أثارت رسالة المفوض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" فيليب لازاريني إلى الموظفين، التي وجهها أمس الخميس 5 شباط/فبراير، موجة اعتراضات واسعة، كان أبرزها من الهيئة (302) للدفاع عن حقوق اللاجئين، التي اعتبرت أن القرارات المعلنة تمسّ مباشرة الموظفين المحليين واللاجئين الفلسطينيين على حد سواء، وطرحت سلسلة تساؤلات حول خلفيات العجز المالي وآليات معالجته.
وكان "لازاريني" قد أعلن أن ميزانية برامج "أونروا" لعام 2026 تواجه عجزاً حاداً في التدفق النقدي يبلغ 220 مليون دولار، مشيراً إلى أن الميزانية تُنفق بالكامل تقريباً على رواتب الموظفين المحليين، ما يجعل خفض النفقات دون المساس بالرواتب أو الوظائف أمراً متعذّراً.
وأوضح أن قرار تقليص ساعات العمل الأسبوعية بنسبة 20%، وما يستتبعه من خفض الرواتب اعتباراً من 1 شباط/فبراير، جاء كـ"حل أخير" للحفاظ على ولاية الوكالة ومنع تسريح أعداد كبيرة من الموظفين، محذّراً من أن التراجع عن الإجراءات قد يسرّع انهيار الوكالة ويؤثر على ثقة المانحين، لا سيما في ظل الإضرابات.
اقرأ/ي ايضاً: لازاريني يصرّ على تقليص الرواتب مع تصاعد الاحتجاجات في أقاليم "أونروا"
تساؤلات حول العدالة وتحميل المسؤوليات
في المقابل، وجّهت الهيئة (302) جملة من التساؤلات، أبرزها: لماذا سيؤثر خفض الرواتب بنسبة 20% على الموظفين المحليين دون الموظفين الدوليين؟ ولماذا يُطلب من الموظف الفلسطيني تحمّل تبعات العجز المالي دون غيره؟ كما تساءلت عن اختلاف العجز الحالي البالغ 220 مليون دولار عن أزمات سابقة تخطّت هذا الرقم، ولا سيما في عامي 2018 و2021، حيث تجاوز العجز حينها أكثر من الضعف وتمت معالجته.
كما شككت الهيئة في استنفاد جميع الجهود مع الدول المانحة قبل اللجوء إلى ما وصفته بـ"القرارات التعسفية"، بما فيها تقليص ساعات العمل، خفض الرواتب، وفصل 575 موظفاً من غزة، معتبرة أن وضع الموظفين أمام خيارين، إما تخفيض الرواتب أو التسريح الجماعي، يمثل طرحاً مضللاً.
لسنا أرقاماً في ميزانية
وفي رسالة موجّهة إلى المفوض العام، عبّر الموظفون عن "بالغ القلق والاستياء"، مؤكدين أنهم "ليسوا أرقاماً في ميزانية العجز"، بل كوادر واصلوا العمل رغم المخاطر، وفقدوا زملاء وأقارب خلال الأزمات، ليجدوا أنفسهم اليوم أمام اقتطاع يمسّ لقمة عيشهم.
وأكدت الرسالة رفض تحميل الموظفين مسؤولية ما اعتبرته "فشلاً دولياً في الالتزام بتمويل الوكالة"، مشددة على أن خفض الرواتب بنسبة 20% في ظل تضخم عالمي متصاعد يشكل تهديداً معيشياً لآلاف العائلات.
كما اعتبرت أن التحذير من الإضرابات بوصفها تقوّض موقف "أونروا" أمام المانحين هو "قلب للحقائق"، لأن المؤسسة التي تعجز عن دفع رواتب موظفيها تكون، بحسب تعبيرها، مقوّضة بالفعل، مشددة على أن الإضراب حق نقابي مشروع.
خطة إنقاذ بديلة دون المساس بالرواتب
واقترح الموظفون خطة تقشفية بديلة ترتكز على أربعة محاور رئيسية، تبدأ بإعادة هيكلة تكاليف الكادر الدولي عبر تعليق العلاوات الاستثنائية وتجميد التوظيف الدولي لمدة عام، بما يوفّر سيولة نقدية تُوجّه لسد العجز في رواتب الموظفين المحليين.
كما دعت الخطة إلى ترشيد النفقات التشغيلية والإدارية من خلال التحول إلى الرقمنة الكاملة للمعاملات، وإلغاء بدلات السفر والاجتماعات غير الضرورية واستبدالها باجتماعات رقمية، إضافة إلى إنشاء صندوق طوارئ داخلي قائم على مساهمات طوعية تتراوح بين 1% و3% من رواتب كبار الموظفين والمديرين لدعم الفئات الأكثر هشاشة.
واقترحت الرسالة كذلك تشكيل لجنة مشتركة من الإدارة العليا والاتحادات العمالية لقيادة تحرك دبلوماسي موحّد باتجاه البرلمانات في الدول المانحة، لإبراز أن المساس بحقوق الموظفين لا يشكّل إجراءً إدارياً داخلياً فحسب، بل تهديداً للاستقرار الإقليمي.
وحذّرت من أن تقليص ساعات العمل بنسبة 20% لن يقتصر أثره على الموظفين، بل سينعكس مباشرة على اللاجئين وجودة الخدمات الأساسية.
ففي القطاع الصحي، سيؤدي تقليص الدوام إلى خفض عدد المرضى المستفيدين وتأجيل المواعيد والعمليات، ما يهدد حياة أصحاب الأمراض المزمنة.
وفي القطاع التعليمي، سيؤدي ضغط المناهج وتقليص ساعات التدريس إلى فجوة تعليمية متفاقمة وزيادة احتمالات التسرب المدرسي، أما في خدمات الإغاثة والبيئة، فإن تراجع وتيرة جمع النفايات وتوزيع المساعدات الغذائية ينذر بأزمات صحية وبيئية داخل المخيمات المكتظة.
وختم الموظفون بالتأكيد على حرصهم على بقاء الوكالة واستقرار المنطقة، لكنهم شددوا على أن "الاستقرار لا يُبنى على أكتاف الجائعين"، مطالبين بالتراجع الفوري عن قرار خفض الرواتب وفتح حوار جدي يضمن الحقوق كاملة، ويحمي في الوقت ذاته ولاية "أونروا" واستمرارية خدماتها للاجئين الفلسطينيين.
