسام رفيدي، والذي أكَّد بدوره على أنّ حالة الفلتان الموجودة في المُخيّمات تتحمّل السلطة مسؤوليتها بالدرجة الأولى لأنّ من "يزعزع أمن المُخيّمات ويطلق النار هنا وهناك بين الحين والآخر هم مسلحو فتح التابعون للسلطة وليس أبناء المقاومة، السلاح الفالت والمحسوب على تيار ما في السلطة هو الذي يظهر، وتركيبة السلطة نفسها لا تؤدّي إلّا إلى هذا الحال، فكل تيار داخل السلطة والتنظيم له جماعته الخاصة".

رفيدي لم يتفق تماماً مع الرأي الذي يقول أنّ السلطة تستخدم شماعة "دحلان" لاعتقال المُعارضين وإقصائهم، لكنّه بيّن أنّ السلطة غير بريئة في ذات الوقت من قمع الأصوات المُعارضة، وهناك تقارير عديدة تؤكّد أنّ الأمريكيين يستخدمون "ورقة دحلان" في الضغط على السلطة إزاء موقفها من صفقة القرن، ولكن الآن مع قدوم إدارة جديدة إلى البيت الأبيض قد تختلف الأمور إلى حدٍ ما.

"تبهيت لملف اللاجئين وليس تصفيته"

وشدّد رفيدي خلال حديثه على أنّ "السلطة ليست غبيّة لتقول أنّها تُصفّي ملف اللاجئين لأنّ هذا الملف لا يُمكن تصفيته بأي شكل من الأشكال كون القضية الفلسطينيّة هي قضية حق العودة، لكنّ عمليات الزعرنة والعربدة في بعض المُخيّمات تُشيع أجواء من عدم الثقة وعدم اليقين وبالتالي تدفع السكّان لثقافة الهجرة أو الترزّق بطرقٍ أخرى واللجوء لعالم الإجرام والمخدرات، أي يُصبح المُخيّم ساحة لأفعال غير سياسيّة ولا تسعى للتحرير والعودة".

وعاد رفيدي بذاكرته إلى الوراء، لافتاً إلى أنّ "هذه الأجواء عاشتها المُخيّمات في لبنان عقب الهزيمة العسكريّة عام 1982 وخروج المقاومة، إذ انتشرت المخدرات وشاعت الهجرة إلى الدول الاسكندنافية والموساد الإسرائيلي عبث باللاجئين في السويد والدنمارك، وهذا عملياً الذي يجري اليوم: لا يقدرون على تصفية حق العودة للاجئين فيلجؤون إلى دفع شباب المُخيّمات باتجاه خيارات لا تخدم نهائياً بقاء المُخيّم كعنوان للصمود والنضال، أي تبهيت ملف اللاجئين وليس تصفيته بالمعني الحرفي للكلمة لأنّ لا أحد على الإطلاق يستطيع تصفية هذا الملف". 

بارقة أمل

وفي ختام حديثه، أوضح رفيدي أنّه ورغم كل هذه المساعي التي تحاول إضعاف دور المُخيّم في النضال وفي مقاومة الاحتلال إلّا أنّ كل هذه المحاولات لن تنجح وستفشل، وإذا راقبنا ما حصل قبل أيّام سنتأكّد من ذلك، إذ دخلت دورية "إسرائيليّة" إلى مُخيّم قدورة برام الله وأطلقت وابلاً من قنابل الصوت والغاز المُسيل للدموع فقوبلت هذه الدورية باشتباك وصد من قِبل الشبّان في الشوارع، وهؤلاء الشبّان أنفسهم محسوبين على التيار الفلاني وآخرين على تيار آخر في مُخيّم الأمعري مثلاً، إذن هذه التركيبة تؤشّر على شيء واحد فقط بأنّ العدو الصهيوني لا زال هو العدو رقم واحد بالنسبة للشباب الفلسطيني مهما حصل ومهما جرى.

أخيراً، فإنّ المُراقب عن كثب للمُخيّمات الفلسطينيّة أينما وُجدت ورغم ما تُعاني منه من أزماتٍ كبيرة ومشاكل قد نجد بدايتها فقط ولا نهاية لها، يجد أنّ هذه المُخيّمات قد تمرض، ولكنّها بالتأكيد لا ولن تموت كقضية اللاجئين العادلة والشاهدة على الظلم التاريخي الذي تعرّض له الشعب الفلسطيني، إلى حين العودة إلى الديار.

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد