يرتسم في أزقة مخيم عين الحلوة الضيقة مشهد مغاير ليوميات الحرب والنزوح، حيث تعلو أصوات ضحكات الأطفال لتكسر شيئًا من وطأة المعاناة. فبين أبناء المخيم وأقرانهم النازحين من مخيمات الجنوب، مثل البص والرشيدية وبرج الشمالي، تتشكل صورة إنسانية مركّبة تعكس معاناة ثقيلة، لكنها لا تخلو من محاولات جادة لاستعادة الفرح.
في هذا السياق، برزت مبادرات شبابية تطوعية نجحت في تحويل الحزن إلى مساحة أمل، كان أبرزها مبادرة حملت عنوان "نرسم الأمل"، والتي استهدفت الأطفال في أحياء المخيم عبر أنشطة ترفيهية وتفاعلية، واكبتها بوابة اللاجئين الفلسطينيين، وأجرت مقابلات مع عدد من القائمين عليها والمستفيدين منها.

مبادرة انطلقت من سؤال طفل
تقول فاطمة سرحان، صاحبة المبادرة، إن الفكرة بدأت بسؤال بسيط طرحته إحدى طفلات الحي: "ليش ما عم تجو تلعبونا مثل قبل؟"، ما دفعها، بحكم عملها التطوعي في مجالات الدعم النفسي والتوعية الصحية والإسعاف، إلى طرح الفكرة على مجموعة من الأصدقاء المتطوعين.
وتضيف أن الفريق قرر إطلاق المبادرة بهدف رسم البسمة على وجوه الأطفال، خصوصًا في ظل وجود نحو 240 عائلة نازحة في حي البركسات، إلى جانب حوالي 900 عائلة من سكان الحي، يعيشون جميعًا ظروفًا معيشية ونفسية بالغة الصعوبة.

الأطفال الحلقة الأضعف
وتؤكد سرحان أن الأطفال هم الأكثر تضررًا من هذه الظروف، إذ فقدوا منازلهم ومساحاتهم الخاصة وذكرياتهم، وأصبحوا يعيشون في بيئات مكتظة، حيث تتشارك أكثر من عائلة المنزل الواحد، فيما ينشغل الأهل بتأمين الاحتياجات الأساسية.
وتشير إلى أن معظم الجمعيات تركز جهودها على مراكز الإيواء، في حين تبقى أحياء داخل المخيم، مثل حي البركسات وحي السكة، شبه مهمّشة، رغم احتضانها لمئات الأطفال الذين يحتاجون إلى الدعم النفسي والترفيهي.
الترفيه كوسيلة دعم نفسي
من جهته، يوضح أبو وليم، أحد المشاركين في المبادرة ويعمل "مهرّجًا"، أن دوره تمثّل في إدخال الفرح إلى قلوب الأطفال الذين عاشوا تجربة النزوح تحت القصف، من خلال الألعاب والرقص والرسم على الوجوه.
ويقول: "شغّلنا الأغاني، ورقصنا مع الأطفال، وجبنا شخصيات مثل الديناصور والدب ليلعبوا معهم، لأنهم يحبّون هذه الشخصيات التي يشاهدونها على التلفاز"، مضيفًا أن الأهالي عبّروا عن سعادتهم بهذه الأجواء التي أنستهم الحرب، ولو لساعات قليلة.

تفاعل يفوق التوقعات
بدورها، تؤكد المتطوعة فاتن صيداوي أن الأنشطة، رغم بساطتها، تركت أثرًا عميقًا في نفوس الأطفال، خاصة مع الاعتماد على الموسيقى والتفاعل المباشر.
وتوضح أن الأطفال كانوا بحاجة ماسة لهذه المساحة للتفريغ النفسي، لافتة إلى أن النشاط، الذي كان مقررًا لساعتين، امتد إلى أربع ساعات بسبب حماس الأطفال واندفاعهم.
وتضيف: "ما جمعنا الأطفال بمكان واحد بسبب الوضع الأمني، بل نحنا رحنا لعندهم عالحارات والبيوت".
فسحة أمل لعائلات أنهكها النزوح
أما ريهام الفارة، وهي أم لطفلين، فترى أن المبادرة شكّلت لحظة استثنائية لأطفالها، الذين تمكنوا للمرة الأولى من اللعب دون خوف منذ نزوحهم.
وتقول: "إذا نحنا الكبار انبسطنا، كيف الأطفال؟ بتمنى تتكرر هالمبادرات بشكل أسبوعي لنخفف عنهم وجع الحرب ولو شوي"، مؤكدة أن الفرحة التي ارتسمت على وجوههم لا تُقدّر بثمن.
ورغم بساطة هذه المبادرات، فإنها تبرز كحاجة أساسية في ظل الأزمات، حيث لا يُعدّ اللعب والضحك ترفًا للأطفال، بل ضرورة نفسية ملحّة. وبين أزقة المخيم، تبقى هذه اللحظات الصغيرة قادرة على صناعة فارق كبير، وقد تتحول إلى ذكريات مضيئة في ذاكرة الطفولة، وسط واحدة من أصعب المراحل التي يعيشها هؤلاء الأطفال.

