تتصدر المؤسسات الصحية والإغاثية، وفي مقدمتها الهلال الأحمر الفلسطيني وجمعية الشفاء، في مخيمات وتجمعات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، واجهة الاستجابة الإنسانية كخط دفاع أول في مواجهة تداعيات الحرب الراهنة وما خلّفته من موجات نزوح وضغط متزايد على المخيمات. إذ تعمل هذه الجهات على تأمين الإسعافات الأولية وتقديم الرعاية الطبية داخل المخيمات ومناطق النزوح، رغم محدودية الإمكانات وتصاعد التحديات الميدانية.
وتواجه المراكز الصحية ضغطًا غير مسبوق مع ارتفاع أعداد المصابين والمرضى، ما يضع الطواقم الطبية أمام اختبارات يومية للاستجابة للحالات الطارئة، بالتوازي مع جهود تنظيم العمل الإغاثي وتوزيع المساعدات وفق الاحتياجات، رغم العقبات اللوجستية والأمنية التي تعيق الوصول إلى جميع المتضررين.

جاهزية طارئة واستجابة متواصلة
في هذا السياق، يؤكد مدير الهلال الأحمر الفلسطيني في لبنان، الدكتور محمد حمود، لبوابة اللاجئين الفلسطينيين، أن الجمعية رفعت منذ بداية العدوان مستوى الجهوزية في مستشفياتها ومراكزها، وأعدّت خطة طوارئ لتنظيم العمل وتعزيز التنسيق بين مختلف الإدارات.
ويوضح أن الطواقم الطبية وفرق الإسعاف تعمل على مدار الساعة لاستقبال الجرحى والمصابين وتقديم العلاج اللازم، إلى جانب الاستمرار في تقديم الخدمات الطبية لأبناء المخيمات رغم الظروف الصعبة.

