تتبدّل إيقاعات الحياة في المخيمات الفلسطينية، مع حلول شهر رمضان المبارك، غير أنّ المشهد في مخيم نهر البارد يبدو هذا العام أكثر قسوة، فالتضخم المتصاعد، وتراجع فرص العمل، وانقطاع مساعدات وكالة "أونروا"، عوامل حوّلت وجبة الإفطار من طقس يومي جامع إلى تحدٍّ معيشي يرهق العائلات، في شهر يُفترض أن يكون موسم رحمة وتكافل.

في جولة ميدانية أجراها موقع بوابة اللاجئين الفلسطينيين داخل المخيم، أجمع الأهالي على أن كلفة الإفطار صارت عبئاً يومياً، وسط تآكل القدرة الشرائية وارتفاع أسعار المواد الأساسية.

قفزات مرعبة في سعر اللحوم

يقول حسن العلي، وهو لاجئ فلسطيني في المخيم: إن الأزمة الاقتصادية لم تعد تطال فئة بعينها، بل انعكست على المجتمع بأكمله، وخصوصاً في رمضان. ويقدّر أن كلفة وجبة إفطار متوسطة لعائلة واحدة تصل إلى نحو 15 دولاراً يومياً كحد أدنى، وهو مبلغ يقتصر على الضروريات دون أي كماليات.

ويشير إلى ارتفاعات حادة في الأسعار، إذ قفز سعر كيلو اللحم من ما بين 800 و900 ألف ليرة لبنانية إلى ما يتراوح بين مليون ومليون وأربعمائة ألف ليرة، فيما ارتفع سعر كيلو الدجاج من نحو 200 ألف إلى 250 ألف ليرة، كما شهدت أسعار الخضار زيادات ملحوظة رغم كونها أساساً يومياً على المائدة.

Picture2.jpg

ويستعيد العلي أجواء رمضان في السنوات الماضية، حين كانت الموائد عامرة بأطباق تقليدية كالكبة والبطاطا والفتوش، إلى جانب اللحوم والدجاج، وكانت الشوارع تمتلئ بالحركة بعد الإفطار، أما اليوم، فقد اضطرت عائلات كثيرة إلى حذف أصناف كاملة من لائحة مشترياتها، مكتفية بالحد الأدنى، وفق ما يؤكد.

الحاجة هدى، وهي لاجئة فلسطينية تقيم في المخيم، تؤكد أن كلفة الإفطار لا تقل عن مليون ليرة يومياً، في ظل موجة غلاء طالت جميع السلع من الخضار إلى اللحوم، وتشير إلى أن كيلو اللوبيا وصل إلى نحو 400 ألف ليرة، والبندورة إلى قرابة 100 ألف ليرة، ما يجعل تأمين مكونات وجبة بسيطة أمراً شاقاً.

وتقول بأسى: إنها تضطر أحياناً إلى اللجوء إلى مدخراتها المحدودة لتأمين طعام الإفطار، في وقت تتفاقم فيه أعباؤها بسبب ظروف صحية صعبة تعاني منها هي وأفراد من عائلتها، ما يزيد كلفة الأدوية والعلاج فوق كلفة الغذاء.

Picture3.jpg

حتى رغيف الخبز ارتفع سعره

الحاجة سميرة تلفت بدورها إلى أن الغلاء طال أبسط مقومات الحياة، وفي مقدمتها رغيف الخبز في أفران المناقيش داخل المخيم. وتوضح أن سعر الرغيف ارتفع من عشرة آلاف ليرة إلى خمسة عشر ألفاً، متسائلة بمرارة: "أليس رمضان شهر رحمة؟ هناك من لا يجد ما يأكله".

وتضيف: أن الأسعار ترتفع مع حلول هذا الشهر، وكأن المناسبة تحولت إلى موسم لزيادة الأرباح، ولا تقف معاناتها عند حدود الغلاء، إذ تعاني هي وزوجها وأولادها من أمراض تتطلب أدوية مكلفة، ما يدفع بعض المرضى إلى تأجيل علاجهم بسبب العجز عن تأمين ثمن الدواء.

Picture4.jpg

حرب يومية مع الغلاء

الناشط الشبابي زاهر الجنداوي يصف ما يجري بأنه "حرب يومية" تخوضها العائلات داخل المخيم ضد الغلاء. ويشير إلى أن سعر كيلو الدجاج ارتفع خلال الأيام الأولى من رمضان من 200 ألف إلى 250 ألف ليرة، فيما بات المصروف اليومي لعائلة متوسطة لا يقل عن مليون ونصف ليرة، أي نحو 20 دولاراً، لتغطية وجبة الإفطار فقط.

ويؤكد أن كثيراً من الأسر اقتصرت على وجبة واحدة بسيطة مع مقبلات محدودة، مشيراً إلى تراجع مظاهر التكافل الاجتماعي تحت ضغط الأزمة الاقتصادية.

80 % تحت خط الفقر

من جهته، يقول إسماعيل السيد، وهو تاجر في المخيم، إن كلفة الإفطار لعائلة من خمسة أشخاص لا تقل عن 20 دولاراً يومياً، وقد تصل أحياناً إلى 30 أو 40 دولاراً، تبعاً لنوعية الأصناف. ويقدّر أن نحو 80% من سكان المخيم يعيشون تحت خط الفقر، ويكتفون بالحد الأدنى من الاحتياجات.

ويرى السيد أن ارتفاع الأسعار في رمضان يرتبط بزيادة الطلب، معتبراً أن ذلك يخضع لقواعد العرض والطلب، في ظل واقع اقتصادي عام صعب، تفاقم بعد توقف مساعدات "أونروا" وعدد من المؤسسات الكبرى، واقتصار الدعم على مبادرات فردية محدودة.

بين شهادات الأهالي وأرقام الأسعار، تبدو موائد رمضان في مخيم نهر البارد مقتصرة على الضروريات. عائلات تحسب كلفة كل طبق قبل تحضيره، وأمهات يوازِنّ بين الغذاء والدواء، فيما يتحول تأمين وجبة الإفطار إلى معركة يومية مع الغلاء.

ورغم قسوة المشهد، يتمسك الأهالي بروح الشهر الفضيل، على أمل أن تعود قيم الرحمة والتكافل لتخفف عنهم وطأة أزمة أنهكت الجميع، في شهر يفترض أن يكون شهر بركة لا عبئاً إضافياً على كاهل الفقراء.

 

بوابة اللاجئين الفلسطينيين

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد