تقرير خاص: من ثلاثة يخرج واحد: سوريا… تركيا والاكراد

الأربعاء 14 سبتمبر 2016
صحيفة القدس العربي

بداية عملية تحرير الرقة، عاصمة الامر الواقع لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في سوريا، والتي في إطارها تدور اشتباكات على ممر الامدادات الهام إلى الرقة في منطقة منبج شمال غرب سوريا، يدفع بتركيا من الاقتراب لاتخاذ قرارات استراتيجية.
وذلك كون هذه المنطقة هي الاخيرة التي تقع تحت سيطرة «الدولة الإسلامية» والحدود مع تركيا، وتزايد الاحتمالات في نهاية المطاف لسيطرة الاكراد على هذه المنطقة. لغاية الان، فإن تركيا لا تساهم مساهمة فاعلة في هذه العملية فيما عدا منح الاذن لطائرات التحالف الدولي ضد داعش بالعمل من اراضيها، ولكن عليها ان تدرس مرة اخرى خطواتها وان تقرر خاصة كيف يمكن فرض الخط الاحمر الذي وضعته والذي بموجبه عدم السماح باحتلال المنطقة الواقعة بين نهر الفرات وعزاز (الموجودة شمال حلب) من قبل القوات الكردية.
فإذا حصل ذلك، عندها ستتاح عملية استكمال السيطرة الكردية على معظم المناطق السورية الواقعة بمحاذاة الحدود التركية ـ السورية وهذا هو منبع المخاوف التركية. سوف يكون للخطوات التركية المقبلة تبعات وعواقب كبيرة على مستقبل فيدرالية روجابا شمال سوريا، والتي اعلن الاكراد عن قيامها من جانب واحد في آذار 2016، بناء على تصور سوريا المستقبلية وكذلك على الاكراد الذين يقيمون في تركيا.
يشكل نجاح القوات السورية الديمقراطية (SDF) ـ التي تشمل اغلبية كردية (خاصة الذراع العسكرية حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي، ووحدات الحماية الشعبية الـ (YPG) وكذلك اقلية من القوات السنية الاخرى ـ في تحرير اجزاء من ضواحي الرقة من ايدي «الدولة الإسلامية» بالاضافة إلى الاشتباكات لتحرير منطقة منبج، حلقة الزامية في الطريق لتحطيم الوجود المادي للدولة الإسلامية، في سوريا.
وفي الوقت الذي كانت فيه القوات السورية الديموقراطية منشغلة في تحرير ضواحي الرقة اختار تنظيم الدولة الإسلامية ان يتقدم ويهاجم في نهاية أيار الماضي شمال غرب البلاد في منطقة شمال حلب على الحدود التركية (في القطاع ما بين عزاز ومارة) في ايام الهجوم الاولى نجح التنظيم في هزيمة قوات جيش سوريا الحر (FSA) في هذه المنطقة، وما ساعده في دحرهم كانت القوات الكردية التي تقاتل في المكان.
تركيا، التي تنازلت عمليا في نهاية العام 2015 عن سياسة الباب المفتوح واغلقت المعابر الحدودية خوفا من استخدامها من قبل افراد تنظيم «الدولة الإسلامية» كما انها في مثل هذه الحالة منعت مرور اللاجئين إلى اراضيها. والنتائج كانت بفرار حوالي مائة الف من النازحين إلى منطقة عفرين شمال غرب سوريا خوفا على حياتهم، ومن بينهم عائلات مقاتلي جيش سوريا الحر.
تحظى القوات الكردية بدعم الكثير من العناصر الرئيسية العاملة في سوريا: الولايات المتحدة والتحالف الدولي ضد «الدولة الإسلامية» روسيا، وحتى إلى حد من نظام الاسد، الذي يعتبر الاكراد هم مشكلة صغيرة نسبيا وربما حلفاء محتملين.
هذا الدعم يجد تعبيره بنقل السلاح، المعلومات الاستخبارية، التدريب والاستشارة العسكرية وكذلك بالهجمات الجوية المساندة (من قبل التحالف)، فتح مكتب مصالح في موسكو وكذلك في إمكانية التنسيق عمليا في نقل المساعدات، والقوات والغذاء امام نظام الاسد.
وما لا يقل اهمية عن ذلك النظرة التي ينظر فيها للاكراد: قوات منتصرة، نجحت في هزيمة الدولة الإسلامية على مدار الوقت وبصورة دائمة، الدعم الدولي للقوات الكردية في سوريا منحتهم مشروعية لفرض سيطرتهم على جميع القطاع الشمالي من الجزيرة (شمال شرق سوريا) إلى كوباني (شمال وسط سوريا).
في المستقبل، يأمل الاكراد في ان ينجحوا بإيجاد ربط مع كانتون الاتحاد الكردي في عفرين. ومع ذلك، لا يبدو ان هناك نية لايجاد ربط ايضا مع النظام في المناطق الكردية (KRG) في شمال العراق، خاصة بعد الخلافات السياسية الداخلية في اوساط الاكراد الداخلية والمعتمدة إلى حد كبير على (KRG) في تركيا. فعلى سبيل المثال، تم في آذار 2016 إغلاق المعبر الحدودي سملكا بين الكيانين الكرديين بـأوامر من (KRG) ـ وهو الاغلاق الذي خلق نقص في المواد الغذائية والامدادات في اوساط الاكراد في سوريا.
