"أبو زهير" ينهض بمطعمه في قطاع غزة من بين الركام رغم الوجع والفقد

الإثنين 26 يناير 2026

في البلدة القديمة بمدينة غزة، حيث تختلط رائحة الخبز بعبق التاريخ، لم يكن مطعم "معجنات أبو زهير" مجرد محل شعبي، بل معلم تراثي حي، وحكاية ذاكرة فلسطينية متجذّرة في المكان والناس.

من هناك، صنع إسماعيل قاسم، المعروف بـ"أبو زهير"، اسمًا ارتبط بالمدينة وروّادها، قبل أن تحوّل آلة الحرب "الإسرائيلية" هذا المعلم إلى ركام، وتترك خلفها قصة فقدٍ وصمود بدأت من تحت الأنقاض، وما زالت تُكتب بإرادة لا تنكسر.

استشهاد الابن ومرارة النزوح

رغم المكانة الخاصة التي حظي بها المطعم، لم يَسلم أبو زهير وعائلته من ويلات العدوان. يقول لبوابة اللاجئين الفلسطينيين: "استهدف الاحتلال بيتي المكوّن من ستة طوابق، واستشهد ابني وعمره 22 عاماً، كما قُصف المطعم وتحول كل شيء إلى كومة ركام".

WhatsApp Image 2026-01-26 at 4.21.17 PM (2).jpeg

ويتابع :"أصبحت حياتنا سلسلة متواصلة من النزوح والمعاناة، فنزحنا نحو 25 مرة من منطقة إلى أخرى، ومن بيت إلى بيت. أُصبت أنا وزوجتي، لكن الله نجّانا، نزحنا مرتين إلى جنوب غزة، ثم عدنا إلى الشمال فلم نجد سوى الدمار".

ويضيف أبو زهير، أن الاستهداف لم يقتصر على المنزل والمطعم، بل طال أيضاً مصنع المعجنات الذي كان يشكّل مصدر رزقه ورزق أبنائه.

بداية جديدة بإمكانيات شبه معدومة

ويتابع أبو زهير: "دُمّر مصنع المعجنات بالكامل، لكنني رفضت الاستسلام. قررت أن أبدأ من جديد بأقل الإمكانيات، وعدت إلى العمل اليدوي، في محاولة لإعادة الروح للناس، ولغزة، ولمطعمي الذي كان يقصده الجميع".

ويشير إلى أن المطعم كان يُعدّ معلماً سياحياً بحكم موقعه الملاصق للجامع العمري الكبير، أحد أقدم المساجد في قطاع غزة، وكان يستقبل الزوار من مختلف الدول الأوروبية والعربية، إضافة إلى المغتربين من أبناء الوطن.

ويتحدث أبو زهير عن التحديات اليومية التي تواجهه، قائلاً: "أكبر المشكلات هي قلة المعدات، ونقص الأيدي العاملة، وأهمها شحّ الحطب، كنا نخبز على الغاز خلال نصف ساعة، أما اليوم فنحتاج من خمس إلى ست ساعات حتى تجهز المعجنات".

WhatsApp Image 2026-01-26 at 4.21.18 PM (1).jpeg

ويضيف بحسرة وأمل: "أحلم أن يعود مطعمي كما كان، وأن تعود الزبائن التي كانت تأتي لشرب كوب شاي مع منقوشة الزعتر، المرتبطة بتراثنا الفلسطيني، كنت أريد أن أُري العالم جمال غزة، لكن البلدة القديمة اليوم أصبحت ركامًا، أحلامنا كانت كبيرة، لكن الاحتلال هدم حلم 15 عامًا خلال 15 ثانية".

ويختم حديثه بحرقة ممزوجة بالصمود قائلاً: "كنا نعيش في بيوتنا بأمان، واليوم نعيش في خيام لا تقي من برد الشتاء ولا من حرّ الصيف، حياتنا انقلبت رأسًا على عقب، وأقسى ما في الأمر فقدان ابني. لكننا ثابتون على أرض فلسطين، وصامدون، ولن نستسلم".

فرغم فداحة الخسارة وعمق الفقد، تبقى قصة إسماعيل قاسم "أبو زهير" شاهداً حياً على إرادة الحياة في غزة، حيث ينهض الإنسان من تحت الركام ليصنع خبزه وأمله بيديه، متحدياً الدمار والحصار، ومؤكدً أن ما هُدم يمكن أن يُبنى من جديد، وأن غزة، بأهلها وصمودهم، ستبقى حيّة رغم كل محاولات الاقتلاع.

موضوع ذو صلة: جدارية بعنوان "من الركام إلى الحياة" على جدارن جامعة الأزهر في غزة

بوابة اللاجئين الفلسطينيين

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد