على الرغم من القصف واستمرار التهديدات الإسرائيلية، يصر اللاجئون الفلسطينيون في مخيم الرشيدية جنوبي لبنان على البقاء داخل منازلهم.
لا يقتصر الأمر عند هذا الحد، بل إن ما يزيد عن 300 عائلة من الخارج وجدت في المخيم مأوى أكثر أمانا من قراهم، خصوصا مع استقبال اللاجئين الفلسطينيين وفتح منازلهم لاحتضان المهجرين.
وضع إنساني يزداد تفاقماً
يقول أمين سر اللجنة الداخلية لمخيم الرشيدية، إبراهيم أبو الدهب: إن المخيمات الفلسطينية ضمن منطقة القاسمية حالها كحال القرى اللبنانية، تتعرض للقصف والتهديد بالإخلاء.
ويضيف، في حديثه مع بوابة اللاجئين الفلسطينيين: "إن ما يزيد الحال سوءاً، الحالة الاقتصادية وشبه انعدام فرص العمل وتخلي (أونروا) عن مسؤولياتها والمؤسسات الفلسطينية – إلا ما رحم ربي – هي فقط التي تعمل داخل المخيمات وتقدم المساعدات".
كما يدعو أبو الدهب الوكالة الدولية إلى تحمّل مسؤولياتها تجاه اللاجئين الفلسطينيين، ليس في الرشيدية فحسب، بل في جميع المخيمات، خصوصا وأن الوضع الاقتصادي ما قبل الحرب كان متأزما، فكيف الحال اليوم والحرب قائمة، مؤكداً أن على جميع المؤسسات الفلسطينية العاملة في المجال الإنساني أن تكون على قدر المسؤولية دعما لصمود اللاجئين في المخيمات.
ويستغرب من عدم التفات "أونروا" وغيرها من المؤسسات حتى إلى العائلات التي نزحت إلى المخيم، ويوضح أن أكثر من 350 عائلة من القرى المحيطة نزحت إلى المخيم، بينها 200 عائلة لبنانية، واستقبلهم اللاجئون الفلسطينيون في منازلهم ويتقاسمون سويا رغيف العيش.
ويشدد على أن الشعب اللبناني والفلسطيني واحد والألم مشترك، ولا أحد يعرف مرارة النزوح واللجوء وترك البيوت كاللاجئين الفلسطينيين.
لكن على الرغم من التهديدات "الإسرائيلية"، بل والقصف المباشر، يرفض أكثرية الأهالي الخروج من المخيم.
يقول أبو الدهب: إن النزوح وترك البيوت صعب "والناس عمبتتبهدل برا".. ويتابع: "أريد أن أقول علنا إن مركز الأونروا في سبلين يفتقد أدنى الحقوق الآدمية.. الناس تنتظر دورها للحمام ساعتين وثلاثة.. كان على أونروا إنشاء مراكز إيواء في جميع المخيمات وهي تستطيع ذلك من خلال علاقاتها واتصالاتها".
وتجدر الإشارة إلى أن وكالة "أونروا" أطلقت استجابتها الطارئة في لبنان في 4 آذار/مارس، وهي تدير مركزَي إيواء، الأول في مركز سبلين للتدريب في منطقة صيدا، والآخر في مدرسة بتير في مخيم نهر البارد شمال لبنان.
ووفق بيانات الوكالة الرسمية، فإنه حتى 25 من آذار/مارس، سُجّل 1,892 نازح (569 عائلة) في هذين المركزين.
واقع يفرض على كثيرين البقاء داخل المخيمات
في بيروت، وتحديداً مخيم برج البراجنة في الضاحية الجنوبية، لم تجد السيدة إلهام بداً من اللجوء إلى مستشفى حيفا مع انتشار التهديدات "الإسرائيلية" وتصاعد وتيرة القصف في المناطق المجاورة للمخيم.
حال إلهام، اللاجئة الفلسطينية، كحال لاجئين آخرين وجدوا في المستشفى مأوى أكثر أماناً في ظل اشتداد القصف في المناطق القريبة، على الرغم من علمهم المسبق بأن لا مستشفى أو أي مدرسة يمكن أن تردع الاحتلال عن استهداف المدنيين.
ورغم ذلك، تصر على البقاء في منزلها داخل المخيم على اعتبار أن الداخل أكثر أمانا من الخارج وألا مكان يريح الإنسان كمنزله وسريره.
هبة الأشقر، التي بقيت مع عائلتها في المخيم، تقول: إن الاستهدافات "الإسرائيلية" تؤثر من جهة الفوضى والقلق، لأن أي ضربة قريبة يكون صداها قوياً، حتى إن مباني المخيم تهتز من قوتها.
وتشير لبوابة اللاجئين الفلسطينيين إلى أن إحدى الضربات "الإسرائيلية" أصابت كابل الكهرباء الرئيسي المغذي للمخيم، ويعيش الأهالي الآن على الاشتراك، الذي يرتفع سعره بشكل جنوني، كما أن مشكلة في أحد آبار المياه داخل المخيم فاقمت المعاناة مع صعوبة وصول الماكينات اللازمة للتصليح.
وتوضح الأشقر أن البقاء في المخيم ليس هو الخيار الأفضل، فلو كان الخروج سهلاً والبقاء بعيداً عن الأصوات متاحاً لكان الناس خرجوا، لكن حتى من خرجوا إلى مناطق كعرمون وبشامون وبرجا مثلاً، لا يزالون يسمعون الأصوات، وهذه مشكلة تضاف إلى المشكلة الأساسية المتمثلة في ارتفاع الإيجارات، واستغلال كثير من ملاك المنازل عدم توفر خيارات للنازحين: "يطلبون ألف دولار مع6 أشهر سلفاً عدا عن عمولة المكتب وتكون الشقة غرفة ومطبخ وحمام".
وتذكر أنه خلال هذه الحرب لا تتقبل بعض المناطق وجود فئات معينة من النازحين جراء التحريض الطائفي والخطاب اليميني، مشيرة إلى أنه منذ أيام جرى الهجوم على مركز إيواء، وتتابع: "طالما الواحد قادر يقعد ببيته ليش لا؟"
المخيمات في دائرة الاستهداف
فيما يلي رصد للضربات "الإسرائيلية" المستهدِفة لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان خلال أقل من شهر.
- 5 آذار/مارس 2026: قصف يطال مخيم البداوي شمالي لبنان.
- 8 آذار/مارس 2026: غارتان من طائرات الاحتلال على أطراف مخيم عين الحلوة في الجهة الشمالية بمنطقة التعمير.
- 17 آذار/مارس 2026: جيش الاحتلال "الإسرائيلي" يصدر أوامر إخلاء واسعة في صور، شملت مخيمات برج الشمالي والرشيدية والبص.
- 24 آذار/مارس 2026: قصف يطال مخيم المية ومية، وطائرة مسيرة تستهدف مخيم برج الشمالي، فيما طال قصف آخر محطة الأمانة في محيط مخيم الرشيدية في صور.
أما أبرز الاستهدافات التي طالت المخيمات قبل الحرب الأخيرة في 2 آذار/مارس:
- 20 شباط/فبراير 2026: مسيرة تستهدف أحد الأشخاص في مخيم عين الحلوة.
- 19 تشرين الثاني/نوفمبر 2025: الاحتلال يرتكب مجزرة ضحيتها 13 شهيدا وعشرات الجرحى باستهداف ملعب رياضي.
أما أبرز الضربات قبل ذلك، توزعت بين غارات شملت مخيمات عين الحلوة، البص، الرشيدية والبداوي، زعم جيش الاحتلال في غالبيتها استهداف عناصر في حركة حماس والفصائل الأخرى.
لكن، رغم ذلك، سؤال جوهري يبقى قائماً: لماذا يستهدف الاحتلال "الإسرائيلي" المخيمات رغم علمه المسبق عدم وجود أي قوى عسكرية أو قواعد داخلها؟
الترهيب وخلق شرخ.. أهداف الاحتلال وراء استهداف المخيمات
يقول الإعلامي والكاتب الفلسطيني، أحمد الصباهي: إن المخيمات الفلسطينية في لبنان هي رمز للعودة إلى فلسطين، والاحتلال "الإسرائيلي" معني باستهدافها بقصد الترهيب للنزوح منها، عدا عن استهداف أماكن مدنية كما جرى في مخيم عين الحلوة أكثر من مرة تحت ذريعة استهداف مراكز مقاومة، بقصد إيجاد شرخ بين اللاجئين الفلسطينيين والمقاومة.
مضيفاً: "حماس كانت واضحة عبر بياناتها أن الأماكن المستهدفة ليست تابعة لها، والاحتلال بالتالي يريد أيضا جعل المخيمات أماكن غير آمنة".
ويشدد الصباهي لبوابة اللاجئين الفلسطينيين على أن الفصائل الفلسطينية تاريخياً موجودة في المخيمات بأنشطتها السياسية والاجتماعية والرياضية، والمخيمات ليست قواعد عسكرية هذا معروف للجميع، والحديث عن موضوع السلاح الفلسطيني في المخيمات هو أمر مضخم جداً، لأن ما يوجد في المخيمات هو سلاح فردي وغير ثقيل، وهو قديم بين أبناء الفصائل.
ويوضح أن الفصائل الفلسطينية ليس لديها مانع في تنظيم السلاح الفلسطيني، لكن الآن ومع تطورات الأوضاع وتهديد الاحتلال "الإسرائيلي" بإخلاء مخيمات الجنوب، وبدء اجتياح جنوب لبنان، يبقى موضوع سلاح المخيمات على تواضعه، حاجة للاجئين الذي لا مكان لهم إلا المخيم.
على الصعيد الإنساني، يؤكد الصباهي، المتابع لأوضاع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، أن هناك معاناة حالية تلحق باللاجئين الفلسطينيين نظرا لتعطل الحياة الاقتصادية نتيجة العدوان "الإسرائيلي"، عدا عن تراجع خدمات "أونروا" بشكل كبير، وخصوصاً في أماكن الإيواء التي لا تقدم فيها الوكالة الخدمات المطلوبة، مما حدا باللاجئين العودة الى المخيمات وتحمل المخاطر، وليس البقاء في ذل العيش في أماكن الإيواء.
ويستغرب من اقتصار مراكز إيواء "أونروا" على سبلين وطرابلس، وعدم فتح مدارس بيروت مع نزوح الفلسطينيين أهالي مخيم برج البراجنة حيث تتعرض الضاحية الجنوبية لقصف عنيف.
ويدعو الصباهي الوكالة الدولية إلى تقديم الخدمات المطلوبة للنازحين الفلسطينيين في ظل عدم وجود أي أفق لتوقف الحرب وتوقع ازديار حركة النزوح، ويستدرك: "هذا لا يعني إعفاء الفصائل الفلسطينية من تقديم أي خدمات للاجئ الفلسطيني والدولة اللبنانية التي يجب أن تعامل اللاجئ الفلسطيني على أراضيها إنسانيا في هذه الظروف".