من بين اللاعبين الخارجيين، عمليا تركيا، وهي تشكل كابحا رئيسيا لتقدم الأكراد في شمال سوريا، وذلك تحسبا من تشكل سابقة لما سيحدث في العراق ـ تشكيلات الحكم الذاتي الكردية في شمال البلاد. فنظام حكم ذاتي في شمال سوريا يشكل قاعدة للعمل السري الكردي الناشط داخل تركيا (PKK)، والذي يعتبر حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي (PYD) عمليا فرعا له. بالاضافة إلى ان تعزيز مكانة الاكراد السوريين يشكل حافزا معنويا للاكراد في تركيا وعنصرا محفزا لزيادة المطالبة لهم في منطقة داخل تركيا.
وعلاوة على ذلك، فإن سيطرة الاكراد على معظم المناطق المحاذية للحدود التركية السورية من شأنه ان يقلص من تأثير نركيا على ما يدور في سوريا. فخطوط الامداد للمتمردين وافراد الدولة الإسلامية تمر عبر الحدود التركية ـ السورية، وبذلك يمكن لتركيا ان تضغط على هذه القوات. كما ان تركيا كانت تأمل ان يقام في شمال غرب سوريا منطقة حماية تحت سيطرة دولية، والتي من الممكن ان تحول دون تدفق النازحين إليها من القتال في سوريا. ففي هذه المنطقة ايضا هناك تتواجد الاقلية التركمانية، التي ترى تركيا بنفسها حامية لهم.
عمليا، ان معارضة تركيا للسيطرة الكردية على مناطق سورية محاذية للحدود التركية ـ السورية تعبر تحديدا عن الضغوط التي تمارسها على الولايات المتحدة لوقف القوات الكردية السورية غربا. فمن ناحية عسكرية، فإن معظم عمليات القصف التي تقوم بها تركيا موجهة ضد نشطاء الـ (PKK) الذين يجدون لهم ملجأ في جبال قنديل شمال العراق. والقليل من عمليات القصف هذه موجهة إلى الأكراد السوريين.
نجاحات الاكراد الكبيرة في مقابل الضعف الذي تظهره القوات والتنظيمات السنية المختلفة، المدعومة والمدربة والممولة منذ بداية الحرب الاهلية من قبل دول الخليج (وفي مقدمتها العربية السعودية وقطر) وتركيا. تبين ان هذه التنظيمات ضعيفة ومفككة جدا ولذا لا يمكنها وحدها مواجهة قوات الدولة الإسلامية ودحرها، إلى جانب الحرب التي يخوضونها ضد نظام الاسد.
تتردد تركيا والعربية السعوية في إرسال قوات برية لمساعدة مجموعات الممتمردين التي تدعمها.
والاكراد، على الرغم من ذلك، يركزون في الحرب ضد الدولة الإسلامية (وليس بالأسد)، ويحظون بإنتصارات ملفتة وكذلك ينجحون في بناء قواتهم وتحرير الاراضي التي هي من وجهة نظرهم جزء من فيدرالية روجابا شمال سوريا، التي اعلن عنها في آذار 2016. هذه النجاحات، إلى جانب فشل قوات المتمردين السنة الذين تدعمهم تركيا، تفرض عليها إعادة حساباتها مجددا.
فإذا لم تقم تركيا بكبح تقدم الاكراد استعدادا لفرض السيطرة على معظم المناطق السورية المحاذية للحدود التركية ـ السورية ستنشأ في هذه المنطقة منطقة عازلة من الممكن ان تكون بالنسبة لها فيها مميزات، من بينها بداية، يتم إبعاد تحدي الدولة الإسلامية عن حدودها، مع انه يمكن القول ان للدولة الإسلامية العديد من الخلايا النائمة داخل الاراضي التركية وهي على استعداد للاستمرار بالقيام بالعمليات داخل الاراضي التركية.
وثانيا، المناطق الكردية من شأنها ان تكون منطقة آمنة بالنسبة للمشردين من الاراضي السورية، وبذلك يتم تقليص الضغط الممارس على تركيا لاستيعاب المزيد من اللاجئين.
ومع ذلك، فإن تركيا تخشى ان تطورات كهذه تساهم في تحسين صورة الاكراد على الساحة الدولية، ودعمها دوليا في العديد من مطالباتها، وكذلك تزيد من الانتقادات للسياسة الكردية تجاه الاكراد في مناطقها.
وبالنسبة لمستقبل سوريا، فإن ترسيخ كيان كردي واستكمال السيطرة الاقليمية على المناطق الكردية ينظرون اليها على أنها تزيد من خطر الحل الفيدرالي داخل حدود البلاد القائمة، او تقسيمها إلى كيانات مستقلة.

تل أبيب ـ فارلوف ولندنشتراوس:

صحف عبرية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد