يعاني سكان مخيم النيرب في مدينة حلب تصاعدًا ملحوظًا في الضغوط المعيشية، على وقع الارتفاع الحاد في إيجارات المنازل، في ظل أوضاع اقتصادية هشة تعانيها غالبية العائلات، ما فاقم من حجم العجز لدى الأسر محدودة الدخل، ووسّع دائرة المعاناة السكنية داخل المخيم ومحيطه، ولا سيما لدى أصحاب الأعمال الحرة الذين لا تتناسب أجورهم مع هذه الارتفاعات الكبيرة في الإيجارات.
وفي ظل واقع سبر بوابة اللاجئين الفلسطينيين أغواره في هذا التقرير، تبدو أزمة السكن في مخيم النيرب مرشحة لمزيد من التعقيد، ما لم تتخذ خطوات جدية لمعالجة ملف ترميم المنازل، وزيادة المعروض من المساكن، وتوفير حلول تخفف العبء عن الفلسطينيين والنازحين على حد سواء.
شحّ في المساكن وقفزة في الأسعار
يوضح محمود المحمود، المعروف بـ"أبو البراء"، عضو لجنة التنمية في مخيم النيرب، في حديث لـ"بوابة اللاجئين الفلسطينيين"، أن أزمة الإيجارات لا تقتصر على ارتفاع الأسعار فحسب، بل تبدأ أصلًا من صعوبة العثور على منزل للإيجار.
ويشير المحمود إلى أن أي شخص يبحث اليوم عن بيت قد يضطر للانتظار نحو ستة أشهر، وربما ثلاثة أشهر في أفضل الحالات، بحسب ما يستطيع الاستفادة منه من المعارف والظروف.
ويتطرق المحمود إلى التصاعد المحموم في أسعار الإيجارات، موضحًا لموقعنا أن الإيجارات كانت في السابق تتراوح بين 100 ألف و200 ألف ليرة سورية، بحسب نوع المنزل، بينما لا يقل أقل إيجار اليوم عن 500 ألف ليرة، ما يعكس قفزة كبيرة في الأسعار.
ورغم ذلك، يرى المحمود أن هذه الإيجارات تبدو "طبيعية نسبيًا" إذا ما قورنت بمناطق أخرى في سوريا، حيث لا يقل إيجار المنازل في إدلب عن 100 دولار وقد يصل إلى 150 دولارًا، فيما تتجاوز الإيجارات في مناطق مثل سرمدا والدانا حاجز 300 دولار شهريًا.
ظاهرة عامة وعبء مضاعف على أصحاب الأعمال الحرة
ويؤكد المحمود أن ارتفاع الإيجارات بات ظاهرة عامة في مختلف المناطق السورية بعد التحرير وسقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد، لافتًا إلى أن الدخل تحسّن نسبيًا مقارنة بالسنوات السابقة، إذ ارتفع دخل الموظف من نحو 25 دولارًا شهريًا إلى مستويات أفضل، وإن كان هذا التحسن لا يوازي الارتفاع الكبير في تكاليف المعيشة والإيجارات.
ويشير إلى أن أوضاع الموظفين تتجه نحو تحسن تدريجي، في حين يشكّل هذا الواقع عبئًا مضاعفًا على أصحاب الأعمال الحرة الذين تبقى دخولهم غير مستقرة.
عودة المهجّرين وارتفاع الطلب
ويرجع المحمود الأسباب الرئيسية لارتفاع الإيجارات إلى عودة أعداد كبيرة من السكان الذين كانوا خارج البلاد، سواء في تركيا أو أوروبا، وغالبية هؤلاء لا يملكون منازل، ما أدى إلى زيادة الطلب على البيوت.
كما أن عددًا من الأهالي الذين عادوا من المناطق المحررة سابقًا وجدوا منازلهم مدمرة، واضطروا إلى اللجوء للإيجار، في وقت يشهد فيه السوق نقصًا حادًا في عدد المساكن، الأمر الذي دفع الأسعار إلى الارتفاع بشكل متسارع.
من جهته، يؤكد أحد اللاجئين الفلسطينيين في مخيم النيرب أن الإيجارات ارتفعت بشكل كبير نتيجة مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها غلاء المعيشة، وارتفاع أسعار المنازل، وقلة المعروض منها.
ويضيف في حديث لـ"بوابة اللاجئين الفلسطينيين" أن عدم استكمال وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" لمشاريع الترميم التي وعدت بها، ساهم في بقاء عدد كبير من العائلات دون منازل.
ويشير إلى أن الأجور الحالية لا تتناسب إطلاقًا مع الواقع المعيشي، موضحًا أن الإيجارات كانت أقل بكثير في السابق، لكنها ارتفعت بشكل ملحوظ بعد التحرير، في وقت لا تزال فيه الظروف الاقتصادية صعبة.
وتتفاقم الأزمة، بحسب الشهادة، مع وصول شبان وعائلات نازحة من مخيم حندرات، إلى جانب نازحين سوريين فقدوا منازلهم، وكثير منهم ينتمون إلى الفئات الأشد فقرًا، ما زاد من حدة المنافسة على السكن، وعمّق أزمة الإيجارات داخل المخيم ومحيطه.
