توفي الشاب الأردني دحام العموش، المعتقل منذ مدة طويلة في السجون الأردنية، إثر تضامنه مع غزة وانتقاده الدور الحكومي للمملكة خلال حرب الإبادة، حيث تدهورت حالته الصحية داخل إحدى المستشفيات نتيجة مضاعفات إضرابه عن الطعام وتعرضه لتعذيب جسدي، وسط رفض السلطات الإفراج عنه، وفقاً لشهادة عائلته.
والعموش مهندس أردني من قبيلة بني حسن، اعتقلته السلطات الأردنية تعسفياً منذ أكثر من عام على خلفية منشوراته الداعمة لغزة ورفضه التطبيع الأردني مع الاحتلال "الإسرائيلي"، حيث خاض إضراباً عن الطعام داخل سجنه احتجاجاً على اعتقاله التعسفي، ما أدى إلى تدهور وضعه الصحي بشكل كبير.
"من الإيذاء البسيط إلى الشروع بالقتل".. تهمة مزعومة للعموش
وآنذاك ذكرت عائلته أن أجهزة أمن الدولة منعتهم من زيارته داخل المستشفى، وسط تكتم على حالته الصحية، في ظل تواجد أمني كثيف ومنع الزيارة عنه، في الوقت الذي أكدت فيه الشهادات الطبية خطورة وضعه.
وأسندت السلطات الأردنية اتهامات إلى العموش إثر مشاجرة عادية وقعت في أحد الأحياء بالإيذاء البسيط، إلا أن القضية لم تُغلق وبقيت مفتوحة. وبعد ذلك، سافر العموش إلى تركيا عبر مطار الملكة علياء بطريقة قانونية، ثم انتقل إلى قطر، وبدأ العمل في إدارة شركة هندسية.
وفي تلك الفترة، كانت قد اندلعت حرب الإبادة على قطاع غزة، حيث نشر العموش منشورات عبر حسابه على فيسبوك انتقد فيها تخاذل الأنظمة العربية أمام جريمة الإبادة، كما انتقد الدور الرسمي للأردن في إمداد الاحتلال عبر جسر بري من الغذاء والدواء، والمساهمة في التصدي للمسيّرات والصواريخ الإيرانية وإسقاطها فوق بيوت الأردنيين.
وبحسب مواقع أردنية، فإن الجهات الأمنية تواصلت مع شقيق دحام، وطلبت منه إقناع دحام بالتوقف عن الكتابة، إلا أنه رفض الاستجابة، واستمر في نشر آرائه.
وعلى إثر ذلك، أعادت السلطات الأردنية فتح القضية التي اتهم فيها العموش بالتسبب بالإيذاء البسيط خلال تلك المشاجرة، حيث تحولت التهمة إلى الشروع في القتل، ما دفع السلطات للتواصل مع الشرطة الدولية (الإنتربول) لمطالبة السلطات القطرية بتسليمه إلى الأردن بحجة ملاحقته بقضية جنائية، وهو ما تم بالفعل.
وبعد إعادته من قطر وتسليمه إلى الأردن، تم إيداع دحام في السجن، ورفضت جميع طلبات الكفالة المقدمة من عائلته، ولم يعرض على المحكمة، رغم توجيه تهمة "ذم هيئة رسمية" له، وفق وثائق نشرتها العائلة.
وبعد مرور عام كامل في السجن دون محاكمة عادلة أو حكم واضح، أعلن دحام إضرابه عن الطعام احتجاجاً على وضعه.
تدهور حالته عقب اختفائه في ظروف غامضة داخل السجن
وبقي العموش مضرباً عن الطعام، حتى اختفى في اليوم العاشر من الإضراب في ظروف غامضة، ولم تتمكن عائلته من التواصل معه، قبل أن يتبين أنه نقل إلى مستشفى البشير بحالة حرجة بين الحياة والموت، مع إصابته بتلف في خلايا الدماغ.
ووفقاً لما نقلته جهات حقوقية عن مصادر طبية، فإن الإضراب عن الطعام لم يكن السبب في تدهور حالة العموش، حيث إن تلف الدماغ يعني عملياً الدخول في حالة الموت السريري، وهو ما لا يحدث إلا في حالات نادرة.
وعلى الرغم من كونه في حالة موت سريري، قضت السلطات الأردنية بسجن العموش 12 عاماً، خُفّضت لاحقاً إلى 8 سنوات، ما أثار صدمة لدى عائلته، حتى توفي دحام الأحد الماضي.
انتهاكات جسيمة يتعرض لها معتقلو الرأي والمتضامنون مع غزة
وتسلط وفاة العموش الضوء على ما يتعرض له معتقلو الرأي داخل السجون الأردنية من انتهاكات لحقوق الإنسان، والذين جرى توقيفهم على خلفية نشاطات مرتبطة بالتضامن مع غزة أو دعم المقاومة الفلسطينية.
وأفادت منصة "أحرار لحقوق الإنسان"، نقلاً عن حقوقيين وضابط من داخل أحد مرافق التوقيف، بوجود عزلة طويلة وضغوط نفسية وجسدية يتعرض لها المعتقلون على خلفية التضامن مع غزة، حيث يجري اعتقالهم بشكل مفاجئ من أماكن تواجدهم دون مذكرة توقيف واضحة، ودون علم عائلاتهم.
ويقول حقوقيون إن معظم المعتقلين يدخلون في دوامة من العزلة منذ اللحظة الأولى لاحتجازهم، فبمجرد وصولهم إلى مقار التحقيق يتم وضعهم في زنازين انفرادية ضيقة ومعتمة، لا يرون فيها أحداً سوى الحارس الذي يضع الطعام أو المحقق الذي يستدعيهم للاستجواب.
وبحسب المنصة الحقوقية، قضى بعض المعتقلين فترات طويلة في هذا العزل الانفرادي، وصلت في العديد من الحالات إلى عدة أشهر، دون أي احتكاك بشري أو معرفة بما يجري خارج الجدران.
ويتعرض المعتقلون لأساليب تعذيب نفسية تشمل التهديدات بالأقارب والعائلة، بشكل وُصف بأنه مريع نفسياً، إلى جانب استخدام وسائل تعذيب جسدي، أبرزها ما يُعرف محلياً بـ"الشبح"، حيث يُجبر المعتقل على الوقوف لفترات طويلة جداً قد تمتد لأيام متواصلة دون السماح له بالجلوس.
وألقت "أحرار لحقوق الإنسان" الضوء على شهادة ضابط من داخل السجن قال فيها إن كثيراً من المعتقلين الذين يدخلون هذا المرفق ليسوا مجرمين أو أصحاب سوابق، بل أشخاص متعلمون ومثقفون، وبعضهم شخصيات عامة معروفة في المجتمع.
وأضاف: "كثير منهم جامعيون أو ناشطون مدنيون، وكل ما فعلوه هو التعبير عن تضامنهم مع غزة أو دعم المقاومة الفلسطينية. رؤية هؤلاء الأشخاص في العزل الطويل أو تحت الضغط النفسي أمر صعب حتى على من يعمل داخل السجن".
