لم تعد قرارات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" بمعزل عن السياق السياسي الإقليمي والدولي، بل باتت جزءًا من مسار متدرّج يستهدف تفريغ الوكالة من مضمونها، وتقويض دورها كشاهد أممي على جريمة النكبة، وتثبيت الحق الدولي في العودة.

وفي ظل أزمات تمويل مفتعلة وضغوط سياسية متصاعدة، تتحوّل إجراءات تقليص الخدمات، وخفض ساعات العمل، وتقليص أجور الموظفين بنسبة 20%، إلى أدوات ضغط تمسّ جوهر القضية الفلسطينية، وتنعكس مباشرة على حياة ملايين الفلسطينيين، ولا سيما في المخيمات الأكثر هشاشة، مثل مخيم نهر البارد، الذي يشكّل نموذجًا صارخًا لما نتناوله في هذا التقرير. فهنا، يتحوّل التعليم والصحة والإغاثة إلى ساحات صراع مفتوحة على مستقبل الفلسطينيين وذاكرتهم وكرامتهم الوطنية.

ويعتبر كثيرون أن قرارات "أونروا" التقليصية تعدّ الأخطر منذ سنوات، إذ لم تعد مجرد إجراءات تنظيمية داخلية، بل تحوّلت إلى عبء ثقيل ينعكس مباشرة على حياة الفلسطينيين، ويشكّل تهديدًا واضحًا لحقوقهم في التعليم والرعاية الصحية والعيش الكريم، في ظل انهيار اقتصادي غير مسبوق وارتفاع حاد في معدلات البطالة والفقر داخل المخيمات.

وفي هذا التقرير، يرصد موقع "بوابة اللاجئين الفلسطينيين" أبعاد الأزمة من خلال شهادات حيّة من مخيم نهر البارد، وقراءات تحليلية تكشف حجم المخاطر التي تهدد وظيفة الوكالة وانعكاساتها على قضية الفلسطينيين.

التقليصات… استهداف مباشر لقضية الفلسطينيين

يؤكد الناشط الفلسطيني من مخيم نهر البارد، عماد الوحش، أن القرارات الأخيرة التي اتخذتها "أونروا" تمثل استهدافًا مباشرًا للشعب الفلسطيني، معتبرًا أنها تندرج ضمن سياق سياسي أوسع يهدف إلى تصفية قضية الفلسطينيين.

ويشير الوحش إلى أن "أونروا" ليست مجرد مؤسسة خدماتية، بل تمثل شاهدًا دوليًا على نكبة الشعب الفلسطيني وحقه في العودة، وأن المساس بدورها يشكّل مساسًا بجوهر القضية الفلسطينية ذاتها. ويلفت إلى أن أخطر ما طال التقليصات الأخيرة هو القطاع الصحي، حيث جرى وقف بعض التحويلات الطبية أو تخفيض نسبة تغطيتها، ما وضع المرضى أمام معادلة قاسية بين المرض والعجز المادي.

ويضيف أن الفلسطيني بات غير قادر على تحمّل تكاليف العلاج في ظل تفشي البطالة وغياب فرص العمل، متسائلًا عن مصير المرضى الذين يعجزون عن تأمين الجزء المتبقي من كلفة العلاج، واصفًا ما يجري بأنه "حكم بالإعدام البطيء" بحق الفلسطينيين، ومؤكدًا أن استمرار هذه السياسات ينذر بكارثة إنسانية لا يمكن احتمالها.

أزمة اجتماعية خانقة: المساعدات تتراجع والفقر يتسع

لم تقتصر آثار التقليصات على القطاع الصحي، بل امتدت لتطال ملف الشؤون الاجتماعية، الذي يشكّل شريان حياة لآلاف العائلات الفلسطينية داخل المخيمات.

ويصف عماد الوحش وقف المساعدات الاجتماعية بأنه كارثة حقيقية، معتبرًا أن حرمان الأطفال من المساعدات النقدية يمثل انتهاكًا صارخًا لأبسط حقوقهم الإنسانية، مؤكدًا أن آلاف العائلات كانت تعتمد بشكل أساسي على هذه المساعدات لتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة، في ظل بطالة تجاوزت 80%.

ويختتم الوحش حديثه بالدعوة إلى التراجع الفوري عن هذه القرارات، مطالبًا القيادة السياسية الفلسطينية بتحمّل مسؤولياتها والتحرك العاجل لحماية حقوق الفلسطينيين.

صوت الفلسطينيين: حياة تحت الضغط

من داخل مخيم نهر البارد، تعبّر اللاجئة الفلسطينية أم بسام خليل عن معاناة العائلات، مؤكدة أن المساعدات التي كانت تشكّل موردًا أساسيًا للأسر توقفت أو تقلصت بشكل كبير.

وتوضح أن الارتفاع الحاد في أسعار المواد الأساسية جعل الحياة اليومية عبئًا ثقيلًا في ظل غياب أي دعم فعلي، مشيرة إلى أن العائلات باتت عاجزة عن تأمين أبسط احتياجاتها المعيشية.

وتضيف أن فقدان المعيل وغياب فرص العمل دفع العديد من العائلات إلى الاعتماد الكامل على مساعدات "أونروا"، التي توقفت أو تراجعت، ما أدى إلى تفاقم الأزمة الاجتماعية داخل المخيم، لافتة إلى أن الفلسطينيين يشعرون بأنهم تركوا لمصيرهم دون أي اهتمام أو تحمّل للمسؤولية.

