هذا العام، تحلّ الذكرى الخمسون ليوم الأرض الفلسطيني في لحظة تاريخية مثقلة بالتحولات والتحديات، في ظل حرب الإبادة ومحاولات تهويد الأرض والإنسان الفلسطيني. حيث يتجدد حضور الأرض كقضية مركزية في الوعي الفلسطيني، ليس فقط داخل الوطن، بل في عمق الشتات الممتد عبر القارات.
ففي الثلاثين من آذار/مارس من كل عام، يستعيد الفلسطينيون ذكرى انتفاضتهم دفاعاً عن الأرض في وجه سياسات المصادرة والاقتلاع، لتتحول المناسبة إلى رمز جامع يعيد تأكيد الهوية الوطنية والحق التاريخي، رغم عقود من اللجوء والتشتيت.
وبين بلدان الغربة واللجوء وقسوة البعد، يواصل الفلسطينيون في الخارج حمل روايتهم، وإحياء ذاكرتهم الجمعية، وترسيخ انتمائهم، في مواجهة محاولات الطمس والاندماج القسري، مؤكدين أن الأرض، وإن ابتعدت جغرافياً، تبقى حاضرة في الوجدان والهوية والوعي اليومي.
وفي هذه المناسبة، تتجسد معاني الانتماء والوطنية، حيث توحد الجاليات الفلسطينية في الداخل والخارج جهودها لإحياء التراث الوطني، وتعزيز الوعي بالحقوق الفلسطينية، ونقل تاريخ وهوية الشعب الفلسطيني إلى الأجيال الجديدة، رغم التحديات التي يفرضها البعد عن الوطن وغربة الشتات.
وفي هذا السياق، تواصل موقع "بوابة اللاجئين الفلسطينيين" مع عدد من الفلسطينيين في الشتات، الذين شاركوا تجاربهم الشخصية ومشاعرهم تجاه يوم الأرض وانتمائهم إلى الوطن.
يوم الأرض… ذكرى تتجدد كل يوم
يقول الفنان الفلسطيني سليم عاصي، المقيم حالياً في كوبنهاغن – الدنمارك، إن يوم الأرض "ليس مجرد مناسبة وطنية تحيى في يوم واحد من كل عام، بل هو يوم خالد في وجداننا ما حيينا، يتجدد فينا كل يوم". وأضاف أن الأرض بالنسبة للفلسطينيين "ليست أي أرض، بل هي الوطن الأم، وهي الكرامة والهوية والشرف، أرض متكاملة بحدودها التاريخية، غير قابلة للقسمة أو التبديل".
اتساع العالم وضيق الغربة
وأوضح عاصي أنه، رغم اتساع العالم وما توفره دول الاغتراب من فرص ورفاه، تبقى الغربة ضيقة في نظر الفلسطيني، قائلاً: "رغم العيش في أوروبا، وحصولي على جنسية البلد الذي أقيم فيه، يبقى اسمي لاجئاً، جسدي هنا لكن عيني دائماً على وطني، إلى أن أعود إلى أرض آبائي وأجدادي، التي ارتوت بدماء الشهداء الذين عاهدناهم على مواصلة الكفاح حتى التحرير والعودة مهما بلغت التضحيات".
وأشار إلى أن تمسك الفلسطينيين بأرضهم، خاصة في قطاع غزة، يشكل نموذجاً للصمود، رغم ما يتعرضون له من قتل وتهجير وتجويع وتدمير، مؤكداً أن ذلك يعزز الإصرار على مواصلة الكفاح حتى التحرير والعودة.
وختم عاصي بالقول: "لطالما قلت، وما زلت أؤمن، أن العيش في ظل زيتونة في أرضي خير من ترف الدنيا وقصورها"، مضيفاً أن الغربة، مهما طالت، تبقى قاسية، وأن البعد عن الوطن يورث شعوراً دائماً بالحزن والقلق.. "ذلّ من نسي أرضه، وبئس العيش خارج حضن الوطن، ما دمت بعيداً عن الوطن سأظل أشعر بالحزن والخوف والبرد إلى أن أعود.. لن أبقى لاجئاً".
الحفاظ على الهوية
أما أميمة عمارة، التي تعود أصولها إلى بلدة طبريا، وتقيم حالياً في كندا، فتقول إن "يوم الأرض له ذكرى أليمة لكل فلسطيني هُجّر وحُرم من طعم الأرض والوطن، خاصة وأنه يكبر وتكبر أحلامه بعيداً عن أرضه، وأنا كفلسطينية مقيمة في أرض غريبة غير بلدي أشعر بالغصة والحزن، لأن أرضي محتلة، وتتعرض يومياً لكافة الانتهاكات على يد الاحتلال، ولا نستطيع أن نفعل شيئاً سوى الدعاء أن ينصرنا الله، ويلم شملنا على أرض فلسطين المقدسة".
تعزيز الانتماء من خلال العادات والتقاليد
وأضافت عمارة: "انتماؤنا وشوقنا إلى أرضنا يزدادان يوماً بعد يوم، لذلك نحاول تعزيز هذا الانتماء من خلال الحفاظ على عادات وتقاليد شعبنا الفلسطيني، ونستحضرها في كل مناسبة كحفلة الحنة، وارتداء ثوبنا الفلسطيني الذي نفخر به، واستحضار بعض الأكلات الفلسطينية في أعيادنا وأيامنا العادية مثل الكعك والمسخن والمقلوبة، ونفخر بصناعة أرضنا ومنتوجاتها، فتجدني دائماً حتى في أسواق كندا أبحث عن منتجات فلسطينية الصنع، مثل زيت زيتون بكر من فلسطين أو زعتر فلسطيني".