ويشير حمود إلى تنفيذ خطة طوارئ متكاملة أطلقت بتوجيهات من رئاسة السلطة الفلسطينية، عبر تشكيل لجنة الطوارئ العليا بالتنسيق مع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، حيث نظّمت الجمعية زيارات طبية إلى مراكز الإيواء، لا سيما في مركز سبلين ومدرسة نهر البارد، مع تأمين سيارات إسعاف على مدار الساعة، وإرسال فرق طبية يومية إلى مخيم مار الياس والتجمعات الفلسطينية لتقديم الخدمات بمختلف الاختصاصات.
خدمات للنازحين تحت ضغط متزايد
ويضيف أن التنسيق مع "أونروا" شمل تأمين سكن لمرضى غسيل الكلى القادمين من منطقة صور، بهدف تمكينهم من تلقي جلساتهم في مستشفى الشهيد محمود الهمشري في صيدا، نتيجة إغلاق الطرقات وصعوبة الوصول.
ويلفت إلى أن المراكز الصحية تواجه ضغطًا كبيرًا بسبب تزايد أعداد النازحين من المخيمات والتجمعات الفلسطينية، إضافة إلى نازحين لبنانيين وسوريين، مؤكدًا قدرة الجمعية على التعامل مع الحالات الطارئة رغم محدودية الإمكانات، بفضل خبرة طواقمها، وجاهزيتها منذ اليوم الأول، مع العمل المتواصل لضمان عدم حرمان أي مريض من الرعاية.
مخاطر وأزمة تمويل وتنسيق موحّد لإدارة الأزمة
ويبيّن حمود أن أبرز التحديات تتمثل في المخاطر الأمنية التي تواجه الطواقم أثناء عملها في مناطق قريبة من القصف، إلى جانب الأزمة الاقتصادية في لبنان التي رفعت كلفة الأدوية والمستلزمات الطبية والتشغيلية بشكل كبير، فضلًا عن محدودية التمويل مقارنة بحجم الاحتياجات المتزايدة، ما يضاعف الضغط على المستشفيات والمراكز التابعة للجمعية. ويؤكد أن الطواقم تواصل أداء رسالتها الإنسانية، رغم الظروف الصعبة والإمكانات المحدودة.
وفي ما يتعلق بإدارة الاستجابة، يوضح حمود أن تشكيل لجنة طوارئ عليا تضم مختلف الجهات المعنية أسهم في توحيد الجهود وتوزيع المهام، وتعزيز سرعة الاستجابة وفق الأولويات، عبر تبادل المعلومات بشكل يومي ومواكبة التطورات الميدانية، مع التأكيد على ضرورة توجيه الجهود نحو حماية اللاجئين وتعزيز صمودهم.
الشفاء: عمل إسعافي واسع في الميدان وسط مخاطر الاستهداف
من جهته، يقول مدير جمعية الشفاء في بيروت، محمد حسنين، لبوابة اللاجئين الفلسطينيين، إن مختلف المناطق اللبنانية تشهد حالة طوارئ شاملة، حيث تعمل الجمعية على نقل الشهداء والجرحى والمرضى، مع حضور ميداني داخل المخيمات وخارجها، وفي مناطق النزوح.
ويضيف أن الجمعية تنظم أيامًا طبية داخل المراكز لتقديم الأدوية والخدمات الأساسية، بما يشمل الإسعافات الأولية وأعمال الدفاع المدني، إلى جانب توزيع وجبات إفطار خلال شهر رمضان لصالح الفلسطينيين واللبنانيين في مناطق النزوح.
ويوضح حسنين أن الضغط كبير جدًا، خاصة في العمل الإسعافي، نظرًا لكون الجمعية من بين الفرق القليلة العاملة في بيروت، حيث تغطي مساحات واسعة عبر سيارات الإسعاف وفرق الدفاع المدني، إضافة إلى فرق إسعاف أولي في مار الياس وبرج البراجنة.
ويؤكد أن الفرق تمتلك القدرة على التعامل مع الحالات الطارئة بفضل التدريب والخبرة المتراكمة، بما في ذلك تجارب سابقة خلال الحروب.
ويشير حسنين إلى أن أبرز التحديات تتمثل في المخاطر الناتجة عن استهداف سيارات الإسعاف من قبل جيش الاحتلال، ما يفرض على الطواقم أقصى درجات الحذر أثناء التوجه إلى المناطق المستهدفة، في ظل مخاطر ميدانية معقدة.
شهادات النازحين: تقدير وتحذير
وتعكس شهادات النازحين حجم الجهود المبذولة على الأرض، إذ تقول النازحة أمل بدران (أم هادي)، المقيمة في "معهد رفيق الحريري الفندقي" في بيروت، إن خدمات جمعية الشفاء شملت الرعاية الصحية والتنظيف والمساعدات الغذائية وتنظيم أماكن الإيواء وتأمين الحراسة الليلية، ما ساهم في التخفيف من معاناتهم.
بدوره، يؤكد النازح صبحي جمّال أن الجمعيات الطبية والهلال الأحمر يقومون بدورهم على أكمل وجه، عبر تقديم الإسعافات والخدمات الصحية ومتابعة الحالات المرضية وتوفير الأدوية وتنظيم العمل داخل مراكز النزوح، ما يخفف جزءًا من معاناة النازحين.

ويشير جمّال إلى أن هذه الجهود، رغم أهميتها، تبقى غير كافية أمام حجم الأزمة، داعيًا إلى دور أكبر من الجهات الرسمية والدولية، وعلى رأسها "أونروا"، لتأمين الاحتياجات الأساسية، في ظل أوضاع معيشية صعبة وغياب خطط واضحة لاحتواء أزمة النزوح، مع تزايد أعداد العائلات واكتظاظ أماكن الإيواء.
وفي المحصلة، ورغم الجهود المتواصلة للمؤسسات الصحية والإغاثية، تبقى التحديات أكبر من الإمكانات المتاحة، في ظل استمرار النزوح وتفاقم الاحتياجات الإنسانية، ما يفرض ضرورة استجابة أكثر شمولًا وتنسيقًا لضمان توفير الرعاية والحماية وتعزيز صمود النازحين في مواجهة هذه الظروف القاسية.
