في ظل العدوان "الإسرائيلي" المستمر والمتصاعد على لبنان، لا سيما محيط الضاحية الجنوبية، تعيش المخيمات والتجمعات الفلسطينية حالة متصاعدة من القلق وعدم الاستقرار، وسط غياب واضح للاستجابة الكافية من الجهات المعنية، ما يضع آلاف اللاجئين أمام خيارات محدودة بين البقاء في مناطق مهددة أو النزوح إلى ظروف لا تقل قسوة.
مخيمات فارغة من الخدمات.. يعيش سكانها قلقاً يومياً من احتمال أن يطالهم القصف
في مخيم برج البراجنة، الذي تحول إلى شبه مدينة أشباح حيث الأزقة فارغة والمحال مغلقة، بفعل الخوف من القصف "الإسرائيلي" القريب جداً في ضاحية بيروت الجنوبية، يصف اللاجئ الفلسطيني مصطفى الأشوح واقع الحياة اليومية بأنه مزيج من الخوف وانعدام الأمان، مؤكداً أن المخيم لا يمثل مجرد مكان للسكن، بل هو "هوية وذاكرة وحياة كاملة"، ما يجعل خيار النزوح بالغ الصعوبة، ويشير إلى أن العائلات تعيش تحت ضغط نفسي مستمر، متسائلة يومياً عن احتمالية تعرض المخيم للقصف.
ويعاني السكان من صعوبات متزايدة في الوصول إلى الرعاية الصحية، خاصة بعد إغلاق عيادة "أونروا" منذ بداية الحرب، إلى جانب أزمة حادة في الكهرباء نتيجة تضرر الكابل الرئيسي وانقطاع التيار لأكثر من 20 يوماً، ما انعكس أيضاً على إمدادات المياه بسبب توقف المضخات ونقص المازوت.
كما يواجه الأهالي تحديات في تأمين الغذاء، في ظل ارتفاع الأسعار وصعوبة الوصول إلى المواد الأساسية، فيما يدفع الأطفال الثمن الأكبر، حيث يعيشون حالة خوف دائم نتيجة أصوات القصف، ما أثر بشكل مباشر على صحتهم النفسية وحقهم في التعليم، خاصة مع ضعف جاهزية التعليم عن بُعد لدى "أونروا".
أما الأطفال فهم الأكثر تضرراً حيث يعيشون حالة خوف مستمرة، وسط أصوات الانفجارات والقصف، مما أثر بشكل كبير على حالاتهم النفسية، وهناك أطفال حُرموا من المدرسة واللعب والحياة الطبيعية، بدلاً من أن يعيشوا طفولتهم، يقول الأشوح: "عم يكبروا بسرعة تحت ضغط القلق والخوف" ويواجهون صعوبات التعليم عن بعد، وختم بالاشارة الى غياب المبادرات الفعلية في ظل هذه الظروف، حيث يشكل ضغط كبير جداً على الموارد المحدودة. ومع ازدياد حالة النزوح من الجنوب ومناطق اخرى ازداد الضغط داخل المخيم وارتفعت حالة التوتر بين الاهالي، منا خلق شعورا بالعجز .
نزوح قسري.. ليالي في الطرقات وغياب البدائل
في منطقة الأوزاعي، يروي اللاجئ جهاد الزقطة معاناته مع النزوح، مشيراً إلى اضطراره لقضاء ليلة كاملة في الطريق مع عائلته، بينهم ثلاثة أطفال، في ظل غياب أي مراكز إيواء أو جهات تقدم المساعدة، ويؤكد أن معاناته الصحية تزيد من تعقيد وضعه، في وقت يفتقر فيه لأي دعم مؤسسي.
