شهدت مدينة صيدا، اليوم، اعتصامًا حاشدًا أمام مكتب وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، في سياق التحركات الاحتجاجية المتواصلة رفضًا لسياسات التقشف، وتخفيض ساعات العمل، والخصم من رواتب الموظفين، ولا سيما اقتطاع نسبة 20%، وما يرافق ذلك من انعكاسات خطيرة على حقوق اللاجئين الفلسطينيين في قطاعات الصحة والتعليم والإغاثة.
وأكد المشاركون في الاعتصام أن المساس بحقوق الموظفين ينعكس مباشرة على مستوى الخدمات المقدّمة للاجئين، مشددين على أن الحقوق الصحية والتربوية والإغاثية تشكّل خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه، وأن الهوية والانتماء الوطني الفلسطيني لا يُساوَم عليهما تحت أي ذريعة مالية أو سياسية.

وفي الإطار ذاته، أعلن اتحاد المعلّمين الفلسطينيين في لبنان التوقف عن العمل خلال آخر ساعتين من الدوام الرسمي، يوم الخميس 22 كانون الثاني/يناير، أعقبه اعتصام احتجاجي، رفضًا لقرارات تخفيض ساعات العمل والرواتب. وأكد الاتحاد أن هذا التحرك يأتي ضمن إطار نقابي قانوني، دفاعًا عن حقوق وكرامة العاملين، ورفضًا لتحميل الموظفين تبعات الأزمة المالية.
وافتتح الاعتصام في صيدا بكلمة تمهيدية شددت على خطورة المرحلة، متسائلة عمّا إذا كان المطلوب ترك اللاجئين الفلسطينيين بلا مأوى ولا غذاء ولا مدارس ولا علاج، في عالم يتغنّى بحقوق الإنسان، بينما يُترك شعب أعزل يواجه مصيره وحده.
وأكدت الكلمة أن الشعب الفلسطيني يعاقَب لأنه هُجّر من أرضه ويتمسّك بحقه في العودة، مجددة التأكيد على أن الفلسطينيين شعب صابر لن يستسلم، وسيواصل الدفاع عن حقوقه مهما اشتدت الضغوط والمؤامرات.
وقال أبو محمد عدنان رفاعي، عن لجنة الدفاع عن حقوق اللاجئين، إن هذا التحرك يهدف إلى تسليط الضوء على المعاناة المتفاقمة للاجئين الفلسطينيين في لبنان، نتيجة التراجع الخطير في خدمات "أونروا"، مؤكدًا أن ما تشهده المخيمات من تدهور في الخدمات التعليمية والصحية والإغاثية لا يمكن اختزاله بعجز مالي فحسب، بل يشكّل مؤشرًا خطيرًا يهدد صمود اللاجئ الفلسطيني وكرامته.
وأوضح أن سياسة التقليص الممنهج التي تعتمدها إدارة "أونروا" وضعت العائلات الفلسطينية أمام خيارات قاسية بين تأمين العلاج أو توفير لقمة العيش، مشددًا على أن الوكالة ليست مؤسسة خيرية، بل التزام دولي وشاهد حي على قضية اللاجئين الفلسطينيين إلى حين عودتهم. واعتبر أن تقليص المساعدات في ظل الانهيار الاقتصادي في لبنان يُعد تخليًا صريحًا عن المسؤوليات الإنسانية والأخلاقية.
وطرحت خلال الكلمة جملة مطالب، أبرزها: التراجع الفوري عن جميع القرارات التي تمس المساعدات المالية المباشرة، تحسين الخدمات الصحية وزيادة نسبة التغطية الاستشفائية، وتأمين تمويل مستدام لـ "أونروا" بعيدًا عن أي ابتزاز سياسي.
وأكد رفاعي أن اللاجئين والموظفين الفلسطينيين لن يكونوا الحلقة الأضعف، وأن الصوت الاحتجاجي سيبقى مرتفعًا حتى استعادة الحقوق المشروعة كاملة.
تحذير من الانهيار الصحي
وتوقف المتحدث مطولًا عند الواقع الصحي، محذرًا من أن تراجع الخدمات الصحية تجاوز كونه أزمة موازنة ليصل إلى حد التهديد المباشر للحق في الحياة. وأشار إلى أن سياسة التقليص حوّلت المراكز الصحية إلى مرافق تفتقر لأبسط المقومات، ودفعت المرضى الفلسطينيين لمواجهة مصيرهم وحدهم أمام أبواب المستشفيات.
ولفت إلى تدني نسبة تغطية العمليات الجراحية والحالات الطارئة، وعجز العائلات عن تحمّل تكاليف الاستشفاء، ما أدى إلى تسجيل حالات وفاة، إضافة إلى الانقطاع المتكرر للأدوية، خصوصًا لأصحاب الأمراض المزمنة كالسكري وأمراض القلب والسرطان.
واعتبر أن تقليص الخدمات الصحية في ظل الانهيار الاقتصادي في لبنان هو بمثابة "حكم بالإعدام البطيء" على اللاجئين الفلسطينيين، مطالبًا "أونروا" والمجتمع الدولي والدولة المضيفة بتحمّل مسؤولياتهم، وتأمين موازنة ثابتة للقطاع الصحي، باعتبار أن الأمن الصحي خط أحمر لا يمكن تجاوزه.
المناهج والهوية الوطنية
وفي الشق التربوي، شدد رفاعي على أن شطب اسم فلسطين من الخرائط أو المناهج لا يمحو الحقيقة، فالتاريخ محفور في الأرض والوجدان، مطالبًا بمناهج تعليمية، ولا سيما كتب الجغرافيا، تُرسّخ الهوية الوطنية الفلسطينية وتربط الطلاب بجغرافية وطنهم وقراهم الأصلية، حفاظًا على الذاكرة الجماعية والتمسك بحق العودة.

من جهته، قال الأستاذ حسان السيد، عضو اتحاد المعلمين ومدير مدرسة القدس سابقًا، إن الألم الحقيقي لا يكمن فقط في ظلم العالم أو تخاذل الشعوب، بل في الوجع الداخلي الذي يعيشه الفلسطيني يوميًا، مشيرًا إلى أن قرار خفض ساعات العمل ورواتب الموظفين بنسبة 20% يعني فعليًا خفض 20% من خدمات الشعب الفلسطيني، وتحميل العبء للموظفين الذين يشكّلون العمود الفقري للتعليم والصحة والخدمات.
وأكد أن المعلمين والأطباء والممرضين والعمال هم من يخدمون الشعب، وأن المساس بحقوقهم هو مساس مباشر بحقوق اللاجئين، مشددًا على أن القضية ليست مسألة مساعدات مالية أو خدمات منقوصة، بل قضية كرامة وحياة ووطن.
كما شدد على التمسك بالقانون اللبناني ورفض الفوضى، مؤكدًا عمق العلاقة الأخوية بين الشعبين اللبناني والفلسطيني، ومعتبرًا أن استهداف "أونروا" يهدف في جوهره إلى إنهاء القضية الفلسطينية.
وختم بالدعوة إلى هبّة شعبية شاملة في المخيمات لرفض الظلم والمطالبة بالحقوق كاملة، وحماية المناهج والخرائط، والحق في التعليم والصحة، مؤكدًا أن الشعب الفلسطيني باقٍ، وأن القضية ليست معاشًا أو خدمة، بل حق تاريخي ووطني، وأن العودة حتمية.