حلم مكسور… وشباب بلا أفق

يقول الفلسطيني مصطفى إبراهيم إن لديه حلمًا كان يسعى لتحقيقه، إلا أن هذا الحلم انهار نتيجة تخلي القيادات الفلسطينية، إلى جانب سياسات "أونروا" التي لم تعد تطال فئة بعينها، بل شملت جميع شرائح المجتمع الفلسطيني.

ويؤكد أن التقليصات لم تعد تقتصر على المرضى، بل طالت الطالب والعامل والموظف، ما يجعل الجميع معنيًا اليوم بالتحرك إزاء ما يجري، منتقدًا بعض القيادات التي تنكر وجود الفقر داخل المجتمع الفلسطيني، وتبتعد عن واقع المخيمات.

ويتحدث مصطفى عن أزمة الشباب داخل المخيم، معتبرًا أنها من أخطر الأزمات الراهنة، في ظل غياب فرص العمل وانعدام الأفق، ما يدفع بعض الشباب إلى مسارات خطرة نتيجة الإهمال المستمر من القيادات و"أونروا".

وعلى الصعيد الصحي، يوضح أن تقليص الخدمات جعل الوصول إلى العلاج مهمة شاقة، حيث يقضي المرضى ساعات طويلة في الانتظار دون ضمان الحصول على الدواء أو الخدمة الطبية.

أما على المستوى التعليمي، فيرى أن الطلاب هم الفئة الأكثر استهدافًا، في ظل محاولات تجهيل الأجيال الجديدة عبر تقليص المناهج وتغييب الهوية الوطنية، مؤكدًا أن حذف اسم فلسطين من المناهج الدراسية يمثل اعتداءً مباشرًا على الهوية الوطنية وحق الطفل الفلسطيني في معرفة تاريخه وجغرافيته.

تصفية تدريجية لـ"أونروا"

يرى الأستاذ ماهر طويّة أن قرار خفض ساعات العمل بنسبة 20% يشكّل خطوة تصفوية تستهدف الوكالة وخدماتها، وليس مجرد إجراء إداري عابر، موضحًا أن خفض ساعات العمل يعني تلقائيًا تقليص الخدمات المقدمة، كونها مرتبطة مباشرة بالموظفين القائمين عليها.

ويشير إلى أن ما يجري في لبنان يشبه السيناريو الذي شهده قطاع غزة، حيث دُمّر جزء كبير من مؤسسات "أونروا" وخدماتها، معتبرًا أن القرارات الحالية تأتي ضمن سياق سياسي منسّق يستهدف وظيفة الوكالة ودورها التاريخي.

وينتقد طويّة الخطاب الذي يحصر الأزمة في بعدها الوظيفي، محذرًا من مخاطر خلق انقسام بين الموظفين والفلسطينيين، ومؤكدًا أن الحل يكمن في توحيد الموقف الفلسطيني حول مطالب واضحة، في مقدمتها إعادة الخدمات إلى كامل طاقتها وإلغاء قرارات التقليص.

التعليم والصحة… ضحايا القرارات

يؤكد طويّة أن قطاعي التعليم والصحة سيكونان الأكثر تضررًا من قرارات خفض ساعات العمل. ففي التعليم، يحذّر من زيادة الاكتظاظ داخل الصفوف ودمج المدارس ورفع التشكيلات الصفية، ما يؤدي إلى تراجع خطير في نوعية التعليم.

أما في القطاع الصحي، فيحذّر من أن تقليص عدد الأطباء وساعات العمل سيؤدي إلى ارتفاع الضغط على العيادات وتراجع مستوى الخدمات الطبية، مؤكدًا أن الفلسطيني سيشعر بآثار هذه القرارات بشكل مباشر في تفاصيل حياته اليومية.

عيادة أونروا في مخيم نهر البارد.jpg
 

أزمة خدمات وهوية في آن واحد

يؤكد الشيخ عبدالله شرقية أن ما يجري في مخيم نهر البارد يتجاوز مسألة تقليص الخدمات ليصل إلى أزمة شاملة تمس حياة الفلسطينيين وكرامتهم وهويتهم الوطنية.

ويشير إلى التدهور الحاد في الواقع الصحي في ظل نقص الأطباء الاختصاصيين، وتحول طوابير المرضى أمام العيادات والصيدليات إلى مشهد يومي يعكس فشل السياسات المتبعة.

وعلى الصعيد التعليمي، ينتقد الاكتظاظ داخل الصفوف، حيث يصل عدد الطلاب إلى خمسين طالبًا في الصف الواحد، ما ينعكس سلبًا على التحصيل العلمي، محذرًا من سياسات تجهيل الأجيال وتغييب الهوية الوطنية من المناهج.

شهادات من القطاع الصحي: انهيار تدريجي للخدمات

يؤكد الموظف السابق في قسم الصحة بـ"أونروا"، حاتم الأسدي، أن برامج الصحة بدأت بالتقلص منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، ما أدى إلى تراكم أزمة الخدمات الطبية.

ويشير إلى أن الوكالة كانت تقدم سابقًا برامج صحية متكاملة، إلا أنها تقلصت تدريجيًا بفعل ضعف التمويل والسياسات الإدارية، ما أدى إلى تراجع جودة الرعاية الصحية وازدياد الضغط على العيادات.

ويحذّر الأسدي من أن استمرار هذه السياسات سيؤدي إلى انهيار شبه كامل للنظام الصحي داخل المخيمات، داعيًا إلى إعادة النظر في السياسات الصحية لـ"أونروا" وإعادة تفعيل البرامج الطبية المتخصصة.

بوابة اللاجئين الفلسطينيين

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد