بالتزامن مع تجديد جيش الاحتلال إنذارات الإخلاء في جنوب لبنان، والتي شملت مناطق: معشوق، مخيم البرج الشمالي، مخيم الرشيدية، دير كيفا، قعقعية الجسر، وادي جيلو، ومخيم البص، مع الدعوة إلى الإخلاء الفوري والتوجه شمال نهر الزهراني، تشهد مخيمات صور موجة نزوح متزايدة في ظل استمرار القصف والتصعيد العسكري في محيطها.
ما أدى إلى تغيّرات واضحة في واقع المخيمات، بين مناطق شبه فارغة وأخرى تستقبل أعداداً متزايدة من النازحين، وسط مخاوف من تصعيد أوسع خلال الأيام المقبلة.
نزوح متسارع وواقع متغيّر
يقول أحد النازحين من مخيم البرج الشمالي لموقعنا: "خرجنا بشكل سريع بعد اشتداد القصف، ولم نأخذ معنا إلا القليل. لم يكن هناك وقت للتفكير، فقط أردنا الابتعاد عن الخطر".
ويضيف: أن العائلات توزعت بين منازل أقارب ومعارف، في ظل غياب مراكز إيواء منظمة تستوعب الأعداد المتزايدة من النازحين، حيث يواجه الأهالي ظروفاً معيشية معقدة نتيجة الضغط الكبير على المناطق المستقبِلة وارتفاع أعداد القاطنين في المنازل.
وقالت أم محمد، وهي نازحة من مخيم الرشيدية، لبوابة اللاجئين الفلسطينيين: "نقيم حالياً في منزل أحد الأقارب، العدد كبير والمساحة صغيرة، لكن لا خيار آخر".
وأشارت إلى أن أبرز التحديات تتمثل في تأمين الاحتياجات الأساسية، مثل الغذاء والمياه، إضافة إلى صعوبة التكيف مع واقع النزوح المفاجئ.
ضغط على الموارد في مناطق الإيواء والمخيمات
من جهته، قال عضو اللجنة الشعبية في مخيم نهر البارد، فؤاد موسى، إن المخيمات والمناطق المستقبِلة بدأت منذ اليوم الأول للحرب بإحصاء أعداد النازحين، الذين تدفقوا من مناطق الجنوب والبقاع وبيروت، إضافة إلى نازحين من المخيمات الفلسطينية.
وأوضح أن النازحين شملوا فلسطينيين ولبنانيين، إضافة إلى فلسطينيين سوريين وسوريين، ما زاد من تعقيد الاستجابة الإنسانية.
وأشار إلى وجود مركز إيواء تابع لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" في مدرسة "بتير" داخل المخيم، حيث يضم حالياً نحو 76 عائلة نازحة.
وأضاف أن خدمات "أونروا" لا تزال محدودة، وتقتصر على تقديم الفرش والحرامات، على أن يبدأ تشغيل مطبخ لتقديم الطعام مطلع شهر نيسان/أبريل المقبل.
وبيّن موسى أن عدد العائلات النازحة إلى مخيم نهر البارد، إلى جانب العائلات الموجودة في مدرسة "بتير"، بلغ نحو 1800 عائلة، في وقت يبلغ فيه عدد سكان المخيم الأساسيين نحو 7200 عائلة.
وأشار إلى أن العدد الإجمالي ارتفع إلى نحو 9000 عائلة، ما يعكس حجم الضغط الكبير على الموارد في المخيم.
وأضاف أن أهالي مخيم نهر البارد يعانون أساساً من أوضاع اقتصادية صعبة قبل موجة النزوح، وقد زادت هذه الأعباء بشكل كبير مع استضافة أعداد إضافية من العائلات.
اللجان الأهلية: أزمة إنسانية متفاقمة وغياب لـ"أونروا"
بدوره، قال أمين سر اللجان الأهلية في لبنان، محمد الشولي، إن هناك غياباً شبه تام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" من الناحية الصحية والخدماتية، في وقت تتزايد فيه احتياجات الأهالي داخل المخيمات في جنوبي لبنان.
وأوضح أن بقاء عدد من العائلات داخل المخيمات لا يعكس بالضرورة حالة "صمود"، بل هو وجود اضطراري نتيجة غياب مراكز الإيواء البديلة.
ودعا الشولي "أونروا" في منطقة صور إلى فتح العيادات الصحية ولو ليوم واحد، لتمكين المرضى، خاصة أصحاب الأمراض المزمنة، من الحصول على أدويتهم.
وأشار إلى أن العديد من الأهالي يعتمدون حالياً على مدخراتهم لتأمين احتياجاتهم الأساسية، محذراً من أن الأوضاع قد تتدهور بشكل كبير مع نفاد هذه المدخرات.
وأضاف أن ارتقاء عدد من الشهداء، بينهم لاجئ فلسطيني وعدد من أبناء الجالية السورية الذين كانوا يقيمون في مخيم الرشيدية، واستهدفوا أثناء عملهم اليوم، يعكس حجم الأزمة الإنسانية المتفاقمة، إذ إن اضطرار الأهالي للخروج إلى العمل في ظل التصعيد العسكري لا يأتي إلا تحت ضغط الحاجة.
وفي السياق ذاته، يسود مخيم الرشيدية حالة من الحزن والغضب، حيث شيّع الأهالي الشهيد الشاب حسن نحلاوي، مساء اليوم السبت ٢٨ آذار/مارس، الذي ارتقى جراء قصف لجيش الاحتلال استهدف عمالًا في بساتين بلدة الحنية.
وأسفر القصف عن استشهاده واستشهاد أربعة من الجالية السورية، إضافة إلى إصابة أكثر من عشرة أشخاص بينهم فلسطينيون، في مشهد يعكس الحاجة المادية والظروف المعيشية الصعبة.
ولفت الشولي إلى أن تكرار إنذارات الإخلاء، إلى جانب استهداف مناطق قريبة من المخيمات، يزيد من حالة التوتر والقلق في أوساط اللاجئين.
غياب استجابة كافية
ويشتكي الأهالي من ضعف الاستجابة الإنسانية، مع تزايد أعداد النازحين وما يرافقه من ضغط على الموارد المحدودة داخل المخيمات، في وقت يؤكد ناشطون أن خدمات المؤسسات والجمعيات لا تزال دون المستوى المطلوب مقارنة بموجات النزوح السابقة.
في المقابل، تواصل عائلات فلسطينية البقاء داخل مخيمات صور رغم القصف والمخاطر. ويقول أحد سكان مخيم البص: "نحاول الاستمرار رغم كل شيء، لكن الواقع يزداد صعوبة".
ويشير إلى أن الحياة داخل المخيمات أصبحت أكثر تعقيداً، مع تراجع الخدمات وصعوبة تأمين الاحتياجات الأساسية، إلى جانب حالة القلق المستمرة.
وأدى النزوح الواسع إلى انخفاض ملحوظ في الحركة داخل بعض المخيمات، حيث أغلقت محال تجارية، وتقلّصت الأنشطة اليومية، فيما بدت أحياء كاملة شبه خالية.
وفي ظل استمرار التصعيد، تبقى المخيمات أمام واقع متغير بين نزوح متواصل وضغط متزايد في مناطق الاستقبال، مقابل ظروف قاسية يعيشها من تبقّى، وسط تحذيرات من تفاقم الأزمة الإنسانية في ظل غياب استجابة فعّالة.
