يعاني سكان مخيم الجليل للاجئين الفلسطينيين في البقاع اللبناني من ظروف معيشية صعبة أصلاً، قبل أن تضيف الحرب وتوتراتها الأمنية عبئاً جديداً على الكثير من العائلات التي تعيش في منازل ضيقة وإمكانات محدودة، ومع تصاعد التوترات الأمنية في مدينة بعلبك والمناطق المحيطة بها، وجدت بعض العائلات الفلسطينية واللبنانية والسورية في المخيم ملاذاً أكثر أماناً.
ودفع ذلك العديد من أهالي المخيم إلى فتح أبواب منازلهم أمام أقاربهم ومعارفهم من النازحين، فيما لجأت عائلات أخرى إلى قاعات مجهزة للإيواء، ورغم ضيق الإمكانات والخدمات التي يعاني منها سكان المخيم أساساً، تمكن الأهالي من استقبال 230 عائلة، مؤكدين أن ما يمر به النازحون اليوم قد يطالهم في أي وقت.
شهادات من النازحين… لحظات الرعب الأولى
دقائق من الرعب اختصرت المشاهد التي عاشها النازحون في منطقة بعلبك، وهي لحظات أعادت إلى الأذهان ذكريات قاسية عاشها السكان خلال العام الماضي. وفي ظل الظروف الصعبة، اعتمد بعض النازحين في المخيم على دعم المغتربين وأهالي المخيم، فيما اضطرت عائلات كثيرة إلى اللجوء إلى منازل بسيطة توفر لهم المأوى المؤقت.
وجال فريق بوابة اللاجئين الفلسطينيين على عدد من منازل النازحين داخل مخيم الجليل للاطلاع على أوضاعهم عن قرب، وطرح أسئلة حول ظروف نزوحهم والتحديات التي يواجهونها.

تقول فداء عبدالله، وهي لاجئة فلسطينية تقطن في منطقة دورس قرب بعلبلك: إن حياتها انقلبت فجأة عندما تلقت مع عائلتها إنذاراً بإخلاء المنازل، بينما كانوا يستعدون لقضاء سهرة عائلية كالمعتاد.
وتضيف لبوابة اللاجئين الفلسطينيين: أنها لم تتمكن من أخذ أي من أغراضها، باستثناء الملابس التي كانت ترتديها لحظة مغادرة المنزل.
وتوضح عبدالله أن المخيم كان الخيار الأكثر أماناً بالنسبة لها، فتوجهت إلى منزل أقاربها وأمضت معهم الليلة الأولى، وفي اليوم التالي تلقوا اتصالاً من أصدقاء عرضوا عليهم الإقامة في منزلهم، مضيفة: "الفراش ما كان كافي، بس دبرنا حالنا من عند قرايبنا لنمشي أمورنا".
وتشير إلى أن الأسعار ارتفعت بشكل كبير في ظل العدوان "الإسرائيلي" على لبنان، لكنها تشعر مع عائلتها بشيء من الأمان داخل المخيم بسبب وجود الأقارب والأصدقاء الذين يقدمون لهم الدعم والمساندة. وتختم حديثها قائلة: إن الجمعيات بدأت بتسجيل أسماء النازحين، "لكن حتى الآن لم تصلهم أي مساعدة".
الاكتظاظ داخل المنازل
أما أم أحمد مصطفى، وهي لبنانية من سكان منطقة دورس، فتروي أن إنذار الإخلاء جاء بشكل مفاجئ، حيث سمع السكان أصوات إطلاق نار من قبل أهالي الحي لتنبيه الناس وإيقاظهم لمغادرة المنطقة.
وتقول: إنها توجهت مع زوجها وأولادها إلى منزل أقارب زوجها داخل المخيم، موضحة أنهم يعيشون حالياً مع ثلاث عائلات أخرى داخل منزل واحد، ما يزيد من صعوبة الظروف، خصوصاً في ظل الغلاء المعيشي. وتشير إلى أنها تضطر بين الحين والآخر للذهاب مع زوجها إلى منزلهم في دورس لجلب بعض الأغراض الضرورية ثم العودة إلى المخيم.
وتضيف مصطفى أن عائلتها لجأت خلال الحرب الماضية إلى مدينة طرابلس واستأجرت منزلاً هناك، "لكن هذه السنة ليس باليد حيلة". وتختم حديثها بالقول: "الكبير بقدر يضبط أعصابه، بس الأطفال ما فيهن… وعندي ولد بعاني من الحساسية وبضطر أعطيه أوكسيجين".
غرفتان لثمانية أشخاص
من جهتها، تقول نور شهابي، وهي فلسطينية – سورية ومن سكان دورس أيضاً: إن عائلتها اضطرت إلى مغادرة المنزل عند الساعة الرابعة فجراً بعد الإنذارات التي صنّفت المنطقة كمنطقة خطرة. وتضيف أنها لا تتذكر من تلك اللحظات سوى صراخ والدتها.
وتوضح شهابي أنهم ثمانية أشخاص يقيمون حالياً في غرفتين غير كافيتين لعددهم، قائلة: "ننام فوق بعضنا البعض، والبعض يجد غطاء والآخرون لا"، في إشارة إلى ضيق المكان وقلة الأغطية.
وعند سؤالها عن كيفية تأمين مستلزمات الإفطار في شهر رمضان، تؤكد أن الوضع "مأساوي جداً"، مشيرة إلى أنهم ينتظرون مبادرات شباب المخيم الذين يقدمون لهم بعض الوجبات، كما لفتت إلى أنها توجهت إلى مقر اللجنة الشعبية لتسجيل اسمها ضمن قوائم النازحين، آملة أن تنتهي الحرب خلال هذا الشهر الفضيل.
230 عائلة نازحة
وفي ظل هذه الظروف، يبرز دور الجهات المحلية في المخيم لمحاولة تنظيم الاستجابة رغم محدودية الإمكانات وغياب واضح للجمعيات الإنسانية.
ويقول أمين سر اللجان الشعبية في البقاع، خالد عثمان: إن الأوضاع الصعبة التي يشهدها لبنان على المستويين المعيشي والإنساني دفعت عدداً من العائلات إلى النزوح نحو مناطق أكثر أمناً، مشيراً إلى أن مخيم الجليل استقبل حتى الآن نحو 230 عائلة نازحة، مع توقعات بارتفاع العدد في الأيام المقبلة.

وأضاف عثمان أن العائلات ما تزال تتوافد إلى مقر اللجنة الشعبية لتسجيل أسمائها تحسباً لتقديم أي مساعدات، داعياً عبر بوابة اللاجئين الفلسطينيين المؤسسات الدولية والجمعيات الإنسانية إلى التدخل الفوري لتأمين مقومات الحياة الأساسية، مثل الأغطية والفرش والبطانيات والمواد الغذائية والاحتياجات الضرورية.
وأشار عثمان إلى أن المخيم لم يعد قادراً على استيعاب أعداد أكبر من النازحين، خاصة أن كثيراً من سكانه يعيشون أوضاعاً معيشية صعبة أساساً، لافتاً إلى أن فصل الشتاء يزيد من معاناة العائلات، حيث يعجز كثير من أرباب الأسر عن إيجاد فرص عمل، وختم بدعوة أهالي المخيم إلى مواصلة مساعدة النازحين وفتح منازلهم أمامهم في ظل الظروف الراهنة.
تضامن داخل المخيم
في المقابل، يؤكد محمد أحمد، وهو لاجئ فلسطيني من سكان مخيم الجليل، أنه فتح منزله لاستقبال عائلة من أقارب زوجته الذين يقيمون خارج المخيم. ويقول: إن التضامن في مثل هذه الظروف ضرورة إنسانية، مضيفاً: "الحرب ليست في منطقة واحدة، بل تطال الجميع".
ورغم ضيق أوضاعه الاقتصادية وصعوبة تأمين احتياجات أسرته، يشير أحمد إلى أن ذلك لم يمنعه من استقبال أقاربه ومشاركتهم المنزل.
ومع استمرار الحرب "الإسرائيلية" على لبنان، تتزايد أعداد العائلات النازحة التي تتوجه إلى المخيم بحثاً عن الأمان، في ظل غياب الجمعيات والمؤسسات الإنسانية. وبين ارتفاع الأسعار وضيق المنازل، يحاول سكان المخيم والنازحون التكيف مع واقع جديد فرضته الحرب، بانتظار تدخل الجهات المعنية لتأمين مقومات حياة كريمة. ويبقى السؤال المطروح: هل يستطيع المخيم استيعاب مزيد من العائلات ومزيد من المعاناة؟