وفي منطقة الجناح، تصف اللاجئة الفلسطينيو أسماء علي حالة الخوف التي دفعتها لمغادرة منزلها بعد قصف مناطق قريبة، واللجوء إلى منزل أقاربها في منطقة الداعوق، مؤكدة أن النزوح ليس خياراً آمناً بقدر ما هو محاولة لتخفيف الخطر، وتستعيد علي تجربة النزوح خلال حرب 2024، وما خلفته من فقدان لجيرانها، في ظل استمرار مشاعر الفقد والقلق حتى اليوم.
اللجان الشعبية… استجابة محدودة أمام أزمة متفاقمة
أمين سر اللجان الشعبية في مخيم شاتيلا، ناجي دوالي، أوضح أن النزوح جرى بشكل عشوائي في ظل غياب أي جهة منظمة، ما فاقم من صعوبة الأوضاع، وأشار إلى تسجيل نحو 65 نازحاً من مناطق مختلفة، دون تلقيهم أي مساعدات حتى الآن.
وبيّن أن نحو 70% من العائلات التي نزحت من المخيم كانت من الجنسية السورية، مقابل 30% من الفلسطينيين الذين عادوا لاحقاً إلى منازلهم، وأكد أن أبرز الاحتياجات تتمثل في دعم صمود العائلات، في نزوح من وإلى المخيمات في بيروت في ظل محدودية الدعم المقدم من بعض المؤسسات
وفيما يتعلق بالقطاع الصحي، أشار دوالي إلى استمرار إغلاق عيادة "أونروا"، ما يضطر المرضى، خصوصاً أصحاب الأمراض المزمنة، للتوجه إلى مخيم مار الياس لتلقي العلاج، منتقداً ما وصفه بسياسات "ظالمة" بحق اللاجئين، ومطالباً بتأمين مراكز إيواء في ظل تدهور الأوضاع المعيشية.
من جهته، أفاد أمين سر اللجان الشعبية في مخيم مار الياس، وليد الأحمد، أن نحو 35 شخصاً نزحوا من المخيم خلال التصعيد الأخير، قبل أن يعودوا لاحقاً، فيما استقبل المخيم 152 عائلة نازحة، معظمها من اللبنانيين القادمين من الجنوب والضاحية.
وأوضح أن غياب مراكز الإيواء دفع هذه العائلات للإقامة لدى أقاربها، ما أدى إلى ضغط كبير على البنية التحتية والخدمات الأساسية، لا سيما المياه والكهرباء.
وأشار الأحمد إلى أن اللجان الشعبية تعمل ضمن هيئة إغاثة بالتنسيق مع السفارة الفلسطينية، حيث يتم رفع الاحتياجات بشكل دوري، مع توقع وصول مساعدات خلال الأيام المقبلة. كما لفت إلى أن "أونروا" قدمت دعماً محدوداً تمثل في توفير المياه والمازوت، إلى جانب تحديد مراكز إيواء في مناطق أخرى مثل سبلين و مخيم نهر البارد.
وفي إطار الاستجابة المحلية، تم تأمين فرش ومواد تنظيف عبر التعاون مع المجتمع المدني، فيما أطلقت جمعية "ببصمة تغيير" مطبخاً يقدم يومياً وجبات لنحو 1200 شخص، كما جرى التنسيق مع الهلال الأحمر الفلسطيني لتوفير خدمات طبية مجانية عبر طبيب وممرضة في مركز مار الياس.
أزمة مفتوحة… وحاجة لتدخل عاجل
في ظل هذه المعطيات، تتفاقم معاناة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان بين تصعيد أمني مستمر، ونقص حاد في الخدمات الأساسية، وغياب استجابة كافية من الجهات الدولية المعنية، وعلى رأسها "أونروا"، وبينما تحاول اللجان الشعبية والمبادرات المحلية احتواء الأزمة ضمن إمكانيات محدودة، تبقى الحاجة ملحة لتدخل عاجل يضمن تأمين مراكز إيواء، وتعزيز الخدمات الصحية والإغاثية، بما يحول دون تفاقم الأوضاع الإنسانية وخسائر جديدة في صفوف اللاجئين.
