يتزامن اليوم العالمي للمرأة هذا العام مع واقع إنساني بالغ القسوة تعيشه آلاف النساء في قطاع غزة، عقب حرب الإبادة "الإسرائيلية" التي شنها جيش الاحتلال "الإسرائيلي" في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، التي خلّفت خسائر بشرية واجتماعية هائلة، ودفعت أعدادًا كبيرة من النساء الناجيات من حرب الإبادة إلى تحمّل أعباء إعالة أسرهن بعد استشهاد أرباب الأسر وسط ظروف النزوح والفقر وانهيار الخدمات الأساسية.
وفي أحد مخيمات النزوح بمدينة خان يونس جنوبي القطاع، تجلس الفلسطينية أميرة شلح قرب خيمتها المتواضعة، تعدّ الخبز على نار الحطب لإطعام أطفالها الأربعة الأيتام، بعد أن فقدت زوجها في غارة "إسرائيلية" دمّرت منزلها وغيّرت حياتها بالكامل.
تعيل أربعة أيتام فقدوا آباءهم خلال الحرب
وجدت أميرة في هذه المهنة وسيلة للحفاظ على كرامتها وإعالة أطفالها بعد استشهاد زوجها قائلة: "أعيل أبنائي الأربعة الأيتام، زوجي استشهد في شهر آب/ أغسطس، ووجدناه في شهر أيلول/سبتمبر بعد أن دُمّر منزلنا".
وتعلق السيدة الفلسطينية على حلول يوم المرأة العالمي قائلة: "أتمنى أن أكون قوية مثل نساء العالم وأن أفتخر بنفسي، أعمل الآن في خبز الخبز للناس لأعيل أبنائي، وأتمنى أن أجد من يساعدني ويساعد أطفالي".

ويقف الأطفال الصغار متحلقين حول أمهم وهي تقلّب أرغفة الخبز فوق فرن صغير صنع من الطين فيما تنتظر بعض النساء حصتهم من الخبز كما تعودن على شرائه من السيدة الفلسطينية التي تعد مئات الأرغفة يومياً.
وتعكس قصة أميرة واقع آلاف النساء في غزة اللواتي وجدن أنفسهن فجأة المعيل الوحيد لأسرهن، بعد فقدان الأزواج أو اعتقالهم أو إصابتهم خلال الحرب، في وقت تتفاقم فيه الأوضاع الإنسانية مع استمرار الحصار وارتفاع أسعار المواد الأساسية، خاصة خلال شهر رمضان، بينما يعيش معظم السكان في خيام النزوح.
خسائر بشرية واجتماعية كبيرة طالت نساء غزة
وتكشف الإحصاءات الرسمية حجم الكارثة الإنسانية التي طالت النساء في القطاع، إذ تشير التقديرات إلى استشهاد أكثر من 12 ألفًا و500 امرأة منذ بداية الحرب، من بينهن أكثر من 9 آلاف أم، ما ترك عشرات آلاف الأطفال دون أمهات.
كما أدت الحرب إلى ترمّل 21 ألفًا و193 امرأة بعد فقدانهن أزواجهن، في حين ارتقى أكثر من 22 ألفًا و426 أبًا، الأمر الذي ترك آلاف الأسر دون معيل رئيسي.
وتشير البيانات كذلك إلى أن الحرب تسببت في إبادة 2700 أسرة فلسطينية بالكامل ومسحها من السجل المدني، فيما أُبيدت أكثر من 6020 أسرة أخرى ولم يبق من أفرادها سوى ناجٍ واحد فقط، غالبًا ما يكون امرأة أو طفلًا.

نساء يتحملن عبء الإعالة
وبفعل هذه الخسائر، أصبحت عشرات آلاف النساء المعيلات الوحيدات لأسرهن في ظل انهيار الاقتصاد المحلي وندرة فرص العمل كما يعيش أكثر من مليوني نازح داخل القطاع ظروفًا إنسانية قاسية، بينهم أكثر من نصف مليون امرأة ونحو مليون طفل، يقيمون في مخيمات نزوح تفتقر إلى الحد الأدنى من الخدمات الأساسية.
ولا تقتصر المعاناة على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 107 آلاف امرأة حامل ومرضعة يواجهن مخاطر صحية كبيرة نتيجة انهيار المنظومة الصحية ونقص الرعاية الطبية، إلى جانب نقص الغذاء والمياه النظيفة.
وتؤكد الإحصاءات أن أكثر من 55% من ضحايا الحرب هم من الأطفال والنساء والمسنين، ما يعكس حجم التأثير الإنساني العميق للحرب على الفئات الأكثر ضعفًا في المجتمع الفلسطيني.
وفي الوقت الذي يحتفل فيه العالم باليوم العالمي للمرأة، تجد نساء غزة أنفسهن في مواجهة واقع قاسٍ من الفقدان والنزوح والجوع، حيث تحولت معركتهن اليومية إلى صراع من أجل البقاء وحماية أسرهن في ظل حرب مدمرة لا تزال تلقي بظلالها الثقيلة على حياة أكثر من مليوني إنسان في القطاع.

