الأربعاء 26 يونيو 2019
مقال: بعد سبعين عاماً.. النكبة في خطر !
بعد سبعين عاماً.. النكبة في خطر !
مقالات | 2018-05-15 | خاص - بوابة اللاجئين الفلسطينيين

الوليد يحيى 

لم تعد المشهدية الفلسطينية بعد سبعين عاماً على نكبة الشعب الفسطيني، تتضمّن النكبة بمفهومها ودلالاتها ومفرداتها التي استقرّت في الواقع و الأذهان، منذ العام 1948. فتلك النكبةٌ قد أفرزت جملة من الوقائع والشواهد. وقائعٌ  ومفردات استهدفها النضال لتغييرها، وانطلق منها، وشهّدها كذلك على هول المُصاب، فباتت اليوم مهددة بالزوال.

 قرار تقسيم، وآخر لعودة اللاجئين الفلسطينين وإقامة دولة فلسطينية، مخيّمات شتات، ووكالة لغوث وتشغيل اللاجئين، مفردات بمجملها وعلى نكبتها، وفرت للقضيّة مساحات لممارسة الحيوية النضاليّة، وأعطت زخماّ لجسارة الوجود في مواجهة المحو، والاستناد إلى القانونيّ منها رغمَ بؤسه، فظلُّ شيءٍ أفضل من لا شيء كما يُقال شعبيّاً، وهو ما ترجمه الفلسطينيّ مراراً في أكثر من تجربة تأريخيّة، أبرزها إنطلاقة الثورة الفلسطينية المُعاصرة من مخيّمات اللجوء والتي مثّلت خزّاناً للهوية الوطنية الفلسطينية وحواملها البشريّة، واستناد اللاجئين في استمرارهم المعيشي على "الأونروا"، والتعلل بآمال العودة والدولة التي كرّسها النص الأممي.

قسطنطين زريق مُطلق مصطلح "النكبة" في نسخته العربيّة المُعاصرة وشارحه، صوّب الحالة في التعبّير، وضع الذهن العربيّ عند استحقاق الدلالات، فما حلّ عام 1948، وكل ما أفرز عنه لاحقاً، وفق زريق في كتاب "معنى النكبة" الصادر في آب من ذات العام، "نكبة بكامل معنى الكلمة وإحدى أصعب النكبات التي ألمّت بالعرب خلال تاريخهم الطويل، تعلن سبع دول عربية الحرب على الصيهونية في فلسطين، وتقف عاجزة مرتدة على أدبارها، تريد سبع دول إلغاء التقسيم والقضاء على الصهيونية، لكنها تترك المعركة بعد أن خسرت جزءاً كبيراً من أرض فلسطين".

اليوم وبعد سبعين عاماً، كم يحتاج ما نحنُ به الآن، لذهنيّة فجّة في واقعيّتها الاستدلاليّة، كذهنيية قسطنطين زريق لإنتاج مصطلح فجّ وثاقب،  يعبّر عما آلت إليه الحال الذي هو ليس بهزيمة عاديّة؟، فالدول العربيّة السبع التي هُزمت أمام تصدّيها لقرار التقسيم عام 1948، وفشلت في إنهاء الصهيونية، باتت اليوم عاجزة هي ذاتها عن الحفاظ على أنفسها كدول، وهي التي غلّبت أنظمتُها كراسيَهاعلى قضاياها وشعوبها و بالأخصّ دول الطوق، أمّا الأخريات فغارقاتٌ معها في تصفيّة النكبة ذاتها وكيف ذلك؟.

كرّست "الذهنيّة الرسميّة العربيّة" عبر النُظم التي حملتها، منذ هزيمة النكبة عام 1948، "وعياً انتصاريّاً" قائماً على الرفض، بمقابل تنحيّة الفعل فيما يخصّ القضيّة الفلسطينية، وحوّلت مجرى الفعل إلى دواخلها، وذلك لزوم "الممانعة"، وهو النهج الذي واجهت به تلك الأنظمة التي تكرّست عمليّاً، مطلع النصف الثاني من القرن العشرين،  نكبة قيام "دولة" الكيان الاسرائيلي.

وانصبّ الفعل الداخلي على الحالات الشعبيّة العربيّة والفلسطينية، لقولبتها وفق نهجها الممانع، فاكتفت تلك الأنظمة برفض قرار التقسيم  واكتسبت شرعيّتها من نهج "الرفض والكرامة"، ثم عاودت المطالبة بتطبيقه بعد نكستها المذلّة عام 1967، مكتفيةً بدولة فلسطينية على الأراضي التي أتاحها القرار للعرب، ومارست ما يلزم من قمع ونحت وتدجين للحالة الشعبيّة الثورية الفلسطينية، لزوم إخضاعها لما ارتأى إليه أصحاب الفخامة والمعالي والجلالة والسموّ.

من هنا بدأ استمراء التنازلات في الوعي العام، حاضراً، وبدأ مسار انتكاسي على مستوى الذهنيّة الشعبيّة في تقبلّها لما كرّسته الأنظمة من قبول، حتّى صار ممارسة "الممانعة" انتصاراً، واليوم وقد أتمّت النكبة عقدها السابع، لم يتبقَّ ممّا تركته لنا من أرض سوى مساحة لا تتعدى 22% من فلسطين التاريخيّة ويتواصل زحف المستوطنات الصهيونيّة، وما تزال "الممانعة" كوعي انتصاريّ جديد، تمارس رفضها الشكلي، وقبولها الضمني، بما في ذلك فصائل وقوى فلسطينيّة صارت جزءاً لا يتجزّأ من الأنظمة العربيّة.

إذن، بقايا الأرض التي أفرزتها النكبة وكرّسها قرار أممي، وهي مفردة بالأساس بائسةٌ من مفردات النكبة، هاي هي تُمحى على قدم وساق، ويراد لمشهد نقل السفارة الأمريكية الى القدس وإعلانها عاصمة رسميّة لدولة الكيان بالتزامن مع ذكرى النكبة، أن يكون السطر الأخير.

فماذا عن بقيّة المفردات؟، لنتابع مع مخيّمات الشتات، وهي فسطين في خارجها، ولها مدنٌ وقرى تمثّلت بحارات وأزقة حملها الفلسطينيون معهم إليها، وكذلك عاصمة مازلنا نشهد تدميرها حتّى هذه اللحظة، واسمها مخيّم اليرموك للاجئين الفلسطينيين بجنوب دمشق.

المخيّمات، من مفردات النكبة الأكثر أهميّة، والتي شهدّها الفلسطينيون عليها، وانطلقوا منها لتغيير عموم المفردات ومنها مفردة " النكبة" ذاتها، تلك التجمّعات التي تدلل بوجودها على تهجير الفلسطينيين من بلادهم، وأقيمت كأماكن للإيواء المؤقت لحين تطبيق القرار 194 الصادر عن الامم المتحدة والذي ينص على إعادتهم الى أرضهم، نشهد في العقد السابع للنكبة بداية محوها وتهجير أهلها مجدداً الى أبعد بقاع عن أرض فلسطين.

وهو مسلسل بدأ منذ زمن، بأدوات رسميّة عربيّة وبأهداف وتوجيهات وأحياناً بأيادٍ صهيونية، محو مخيّم تل الزعتر في لبنان عام 1976، ومخيّم النبطيّة عام 1982، وما لحقه من حروب طالت المخيّمات في ذات البلد وفشلت في محوها رغم التجزير " صبرا وشاتيلا وحرب المخيّمات"، لندخل اليوم في عصر الحديث عن تصفيّة قضيّة اللاجئين الفلسطينيين ضمن صفقات بمسميّات متعددة، باتت مؤشراتها واضحة، وممكن الاستدلال عليها جليّاً بما يحدث لمخيّمات الشتات في سوريا من تصفية وتهجير علني يخدم في التحليل الأخير الهدف الصهيوني في إنهاء أهم مفردات النكبة وأكثرها تأثيراً وجوديّا على "دولة" الكيان الإسرائيلي.

ولكي يتمّ المشهد، لا بد من تصفيّة وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين " الأونروا" التي شكّلت على مدى عقود، الشاهد الأبرز والاعتراف الأممي والأوضح بمشكلة اللاجئين الفلسطينيين، وليس صدفةً أن تتكثّف المساعي لذلك في عصر تتسيّد فيه ذهنيّات التصفيّة لكل ما هو عادل وتحرري، سدّة الحكم في الدول الكبرى بالعالم والتي تتحكم برقاب الشعوب ومصائرها، كإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي افتتح عهده برفع الستار عن المشهدّية الجديدة، قوامها لاجئون فلسطينيون بلا " أونروا"، يسعى الى إتمامها بخطوة أولى تمثّلت بوقف الدعم الأمريكي لها، وحشرها بضائقة بدأت تخنق اللاجئين الفلسطينيين بسياسات تقليصيّة، بدأت تدفعهم جديّاً لبيع شتاتهم وطلب الهجرة.

في ظل كل ذلك، لا بد من أن نُسائل أنفسنا، ماذا بقي من دلالات واقعيّة لمصطلح "النكبة" الذي أطلقه قسطنطين زريق، كتعبير عميق عن واقع الحال إبان حلولها؟

قد يقول قائلٌ بأنّ في هذا الكلام دعوة للعودة إلى مفرزات النكبة كبرنامج من أجل المستقبل، وآخر قد يجد في الحديث عن مفرزات النكبة ومفرداتها آنفة الذكر، مدحاً ومكتسبات، الّا أنَ حقيقة القول أنّ ما نحتاجه اليوم، توصيفاً دلاليّاً عميقاً وصريحاً، بلا مواربات ولا محسّنات، نحتاج إلى ذهنيّة، تشخّص لنا نوعيّة ما يخطّ لنا من مفردات جديدة، في هذه الحال الجديدة، ليُتاح للفسطينيّ إعادة هيكلة صلابته ثانيّةً للمواجهات المستقبليّة الأصعب، والتي قد تكون بلا مخيّمات، بلا منظمات وشواهد، دون قرارات أممية سوى جديدٌ مرتقبٌ منها ربّما، ينهي الحق بعد أن اجتزءهُ، لذلك يا سادة، ويا للمفارقة والسخريّة، بعد سبعين عاماً " إنّ النكبة باتت في خطر" وفي طريقها إلى الزوال على بقايانا وليس بإحقاق حقوقنا، فما هو التعبير الجديد عن الحال؟!.

 

 

منشورة في زاوية
رابط مختصر
الأخبار المرتبطة
أكثر الأخبار قراءة
آخر الأخبار المضافة