أصدرت المؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان "شاهد" تقريراً حقوقياً موثقاً حول الغارات "الإسرائيلية" على بيروت التي نفذها طيران جيش الاحتلال يوم الأربعاء 8 نيسان/أبريل الجاري، كواحدة من أعنف موجات القصف الجوي التي شهدها لبنان، والتي خلّفت مجازر كبيرة، وبيّن التقرير أن تلك الغارات ترقى إلى جرائم حرب بموجب القانون الدولي الإنساني.
ويركّز التقرير على "موجة المئة غارة في عشر دقائق"، حيث نُفّذ نحو 100 استهداف جوي خلال فترة زمنية قصيرة جداً، تزامنت مع ذروة النشاط المدني قرابة الساعة 2:30 بعد الظهر.
واستندت "شاهد" في توثيقها إلى منهجية "التثبت المتدرج"، عبر مقاطعة بيانات رسمية صادرة عن وزارة الصحة والدفاع المدني في لبنان مع تقارير ميدانية لمنظمات دولية، أبرزها اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومنظمة العفو الدولية، لضمان أعلى درجات الدقة.
ويوثّق التقرير انتشار الضربات ضمن ثلاث دوائر جغرافية رئيسية، شملت قلب العاصمة بيروت بأحيائها المكتظة مثل بربور، كورنيش المزرعة، عين المريسة، برج أبي حيدر، المصيطبة، البسطة، عين التينة وشارع سليم سلام، إلى جانب الضاحية الجنوبية ومحيطها في بئر حسن وحي السلم والشويفات وعرمون وكيفون وبشامون، وصولاً إلى مناطق الجنوب والبقاع، بما فيها بنت جبيل وصور وصيدا وجباع والصرفند، وصولاً إلى دورس وشمسطار والهرمل.
وبحسب الأرقام التي اعتمدها التقرير، بلغ عدد الضحايا 254 قتيلاً و1165 جريحاً، وهي أعلى حصيلة رسمية سُجلت يوم وقوع الغارات. وسجل في بيروت وحدها 92 قتيلاً و742 جريحاً، مقابل 61 قتيلاً و200 جريح في الضاحية الجنوبية.
وأكدت المعطيات الميدانية وجود نساء وأطفال وعاملين في القطاع الطبي بين الضحايا، إلى جانب مفقودين تحت الأنقاض، فيما دفعت شدة الهجمات إلى نشر نحو 100 سيارة إسعاف في مختلف المناطق، مع وصول المستشفيات إلى طاقتها القصوى وإطلاق نداءات عاجلة للتبرع بالدم.
تحليل قانوني: انتهاكات جسيمة ترقى لجرائم حرب
خلص التقرير إلى وجود أساس معقول للاعتقاد بأن هذه الهجمات تمثل جرائم حرب وفق المادة 8 من نظام روما الأساسي، مستنداً إلى جملة من المؤشرات القانونية الخطيرة، أبرزها: استخدام أسلحة ثقيلة ذات تأثير واسع داخل أحياء حضرية مكتظة، وفي وضح النهار، وغياب الإنذار الفعّال في معظم المواقع المستهدفة، أو صدوره بشكل غير كافٍ زمنياً، ما حال دون حماية المدنيين، وانتهاك حماية الطواقم الطبية، مع توثيق مقتل مسعفين أثناء أداء واجبهم الإنساني.
كما أشار التقرير إلى خروقات محتملة لمبدأي التمييز والتناسب، في ظل استهداف مبانٍ سكنية يفترض أنها تتمتع بالحماية المدنية عند الشك، إضافة إلى الكثافة النارية العالية التي تجعل الخسائر المدنية مفرطة مقارنة بأي هدف عسكري محتمل.
ورغم اعتماد منهجية متعددة المصادر، أقر التقرير بوجود فجوات، من بينها غياب قائمة موحدة بأسماء الضحايا، وعدم توفر إحصاء هندسي رسمي دقيق لعدد الأبنية المدمرة كلياً حتى لحظة إعداد التقرير، مع تصنيف المعلومات وفق "طبقات ثقة" بين عالية ومتوسطة.
تحرك قانوني دولي مرتقب ودعوات للمساءلة
وأعلنت "شاهد" أن التقرير سيشكل حجر الأساس لتحرك قانوني دولي، يشمل إرسال نسخة موثقة إلى مجلس الاتحاد الأوروبي وبعثاته الدبلوماسية، وإحاطة عاجلة للمقررين الأمميين المعنيين بحالات الإعدام خارج القانون ووضع حقوق الإنسان، إضافة إلى تزويد مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بالوقائع والتحليل القانوني للنمط العسكري المستخدم.
وفي ختام التقرير، دعت المؤسسة المجتمع الدولي إلى الانتقال من الإدانة اللفظية إلى المساءلة الفعلية، مؤكدة أن الإفلات من العقاب يشجع على تكرار هذه الانتهاكات. كما طالبت بتفعيل مبدأ الولاية القضائية العالمية لملاحقة المسؤولين عن إصدار أو تنفيذ أوامر هذه الغارات، مع التشديد على ضرورة تجنب استخدام الأسلحة المتفجرة ذات الأثر الواسع في المناطق المأهولة حمايةً للمدنيين.