وأشارت إلى أن "الجالية الفلسطينية في كندا تقيم العديد من الفعاليات والاحتفالات والتجمعات التي تسلط الضوء على العادات والمناسبات الخاصة بنا، فيشارك كل منا بما تيسر لإنجاح هذه الاحتفالات من ديكور فلسطيني وتحف وحرف وإعداد المأكولات"، مؤكدة أننا "نحرص في بلاد الاغتراب على تثقيف أولادنا وتعزيز هويتهم الوطنية، وتعريفهم بجذورهم الفلسطينية، حتى لا تضيع هويتهم مع مرور الوقت".
وبيّنت أنها "تشعر بحزن شديد، وهي ترى وطنها يداس من قبل الاحتلال الذي لا يرحم، ممن يسرقون ويدمرون ويقتلون ويرتكبون المجازر بحق شعبها، فقلبي يعتصر ألماً كل يوم، لكن هذا الألم يرافقه شعور عميق بالفخر والعزة، لوجود شبان وشابات يقدمون أرواحهم فداءً للوطن والأرض، ويسعون بكل ما أوتوا من قوة، رغم بساطة الإمكانات، إلى التصدي للعدوان"، مؤكدة أن "الغربة، مهما طالت، تبقى غربة، وبلدان الاغتراب لا يمكن أن تعوض الوطن، إذ يبقى الإنسان فيها غريباً، والحرمان من الوطن هو من أقسى ما قد يختبره الإنسان، فلا أرض يمكن أن ينتمي إليها كما ينتمي إلى أرضه".
الغربة والحنين إلى الوطن
ومن هولندا، تحدثت السيدة إيمان خليل، التي تعود أصولها إلى مدينة الخليل، قائلة إن "الغربة لا تخفف تعلقي بوطني، أو من شعوري بالانتماء لفلسطين، والجالية الفلسطينية هنا تحرص على إقامة الفعاليات الثقافية والاجتماعية التي تعكس التراث الفلسطيني، خاصة في منطقة فلاردينجن التي تضم أكبر تجمع للجالية الفلسطينية، حيث تنظم عروض فنية وورش عمل تعليمية للأطفال بذكرى يوم الأرض"، مشددة على أن هذه الأنشطة تسهم في تعزيز الهوية الوطنية لدى الأجيال ورفع وعيهم بتاريخهم الفلسطيني.

الفخر والانتماء
وأضافت خليل: "الاشتراك في هذه الفعاليات يمنحني شعوراً بالفخر والانتماء، ففلسطين ليست مجرد مكان على الخريطة، بل هي جزء لا يتجزأ من هويتي وهوية كل فلسطيني يعيش في الغربة والشتات"، مبينة أن "شعوري لا يوصف تجاه ما يحصل من انتهاكات في بلدي، فقلبي يحترق كل يوم، وكل لحظة على الضفة الغربية والقدس والمخيمات الفلسطينية، خاصة مخيم عين الحلوة حيث يقيم أقاربي".
الحرص على اللهجة الفلسطينية
بدوره، قال محمد طهبوب، الذي تعود أصوله إلى مدينة القدس والمقيم في قبرص، إن "يوم الأرض بالنسبة لي هو أكثر من ذكرى، إنه رمز الصمود الفلسطيني وحب الوطن، يمثل تضحيات أجدادنا الذين قاوموا مصادرة الأرض، ويذكرنا بحقنا الدائم فيها مهما بعدت المسافات"، موضحاً: "أحاول الحفاظ على هويتي الفلسطينية أولاً من خلال لغتي، فأنا أرفض رفضاً قاطعاً أن أغير لهجتي الفلسطينية تماشياً مع البيئة أو المجتمع، وثانياً أحرص على المشاركة في أي فعالية فلسطينية، وحتى اليوم أتناول الأكل الفلسطيني، وأقوم بصناعته من خلال اتصال هاتفي مع أمي، فكل شيء فلسطيني هو مميز".
وعن شعوره، يقول طهبوب: "شعور مؤلم جداً، يمتزج بالغضب والحزن، لأننا بعيدون جسدياً عن أرضنا، لكن قلوبنا تبقى معها، وفي الوقت نفسه أشعر بالفخر، أولاً لأني مقدسي، وثانياً لأني أرى شبان فلسطين يواصلون النضال، ويصرون على حماية هويتهم وأرضهم".
في يوم الأرض الفلسطيني، يتجدد الوعي والارتباط بالأرض والهوية، ليس فقط بين الفلسطينيين في الداخل، بل أيضاً بين المغتربين الذين يسعون بكل جهد للحفاظ على تراثهم وتعليم الأجيال الجديدة تاريخهم وجذورهم. فمعاناة الوطن المحتل، والفقدان الذي يعانيه الشعب الفلسطيني، تترافق مع فخر وانتماء، وشجاعة شبان وشابات يواصلون النضال. هذا اليوم يذكرنا جميعاً بأن الأرض هي رمز الهوية والكرامة، وأن الحرمان منها لا يطفئ شعلة الانتماء، بل يزيدها قوة وإصراراً على الصمود والتمسك بالحق.
