عُقد في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في طرابلس شمال لبنان، لقاء شعبي، اليوم الاثنين 19 كانون الثاني/يناير، وذلك بدعوة من فعاليات محلية في مخيم البداوي، في قاعة النادي الثقافي داخل المخيم، احتجاجاً على التقلّيصات المتواصلة في خدمات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، ولا سيّما في قطاعات الطبابة والشؤون الاجتماعية والتعليم.
وجاء اللقاء في ظل تصاعد القلق الشعبي من تداعيات هذه الإجراءات على الحياة اليومية للاجئين الفلسطينيين، وما تحمله من انعكاسات خطيرة على مستقبل أبنائهم، وسط تأكيد واسع على ضرورة التحرك الجماعي والضغط المنظّم للمطالبة بالحقوق الأساسية، وصون ما تبقّى من خدمات تُشكّل ركيزة أساسية لصمود أبناء المخيم.
الدفاع عن "أونروا" لا يعني القبول بالمسّ بالكرامة
في هذا السياق، أكد الأستاذ أسامة العلي، في مقابلة مع بوابة اللاجئين الفلسطينيين، أن الفلسطينيين متمسّكون بوجود "أونروا" واستمرارها، باعتبارها الجهة التي توفّر خدمات أساسية للاجئين الفلسطينيين، وشدد في الوقت نفسه على رفض أي تعامل يمسّ بكرامة اللاجئ أو يتعامل معه باستخفاف.
وأشار العلي إلى أن "أونروا" تتعرض اليوم لما وصفه "حرب شرسة" تقودها الولايات المتحدة والعدو الصهيوني، مؤكداً أن الفلسطينيين هم الأحرص على بقاء الوكالة واستمرار دورها، أكثر من أي طرف آخر.
ولفت إلى أن الواقع الراهن يمر بأزمة كبيرة وخطيرة نتيجة التقليص المتواصل للخدمات، موضحًا أن أكثر من 90% من خدمات "أونروا" جرى التخلّص منها خلال السنوات الماضية، فيما تشهد المرحلة الحالية تقليصًا إضافيًا بنسبة 20% مما تبقّى.
وبيّن أن هذه التقليصات طالت قطاعات كانت تُعدّ "خطًا أحمر"، وفي مقدمتها الصحة والتعليم، وحذّر من أن خدمة التعليم باتت مهددة بشكل مباشر، بدءا من تقليص معاشات الأساتذة، وصولًا إلى تراجع مستوى التعليم بنسبة لا تقل عن 20%. وأكد أن هذا اللقاء جاء لتنبيه الناس إلى خطورة المرحلة، والتشديد على أن تقليص خدمات الوكالة لا يعني أن الشعب الفلسطيني مستكين أو صامت.
كما شدد العلي على أن أبناء المخيم سيكونون بالمرصاد لأي محاولات مشبوهة لتمرير مضامين تمسّ هوية الطلاب عبر قطاع التعليم، مؤكداً أن الموقف سيكون واضحاً وحاسماً في التحركات المقبلة.
نتمسك بـ "أونروا" ونرفض إدارتها المتواطئة
من جهتها، قالت الناشطة فاتن العلي من مخيم البداوي إنها تشارك منذ سنوات في الاحتجاجات ضد تقليصات "أونروا"، باعتبارها شاهداً حياً على قضية اللاجئين الفلسطينيين. وأوضحت أن مشاركتها في اللقاء تأتي لتسجيل موقف واضح ضد التقليصات، ولا سيّما تلك التي تمسّ التعليم، الذي يشكّل حقًا أساسيًا لأبناء اللاجئين.
وأكدت أن الفلسطينيين هم الأكثر تمسكاً بـ "أونروا"، لكن ذلك لا يمنع من الاعتراض على ما وصفته بالإدارة الفاسدة والمتواطئة، معتبرة أن الدور الأساسي للوكالة يجب أن يكون تأمين التمويل وتحمل مسؤولياتها، لا تحميل اللاجئين عبء العجز والتقليصات أو تمرير ما سمّته "فضائح كبرى"، وفي مقدمتها شطب اسم فلسطين من المناهج.
وشددت على أن القضية الفلسطينية، من البحر إلى النهر، ستبقى حاضرة، وأن اللاجئين لن يقبلوا بغياب اسم فلسطين عن مناهج أبنائهم أو المساس بحقهم في الهوية الوطنية.
التقليصات تضرب كل تفاصيل حياتنا
بدورها، رأت سونيا شحادة أن مثل هذه الأنشطة يجب أن تكون دائمة ومستمرة، لدفع الناس إلى التحرك والمطالبة بحقوقهم.
وأشارت إلى أن تقليصات "أونروا" بدأت بشكل تدريجي، من وقف المساعدات النقدية للأطفال وكبار السن، مروراً بتقليص خدمات الشؤون الاجتماعية، وصولاً إلى وقف الإعاشة بحجة عدم توفر التمويل.
وأضافت أن المساس لم يتوقف عند هذا الحد، بل وصل إلى شطب اسم فلسطين من خرائط وكتب الجغرافيا، وتقليص رواتب الموظفين بنسبة 20%، وهو ما سينعكس مباشرة على الطلاب، في ظل الاكتظاظ داخل الصفوف، وتقليل عدد الساعات الدراسية أو إلغاء أيام تعليمية كاملة. كما حذّرت من التخوف المتزايد من تقليص خدمات الصحة والعيادات، لما لذلك من أثر بالغ على حياة اللاجئين.
شطب اسم فلسطين اعتداء على حقنا
من جانبه، عبّر الطفل إبراهيم زيد عن رفضه لشطب اسم فلسطين من المناهج التعليمية، معتبراً ذلك اعتداءً مباشراً على حق الطلاب الفلسطينيين وهويتهم الوطنية، ومطالباً بإعادة اسم فلسطين إلى كتب الجغرافيا.
وأشار إلى أن تقليص عدد الحصص أو أيام الدراسة يشكّل عبئاً كبيراً على الطلاب، لا سيّما في ظل صفوف مكتظة يتجاوز عدد الطلاب فيها 45 طالباً، وأكّد أن "أونروا" تنتقل من تقليص إلى آخر، وعليها التراجع عن هذه القرارات.
ويعكس هذا اللقاء الشعبي في مخيم البداوي حجم الغضب والقلق المتصاعدين في أوساط اللاجئين الفلسطينيين من السياسات التي تنتهجها وكالة "أونروا"، والتي لم تعد تُقرأ فقط كإجراءات تقشفية، بل كمساس مباشر بالخدمات الأساسية وبالهوية الوطنية الفلسطينية.
ومع تصاعد التحذيرات من تداعيات هذه التقليصات على التعليم والصحة والعيش الكريم، يؤكد أبناء المخيم أن التحرك الشعبي سيبقى مستمراً، دفاعاً عن حقوقهم، وتمسكاً بـ "أونروا" كشاهد دولي على قضية اللاجئين، ورفضاً لأي محاولات تستهدف تذويب هويتهم أو شطب فلسطين من الذاكرة والمناهج.
