هذه قصّة أمينة والمُحرّر حُسين من مُخيّم دير البلح: حبيبان إلى أن ينام القمر

الأربعاء 05 يناير 2022
أحمد حسين – صحفي فلسطيني/خاص-بوابة اللاجئين الفلسطينيين

"ارتديتُ ثوباً مطرّزاً وصمّمت أن يكون يوماً مليئاً بالفرح"، بهذه الكلمات بدأت أمينة الزريعي الحديث مع بوابة اللاجئين الفلسطينيين، وبشغفٍ ولهفة استقبلت منذ أيّام خطيبها الأسير المُحرّر حُسين الزريعي للمرّة الأولى، وذلك بعد تحرّره من سجون الاحتلال الصهيوني، قاضياً 19 عاماً من عمره خلف قضبان السجون.

تجمَّع الأهل والأحباب فور تحرّر حُسين، واستقبلته أمينة بوجهٍ بشوشٍ مليءٍ بالسعادةِ مرتديةً ثوبها الفلسطيني الفلاحي المطرّز بألوانٍ زاهية لتتبادل معه دِبلة الخطوبة وتشعر بإحساس أيٍ فتاةٍ تقدّم عريسٌ لخطبتِها، طاويةً بذلك صفحة مليئة بالمعاناة والقلق الانتظارْ، إذ خرج عريسها للتوِ من الظلام إلى النور.

السجن حرمني من الفرح بالتفاصيل

تروي أمينة فصول قصتها مع حُسين، وتقول: حُسين هو ابن عمي، وقبل أن يكون خطيبي هو صديقي بالأساس، ومنذ عامين قرأنا فاتحتنا، وكتبنا الكِتاب قبل خروجه من السجن بثلاثة أشهر وأصبحتُ خطيبته، ولكن بكل صراحة لم أعش فترة الخطوبة مثل أي فتاةٍ أخرى وكانت مختلفة، ولكن كان لديّ إيمان عميق بأنّه سيخرج وسنلتقي قريباً، وكل الأشياء كنت أخطط لها كي أشتريها ولكن وأنا برفقة حُسين.

وتُكمل أمينة: كنت أتخيّل كل الأماكن والأشياء وأنا برفقته، سنذهب معاً إلى هناك، وسنأكل في المكان هذا، وسنشتري الملابس من تلك السوق، وسنمشي في ذاك الشارع، وحتى البيت جهّزته لوحدي رغم كل أمنياتي بأنّ أجهزه مع شريك حياتي مثل أي عروس، حتى عندما اشتريت خواتم الخطوبة لم أفرح بالشكل الطبيعي، بل كانت فرحتي منقوصة وطوال الوقت أسأل نفسي: "هل الدِبلة على مقاس يد حُسين، هل ستكون صغيرة؟، أم كبيرة؟"، وعلى هذا المنوال في عدّة أمورٍ أخرى.

8-1.jpg

 

"لا تفقدن الأمل"

كانت أمينة فرحِة جداً يوم عقد القران، حين أصبحت زوجةً لحُسين، لكنّها تمنّت وجوده إلى جانبها في هذا اليوم الهام في حياة أي إنسان، تُتابع أمينة: يوم تحرّره ارتديت ثوباً مطرزاً وصمّمت أن يكون يوماً مليئاً بالفرح مهما كانت الظروف، وأردت أن يخرج من السجن ونستقبله أحسن استقبال وبأجمل الألوان، مُتأكدة من  أنّهما سيعوّضان كل ما فاتهما خلال الفترة الماضية في حياتهما الزوجيّة القادمة، إذ انتظرت حبيبها وعضّت على جُرحها من أجل هذا اليوم في فضاء الحريّة والحُبْ.

تقول أمينة لخطيبات وزوجات الأسرى: "لا تفقدن الأمل، وانتظرن أزواجكن مهما بلغت التحديّات لأنّكن مميّزات وتنتظرن أبطالاً بكل معنى الكلمة".

8-2.jpg

المُحرّر حُسين فقد والده شهيداً في مارس/ آذار عام 2002، إذ ارتقى بنيران قوات الاحتلال قبل أن تنسحب من مستوطنة "كفار داروم" على خط صلاح الدين في دير البلح، فيما تم اعتقال حُسين في شهر كانون الأول/ ديسمبر من ذات العام، وتم تدمير منزله بالكامل، وحُرم بعد ذلك من رؤية والدته طيلة فترة الاعتقال، واليوم يتجهّز وخطيبته لإتمام ترتيبات عقد زفافهما فور تعافي والدته التي أصيبت بأمراضٍ مزمنةٍ إلى جانب مرض السرطان حزناً على سنوات غيابه في سجون الاحتلال.

الأسير الفلسطيني يُحب الحياة

يقول حسين: إن مشواره مع أمينة كان مليئاً باللحظات الجميلة، وخطبته من داخل السجن كانت كنوعٍ من الأمل والحياة التي يُحبّها الشباب الفلسطيني المناضل داخل سجون الاحتلال من أجل الحريّة، إذ يؤكّد أنّ الـ19 عاماً التي قضاها داخل سجون الاحتلال لم تنزع منه حب الحياة والأمل بالخروج إلى الحياة.

ويُتابع حُسين: إن شاء الله قريباً سيكون زفافنا أنا وأمينة الذي أتمناه لكل أسير بأن ينعم بالحرية أولاً، والزواج ثانياً، وأن يعيش بين أحضان أمّه عائلته وأحبابه، وهذا هو الأمل في الحياة، خاصّة وأنّ هناك أسرى قضوا عشرات السنين من أعمارهم داخل هذه السجون والزنازين الصهيونيّة التي تسرق حياة وعُمر الانسان الفلسطيني.

8-3.jpg

ويؤكد حُسين أنّه ورغم كل المعاناة إلّا أنّ السجون تحوّلت إلى مدارس وأكاديميّات تعلّم فيها الفلسطيني بفضل إرادته النضال والتحدي والصمود وحب الحياة.

ويضيف إنه من الضروري جداً التركيز في الإعلام الفلسطيني على معاناة الأسرى من أجل تدويل هذه القضيّة، وخاصّة في ظل الجرائم البشعة التي يرتكبها الاحتلال بحق الأسرى بشكلٍ يومي داخل السجون وعلى رأسها ملف إهمال الأسرى طبياً، وقضية استشهاد الأسير سامي العمور قبل فترةٍ وجيزةٍ ليست بعيدة عن هذا الإهمال.

قتلوا الأسير العمور بإهماله طبيّاً

يتحدث حُسين عن معاناة رفيقه الشهيد الذي استشهد بعد إهمالٍ طبيٍ متعمّد من إدارة السجن، يقول: سامي كان يعيش معنا في قسم 11 بسجن نفحة الصحراوي في غرفة 57 وكان يتذوّق الألم في كل ثانية، حيث وصل وزنه إلى 37 كيلو جرام وكان رفاقه الأسرى يساعدونه على ارتداء ملابسه، وتم نقله عدّة مرّات في سيارة العذاب "البوسطة" إلى عدّة سجون ومستشفيات، لكنّه لم يحتمل كم الضغط النفسي والألم الناتج عن مرضه إلى أن اُعلن عن ارتقائه شهيداً على مذبح الحريّة، وهذه قصّة واحدة فقط من قصص تُدمي القلوب من خلف القضبان.

ويدعو المُحرّر الزريعي إلى ضرورة تكاتف كل الجهود والجهات من أجل العمل على تحرير جميع هؤلاء الأسرى، بعيداً عن الحزبيّة والفصائليّة، فهؤلاء جميعاً هم أسرى فلسطين بغض النظر إلى أي تنظيمٍ ينتمون، وخاصّة في ظل أنّ ما يُسمى "الصليب الأحمر" لا يقوم بعمل ما أؤسّس لأجله على مستوى العالم، أي خدمة الإنسانيّة، واليوم يقف عاجزاً أمام استمرار جرائم الاحتلال بحق الأسرى على اختلافها، بل أصبح عبارة عن "ساعي بريد" ينقل الرسائل والوكالات بين الأطراف فقط.

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد