تتواصل موجات النزوح نحو المناطق الأكثر أماناً في شمالي لبنان، وذلك في ظلّ تصاعد العدوان "الإسرائيلي" على مناطق واسعة من جنوب لبنان والبقاع وبيروت، ويبرز مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين كوجهة رئيسية للعائلات الفارّة من القصف "الإسرائيلي"، في مشهد إنساني معقّد يتداخل فيه النزوح الفلسطيني واللبناني والسوري، وسط أزمة متفاقمة تتجاوز قدرات الاستجابة المتاحة.
ومع تزايد أعداد النازحين يوماً بعد يوم، تتكشف أزمة مركّبة تتشابك فيها الأبعاد الإنسانية والاجتماعية والخدماتية، في ظل غياب خطط إغاثية شاملة تتناسب مع حجم الكارثة، خصوصاً من الجهات الرسمية وعلى رأسها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، ورغم ذلك، يبرز دور المجتمع المحلي والناشطين الشباب كعنصر حاسم في احتواء الأزمة، حيث تحوّلت البيوت إلى مراكز إيواء، والمبادرات الفردية إلى شريان حياة لعائلات فقدت كل شيء في لحظة.
نزوح صعب دون وجود دعم مستدام
تروي هدى الرفاعي، النازحة من منطقة برج الشمالي جنوبي لبنان، تفاصيل لحظات النزوح الأولى، قائلة: "فجأة البناية رجّت الدنيا وانقطعت الكهرباء... ما عرفنا كيف حملنا حالنا وطلعنا عمخيم برج البراجنة عند أهلي"، وتوضح أن قرار المغادرة جاء تحت وقع القصف المتصاعد والتحذيرات المتكررة، خاصة مع استحضار مشاهد الدمار في قطاع غزة، ما عزّز القناعة بأن البقاء لم يعد آمناً.
وتشير إلى أنها تنقّلت بين أكثر من منطقة قبل أن تستقر في مخيم البداوي، حيث لقيت استقبالا إنسانياً لافتاً، مضيفة: "ما حدا تركنا... استقبلونا وقت الإفطار، وهيدا الموقف ما بينتسى"، مؤكدة أن الشعور بالانتماء خفف من قسوة التجربة: "ما حسّيت حالي غريبة... نحنا شعب واحد وإيد وحدة".
غير أن واقع المساعدات، وفق شهادتها، لا يزال محدوداً، إذ اقتصرت على بعض المساعدات الغذائية من جمعيات محلية، بينما اضطرت لتأمين احتياجاتها الأساسية بنفسها، قائلة: "أنا اللي عم بشتري كل شي... فتنا على بيت فاضي وعم نجيب أغراض شوي شوي"، لافتة إلى تراجع حجم المساعدات مقارنة بالنزوح السابق، ومؤكدة غياب "أونروا" بشكل كامل عن المشهد.
وفي السياق ذاته، تروي أم شمس حمدو، النازحة من الضاحية الجنوبية، معاناة الرحلة نحو الشمال، قائلة: "ضلّينا أكتر من 9 ساعات لنقدر نوصل عالبداوي... والاستقبال كان عند معارفنا"، مشيرة إلى أن المساعدات اقتصرت على "كراتين مونة" من بعض الجهات، دون وجود دعم مستدام، ما يعكس فجوة واضحة بين حجم الاحتياجات ومستوى الاستجابة.
أرقام نزوح تصعّد الضغط
من جهته، يوضح أمين سر اللجنة الشعبية الفلسطينية في مخيم البداوي، أبو رامي خطار، أنّ المخيم يشهد منذ بداية العدوان موجة نزوح غير مسبوقة، حيث بلغ عدد العائلات المسجّلة نحو 752 عائلة، توزعت بين 408 عائلات فلسطينية، و63 عائلة فلسطينية سورية، إضافة إلى 183 عائلة لبنانية و183 عائلة سورية، ما يعكس حجم الضغط المتزايد على المخيم.
ويشير إلى أن غالبية العائلات لم تتجه إلى مراكز إيواء رسمية لعدم توفرها، بل توزعت بين بيوت الأقارب أو استأجرت منازل داخل المخيم ومحيطه، ما خفف الضغط المباشر لكنه خلق تحديات مرتبطة بالاكتظاظ وارتفاع الطلب على الخدمات.
ويضيف: "منذ الأيام الأولى، عملنا على تنظيم استقبال العائلات عبر فتح باب التسجيل اليومي، من خلال فريق من المتطوعين لتوثيق البيانات وتحديد الاحتياجات، بالتنسيق مع مؤسسات المجتمع المحلي"، ويؤكد أن المساعدات الحالية تعتمد بشكل أساسي على المبادرات المحلية، وتشمل الغذاء، مستلزمات النوم، مواد النظافة، حليب الأطفال والحفاضات، إضافة إلى بعض المساعدات الطبية، فضلًا عن تنظيم أنشطة ترفيهية للأطفال وتوزيع وجبات وملابس.
كما يلفت إلى متابعة يومية لواقع الخدمات، خاصة في قطاعات المياه والكهرباء والصحة، بالتنسيق مع الجهات المعنية، بما في ذلك التواصل مع شركة "قاديشا" لمعالجة مشاكل الكهرباء، ومتابعة "أونروا" في ما يتعلق بالخدمات الصحية وتأمين الأدوية، خصوصًا للأمراض المزمنة.
ورغم هذه الجهود، يؤكد خطار أن التحديات كبيرة في ظل استمرار تدفق النازحين، ما يتطلب تدخلًا أوسع من الجهات الرسمية والدولية، مشيرًا إلى العمل على تطوير خطط طوارئ تشمل المراكز الطبية وتعزيز جاهزية فرق الدفاع المدني تحسبًا لأي طارئ.
مبادرات فردية ومجتعية تواجه غياب المعنيين
في موازاة ذلك، يبرز دور الناشطين الشباب، حيث يقول الناشط سامر بجيرمي: إن الاستجابة جاءت عبر مبادرات فردية ومجتمعية، أبرزها فتح المنازل أمام النازحين، مشيراً إلى غياب خطة واضحة من "أونروا": ويقول " لحد هلق ما في خطة إغاثة ولا خطة طوارئ... أغلب الإحصاءات عم تنعمل بمبادرات محلية".
ويشير إلى مبادرات جمع الملابس وإعادة توزيعها، معتبرًا أنها تعكس روح التكافل داخل المخيم، كما يلفت إلى أن سوق الإيجارات لم يشهد ارتفاعًا كبيرًا رغم زيادة الطلب، ما يعكس حسًا بالمسؤولية الاجتماعية لدى السكان، قائلًا: "إلى الآن، لا يوجد أزمة منازل كبيرة، والإيجارات لم ترتفع بشكل كبير".
لكنه يحذّر من تفاقم الأزمة في حال استمرار غياب التدخل الجدي، مؤكداً ضرورة الضغط على الجهات الفلسطينية الرسمية، وخاصة دائرة شؤون اللاجئين في منظمة التحرير الفلسطينية، لتحمّل مسؤولياتها والضغط بدورها على "أونروا"، مشدداً على أن المبادرات الفردية وحدها لا تكفي.
بدوره، يوضح أحمد أمين، من النادي الثقافي الفلسطيني في المخيم، أن الاستجابة المجتمعية كانت سريعة رغم محدودية الإمكانيات، قائلاً: "الناس التي تهجّرت كانت في وجه القصف والعدوان، ومن الطبيعي أن نقف إلى جانبها ونؤمّن لها أساسيات الحياة"، ويشير إلى تأمين ما بين 450 و500 فرشة وحرام، وتقديم أكثر من 6000 وجبة ساخنة، إضافة إلى تغطية احتياجات مئات الأطفال من الحليب والحفاضات بشكل أسبوعي.
كما يجري العمل على تجهيز حصص غذائية لنحو 150 عائلة، رغم كلفة تصل إلى نحو 7 آلاف دولار، في ظل وضع اقتصادي صعب، إلى جانب تجهيز مرافق خدمية مثل أماكن لغسيل الملابس والاستحمام ومساحات آمنة للنساء، لتحسين ظروف العيش في البيوت المكتظة.
ويضيف أن التبرعات هذا العام أقل من السابق بسبب الأزمة الاقتصادية، قائلاً: "التفاعل موجود، بس أبطأ من قبل... ومع ذلك ما حدا قصّر"
تكشف تجربة النزوح إلى مخيم البداوي عن مشهد مركّب، تتجاور فيه المعاناة مع نماذج لافتة من التضامن الشعبي، وبينما ينجح المجتمع المحلي في احتواء جزء من الأزمة، يبقى غياب الاستجابة الفاعلة من "أونروا" عاملاً مقلقاً، يهدد بتفاقم الأوضاع مع استمرار تدفق النازحين.
وفي ظل هذا الواقع، تبدو الحاجة ملحّة لوضع خطة إغاثة متكاملة تستجيب لحجم الكارثة، وتضمن الحد الأدنى من الكرامة للعائلات التي وجدت نفسها، مرّة جديدة، في مواجهة النزوح والفقدان، ويبقى صوت إحدى النازحات معبّرًا عن المشهد: "بالأزمات بتبين معادن البشر"، في إشارة إلى أن التضامن لا يزال أقوى من الألم، ولو إلى حين.
