في أحد أطراف مخيم الرشيدية للاجئين الفلسطينيين جنوبي لبنان، وبين الأزقة الضيقة والبيوت المتلاصقة، تنتشر حظائر صغيرة بالكاد تُرى من شدة ضيق المكان. هناك، يواصل عدد من اللاجئين الفلسطينيين تربية المواشي كخيار اضطراري للبقاء وتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة، في ظل واقع اقتصادي خانق، وبطالة مرتفعة، وغياب شبه كامل لفرص العمل.

لم تعد تربية المواشي في المخيم مهنة تقليدية أو نشاطاً اختيارياً، بل تحوّلت إلى وسيلة صمود في مواجهة الفقر وتراجع المساعدات واشتداد الأزمات المعيشية، حيث يجد كثيرون أنفسهم مضطرين للاعتماد عليها كمصدر رزق وحيد.

عمل يومي يبدأ مع الفجر

مع ساعات الصباح الأولى، يبدأ مربّو المواشي يومهم بتفقّد الحيوانات، وتنظيف الحظائر، وتأمين الأعلاف والمياه. عمل شاق لا يعرف عطلة أو راحة، فالحيوانات تحتاج إلى رعاية دائمة، بغضّ النظر عن الطقس أو الظروف المعيشية الصعبة.

أبو محمود، أحد مربي المواشي في المخيم، يصف يومه بالقول: "نستيقظ قبل الفجر، نُطعم الحيوانات وننظف المكان، ثم نبدأ يوماً طويلاً من المتابعة،هذه الماشية هي مصدر رزقنا الوحيد، وإن أهملناها يوماً نخسر كل شيء".

ويؤكد أبو محمود في حديثه مع بوابة اللاجئين الفلسطينيين، أن تربية المواشي داخل المخيم مهمة شاقة، بسبب ضيق المساحة وقلة الإمكانيات، إلا أن الحاجة تفرض الاستمرار رغم كل الصعوبات.

رزق محدود وتكاليف متصاعدة

ورغم الجهد اليومي الكبير، يبقى العائد المادي محدوداً وغير مستقر، فأسعار الأعلاف تشهد ارتفاعاً مستمراً، في وقت تبقى فيه القدرة الشرائية لسكان المخيم ضعيفة، ما يضع مربي المواشي في معادلة قاسية بين كلفة الإنتاج وسعر البيع.

أبو أحمد، وهو مربٍ آخر، يوضح هذه المعضلة في حديث مع موقعنا ويقول: "سعر العلف يرتفع باستمرار، بينما لا نستطيع رفع سعر الحليب أو اللحوم، أحيانًا نعمل فقط لنغطي التكاليف، دون أي ربح حقيقي".

ويشير إلى أن غياب أي دعم رسمي أو مؤسساتي يزيد من صعوبة الاستمرار، لا سيما في ظل عدم توفر خدمات بيطرية منتظمة، ما يعرّض المربين لخسائر محتملة في أي وقت.

الأطفال بين المساعدة وتعلّم المسؤولية

في كثير من العائلات، يشارك الأطفال في رعاية المواشي، سواء عبر إطعام الحيوانات أو تنظيف الحظائر. ورغم قسوة هذا المشهد، يرى الأهالي في مشاركة أبنائهم وسيلة لتعليمهم المسؤولية والاعتماد على النفس في ظروف قاسية.

أم محمد، وهي أم لثلاثة أطفال، تقول: "أولادي يساعدونني بعد المدرسة، أريدهم أن يتعلموا قيمة العمل، لكنني في الوقت نفسه أتمنى لهم حياة أسهل من حياتنا".

وتضيف أن تربية المواشي أصبحت جزءًا من نمط الحياة اليومية داخل المخيم، تنتقل من جيل إلى آخر كحل اضطراري فرضته الظروف، لا كخيار مهني نابع من رغبة أو تخطيط.

تحديات صحية وبيئية

إلى جانب التحديات الاقتصادية، تفرض تربية المواشي داخل المخيم أعباء صحية وبيئية إضافية. فالمساحات الضيقة، وغياب البنية التحتية المناسبة، يجعلان من الصعب الالتزام بشروط السلامة الصحية، سواء للحيوانات أو للسكان المحيطين بها.

ويؤكد أحد المربين أن الحفاظ على النظافة يتم بجهود ذاتية محدودة، قائلاً: "نحاول قدر الإمكان الحفاظ على النظافة، لكن الإمكانيات محدودة، ولا يوجد دعم بيطري دائم".

هذه الظروف تجعل المربين عرضة للخسارة في أي لحظة، خصوصاً في حال انتشار الأمراض أو نفوق الحيوانات، ما يعني ضياع مصدر الرزق بالكامل.

الصمود كخيار وحيد

ورغم قسوة الواقع وتراكم التحديات، يصرّ مربو المواشي في مخيم الرشيدية على الاستمرار، فبالنسبة لهم، تمثل هذه المهنة الهشّة شكلًا من أشكال الصمود، ومحاولة للحفاظ على الكرامة وتأمين لقمة العيش في ظل واقع اقتصادي قاسٍ.

أبو محمود يختصر هذا الإصرار بقوله: "نحن لا نبحث عن الرفاهية، فقط نريد أن نعيش بكرامة، وأن نؤمّن لقمة العيش لأولادنا".

في مخيم الرشيدية، لا تُقاس الحياة بحجم المكان، بل بقدرة سكانه على التكيّف والصمود. وبين حظائر بسيطة وأيادٍ متعبة، تستمر تربية المواشي كأحد أشكال البقاء في مخيم يعاني من الإقصاء والتهميش، في حكاية كفاح يومي تختصر معاناة اللاجئ الفلسطيني وإصراره على الحياة رغم كل التحديات.

بوابة اللاجئين الفلسطينيين

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد