بالكاد كانت الحياة داخل مخيم برج البراجنة، الملاصق جغرافياً للضاحية الجنوبية لبيروت، ممكنة قبل الحرب "الإسرائيلية" على لبنان، إذ عانى السكان من ظروف قاسية وشبه معدومة نتيجة تقليصات خدمات ومساعدات وكالة "أونروا" التي طالت قطاعي التعليم والصحة، إلى جانب شحّ الخدمات وتقليص مادة المازوت اللازمة لتشغيل آبار المياه.
ومع اندلاع الحرب، بدا المشهد وكأنه "الشعرة التي قسمت ظهر البعير"، حيث غرق المخيم في عتمة شبه كاملة لأكثر من 20 يوماً، بالتزامن مع إقفال عيادة "أونروا" وانقطاع المياه والخدمات، في مساحة ضيقة يعيش سكانها تداعيات الحرب وسط تصاعد الضغط الاجتماعي وموجات النزوح.
في هذا السياق، ارتفعت أصوات من داخل المخيم مُطالِبة الجهات المعنية، من لجان شعبية وفصائل ووكالة "أونروا"، بتحمّل مسؤولياتها وتأمين الحد الأدنى من الخدمات والمساعدات الأساسية لضمان بقاء السكان.
نزوح بلا استجابة
ومنذ الأيام الأولى للعدوان، ومع اشتداد القصف في المناطق المحيطة، اضطرت عائلات فلسطينية إلى النزوح خارج المخيم، في خطوة وصفها البعض بالضرورية هربًا من الخوف والهلع، خاصة لدى الأطفال والنساء.
إلا أن هذا النزوح لم يُواكَب بأي خطة استجابة واضحة، ما ترك العائلات في مواجهة مصير مجهول، فاختار بعضهم العودة إلى المخيم رغم المخاطر، فيما لجأ آخرون إلى استئجار منازل خارجه، ما رتّب أعباء مالية تفوق قدرتهم.
وفي جولة ميدانية لبوابة اللاجئين الفلسطينيين، بدا أن السكان يخوضون معركة بقاء يومية في ظل غياب شبه كامل للخدمات، وانقطاع المياه والكهرباء، وتراجع الأوضاع الأمنية والاجتماعية والاقتصادية.
شهادات من الواقع
تقول اللاجئة ليلى بلقيس، وهي أرملة وأم لأربع بنات: "نعيش أنا وبناتي في حالة خوف وقلق دائم، خاصة مع التهديدات التي طالت مخيمات الجنوب، وقد تمتد إلى برج البراجنة، وعندها ستحل الكارثة… أين سنذهب؟".
وتضيف: "المخيم لم يعد كما كان، نشعر أننا نعيش وحدنا بعد موجات النزوح الكبيرة، الأزقة فارغة، والناس بالكاد تخرج لتأمين حاجاتها الأساسية، المخيم فقد الشغف بالحياة، وزاد الأمر سوءًا انقطاع الكهرباء بشكل شبه كامل، فمع وجودها كنا نشعر ببعض الحياة، أما اليوم فقدناها تمامًا".

وتشير بلقيس إلى أن الاعتماد على اشتراكات الكهرباء الخاصة أصبح مكلفًا جدًا، ما دفعها مع عائلات أخرى إلى إلغائها والاعتماد على كهرباء الدولة التي "لا تأتي أصلًا"، معبرة عن غضبها من غياب "أونروا" والفصائل: "نشعر أننا وحدنا، ونأمل أن يقدموا ولو الحد الأدنى لدعم صمودنا".
بدوره، يروي اللاجئ الفلسطيني جمال درويش، الذي يقطن على أطراف المخيم من جهة العاملية، أنه اضطر للنزوح إلى داخله بعد القصف العنيف، ويقيم حاليًا لدى عائلة زوجته، مؤكدًا أن وضعه ازداد سوءًا بعد توقف عمله في مجال توصيل الطلبات.
ويضيف أن منزله تضرر بشكل كبير جراء القصف، حيث تحطم الزجاج وتضرر الأثاث، وأصبح من البيوت المهددة بالسقوط نتيجة تصدعات في السقف والجدران. ويقول: "فقدت عملي، وأعيل طفلاً يحتاج إلى الحليب والحفاضات، ونعيش في الظلام مع انقطاع المياه وإقفال عيادة الأونروا… هنا نموت ببطء".
ويتابع: "في كل دول العالم توجد خطط طوارئ للأزمات، إلا مخيمات لبنان، فهي تفتقر لأي خطة واضحة… لا نعلم إلى متى سنبقى هكذا"؟ ويشير إلى محاولته التكيف عبر العمل داخل المخيم في توصيل الطلبات بشكل محدود لتأمين احتياجات أسرته.
غضب وتحذيرات
من جهته، يصف الناشط الاجتماعي أحمد الشولي وضع المخيم بأنه "فقد الحياة"، محمّلًا "أونروا" المسؤولية الأكبر، إلى جانب الفصائل واللجان الشعبية التي "تقف مكتوفة الأيدي"، على حد تعبيره.
ويقول: "المخيم بات ككرة تتقاذفها الأونروا واللجان والفصائل، دون حلول حقيقية، لا كهرباء، لا مياه، لا تعليم، لا مساعدات، ولا حتى توعية". ويتساءل: "كيف يُطلب من اللاجئين التوجه إلى عيادة في مخيم مار الياس، في ظل ارتفاع تكاليف النقل وأسعار المحروقات"؟
ويضيف أن اللاجئين ينتظرون انتهاء الحرب على أمل استعادة الشعور بالأمان، لكنه يرجّح بقاء الأوضاع الإنسانية والاقتصادية على حالها، وربما تدهورها أكثر.

في المقابل، يحذّر مسؤول اللجنة الشعبية في المخيم، عيسى الغضبان، من "انفجار اجتماعي" في حال استمرار الأوضاع على ما هي عليه، مؤكدًا أن اللجنة تعمل ضمن إمكانات محدودة، تقتصر على بعض الخدمات كإصلاح الأعطال وتأمين المياه.
ويقول: "نُلام أحيانًا، وهذا حق الناس، لكن لا نملك حلولًا جذرية لأزمات الكهرباء والمياه والخدمات"، ويشير إلى تواصل اللجنة مع شركة الكهرباء لإصلاح الأعطال، بانتظار التنفيذ، مضيفًا: "نحن أيضًا نعيش في العتمة كباقي السكان".
ويلفت الغضبان إلى تحسن طفيف في حركة المخيم مع عودة بعض النازحين الذين فضلوا العودة إلى منازلهم، معتبرين أن العيش في المخيم، رغم صعوبته، يبقى أفضل من البقاء في المدارس أو عند الأقارب.
ويؤكد أن السكان ينتظرون انتهاء الحرب لعودة الحياة تدريجيًا، واستئناف النشاط الاقتصادي، موضحاً أن الأهالي، رغم كل الظروف، يحاولون التكيف، إذ يوفر لهم المخيم حدًا أدنى من الشعور بالأمان.
في ظل هذا الواقع، يبقى مخيم برج البراجنة عالقًا بين الحرب والإهمال، حيث تتراكم الأزمات فوق واقع هشّ أصلًا، فيما ينتظر السكان بارقة أمل تعيد الحد الأدنى من مقومات الحياة، وتكسر دائرة العتمة التي تحاصرهم يومًا بعد يوم.
