الثلاثاء 10 ديسمبر 2019
تقرير: حراك مخيمات لبنان يصلح ما أفسدته سياسات القوى المتناحرة في عين الحلوة

صابر حليمة - بيروت

على صعيد السياسات اللبنانية بما يخص اللاجئين الفلسطينيين، وتحركات منظمة التحرير والفصائل الفلسطينية في لبنان لم يتحقق حتى اللحظة إنجاز يمكن اعتباره ناجعاً لجهة تحصيل الحقوق الإنسانية والاجتماعية لجموع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، والذين يصل عددهم اليوم بحسب آخر إحصاء للجنة الحوار اللبناني – الفلسطيني بالشراكة مع إدارة الإحصاء المركزي اللبناني والجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني عام 2017، 174422 لاجئاً فلسطينياً.

مكتسبات طفيفة حقهها الحراك، تتمثل بإصدار المدير العام للأمن العام اللبناني اللواء عباس إبراهيم قراراً بمعاملة اللاجئ الفلسطيني كالمواطن اللبناني في مطار رفيق الحريري، وجعله يقف ويختم جوازه من على المكتب الخاص بختم جوازات سفر اللبنانيين، وهذا تم الإعلان عنه خلال لقاء اللواء ابراهيم مع مجموعة من تجار مدينيي صيدا وصور الفلسطينيين، وتم تنفيذه بشهادة عدد من المسافرين الفلسطينيين في المطار.

وأيضاً وعود من اللواء ابرهيم بتسهيل إدخال مواد الإعمار للمخيمات، وحتى الآن لم يجر الحديث عن أي تنفيذ لهذه الوعود، ربما بسبب توقف أعمال الترميم التي تقوم بها الأونروا حالياً، كون الحراك لا يزال مستمراً في المخيمات.

إلا أن أمراً ما كان بالحسبان، قد حدث وأدخل التفاؤل إلى قلوب اللاجئين الفلسطينيين، خاصة في مخيم عين الحلوة، الذي شهد في السنوات الأخيرة موجات اقتتال عنيفة بين قوى وفصائل سياسية عدة، أدت بمجملها إلى غياب الأمن عن المخيم قبل استعادته بجهود الفصائل، في الأشهر الأخيرة، وخلفت دماراً طال بيوت اللاجئين وممتلكاتهم، وأحدث فرقة بين أبناء المخيم الواحد.

وهي فرقة ستتبدد مع تصاعد الحراك المطلبي للاجئين الفلسطينيين في المخيم، وخروجهم في مظاهرات حاشدة لم يشهد لها مثيل منذ سنوات في مخيمات الفلسطينيين بلبنان، ضد قرار وزير العمل اللبناني كميل أبو سليمان تنفيذ حملة لمكافحة العمالة الأجنبية، وعدم استثناء اللاجئين الفلسطينيين منها.
 

مصالحات مجتمعية في عين الحلوة بهدف توحيد الحراك المطلبي

 

لم تغب أي من المخيمات والتجمعات الفلسطينية في لبنان، وإن بدرجات متفاوتة، عن الحراك الاحتجاجي ضد إجراءات وزارة العمل اللبنانية بحق العاملين وأرباب العمل الفلسطينيين، واعتبارهم أجانب يتوجب عليهم الحصول على إجازات عمل كشرط مسبق لممارسة أي مهنة، دون إصدار المراسيم التنفيذية الخاصّة بالقانونين 128 (تعديل قانون الضمان الاجتماعي) و129(تعديل قانون العمل) المقرّة عام 2010 .

اللاجئون الفلسطينيون تحركوا ضد قرارات وزارة العمل، ليس لتعطيل تنفيذ القوانين اللبنانية كما تدعي وزارة العمل، بل من أجل إصدار وتنفيذ قوانين تنصفهم كلاجئين، وكل ما ينشدونه هو الحصول على حقوق إنسانية مغيبة عنهم منذ عقود، تحد من إمكانية متابعة حياتهم بشكل كريم ولائق، وتنص عليها القوانين والشرائع الدولية.

وكما جاء سابقاً، شاركت كل المخيمات والتجمعات الفلسطينية في هذا الحراك دون استثناء، وكان لافتاً مشاركة لبنانيين لدعم حقوق اللاجئين الفلسطينيين فيه، ولكن لاعتبارات ديموغرافية وتاريخية ورمزية، يبرز الثقل الأكبر للحراك في مدينة صيدا، وتحديداً في مخيم عين الحلوة الذي يطلق عليه اللاجئون الفسطينيون اسم "عاصمة الشتات الفلسطيني في لبنان".

ومن هذا المخيم الملئ بذكرى الاقتتال الداخلي والمآسي،  جاءت البشرى، ففي مشهد لم يحدث لسنين طويلة، رافقت الحراك الاحتجاجي في المخيم مصالحات اجتماعية بين أطراف وعائلات لطالما اقتتلت وتشاجرت خلال الأحداث الأمنية السابقة.

المخيم، الذي قسمته لسنوات ما تسمى بـ "المربعات الأمنية"، شهد مظاهرة شارك فيها عناصر تابعون لـ "جماعات إسلامية" مع عناصر حركة فتح، في خطوة شكلت سابقة في تاريخ المخيم القريب.

وهكذا، مرّ عناصر فتح في حيي الطوارئ والصفصاف (المعروفين بخضوعهما للإسلاميين)، ودخل عناصر من "الحركات الإسلامية " إلى منطقة البركسات (الواقعة تحت سيطرة فتح)، بل ومشوا جميعهم في صف واحد للمطالبة بإقرار الحقوق الجامعة للاجئين الفلسطينيين إلى حين عودتهم إلى فلسطين.
 


وقال الضابط في حركة فتح عبد سلطان في حديث مع "بوابة اللاجين الفلسطينيين"، إن هذه المبادرة التي بدأ بها بشكل فردي وشخصي نبعت من استشعاره بالخطر الجماعي المحدق بعموم اللاجئين الفلسطينيين على المدى القريب وهو ممارسات وزارة العمل اللبنانية، وعلى المدى البعيد وهو ما يتربص بقضية اللاجئين من مخاطر، لا سيما مع وضوح الأهداف الصهيو- أمريكية المتعلقة بتصفية قضية اللاجئين ضمن ما بات معروفاً باسم "صفقة القرن"؟

وأكد سلطان أنه لاقى ترحيباً واسعاً من الجهة المقابلة، واتفقا على أمور المصالحة في سبيل مصلحة المخيم.

ودعا سلطان إلى دوران عجلة المصالحات لما فيه خير المخيم وعموم اللاجئين، مؤكداً أنه "يجب التعالي عى الجراح الداخلية لمصلحة القضية، فوحدتنا بقوتنا، ومصلحة الجماعة هي فوق مصلحة الأفراد".

أما الناشط الاجتماعي في مخيم عين الحلوة عاصف موسى، والذي كان من أوائل من أطلق مبادرات التصالح، أكد أن الخطر الكبير الذي استشعر فيه الفلسطينيون جراء إجراءات وزارة العمل ساهم في الشروع بها والتجاوب معها.

وقال موسى في حديث مع "بوابة اللاجئين الفلسطينيين" إنه كان لا بد من ترتيب مقومات لصمود الحراك واستمراره، مشيراً إلى أن "المربعات الأمنية سقطت أمام مبادرات فردية سريعة وليدة لحظتها".

خطوة يجب البناء عليها لتحريم الاقتتال الداخلي

وبدأت هذه العجلة، كما أوضح موسى، حينما دعا الإسلاميين إلى تيسير الطريق أمام تظاهرة وصلت إلى حي الطوارئ بمشاركة واسعة من حركة فتح، إلا أنهم لم يكتفوا بتلبية دعوته فحسب، بل شاركوا في المسيرة، وهكذا كانت انطلاقة عجلة المصالحات التي كبرت كـ "كرة الثلج".

وردد المشاركون في التظاهرة هتافات أكدت النوايا الصادقة للمصالحة، كـ: "وحدة وطنية"، "لا للاقتتال"، "لا للمربعات الأمنية" و"نعم للمصالحات". 

وأكد موسى أنه "بالرغم من الجراح الكبيرة، إلا أنه يجب البناء على هذه المصالحات التي أحدثت ثغرة في جدار لطالما كان عازلاً لمثل هكذا مبادرات"، مشدداً على "وجوب استغلال هذه الفرصة التاريخية والبناء عليها في سبيل فتح صفحة جديدة يكون أساسها تحريم الاقتتال الداخلي والاغتيالات".

وطالب موسى عبر "بوابة اللاجئين الفلسطينيين" بـ "تشكيل لجنة للمصالحة تضم مختلف القوى الوطنية والإسلامية وتعطى إمكانيات مادية ومعنوية واسعة للدفع بمسيرة المصالحات قدماً وإحقاق الحق في هذا الملف".

وكما قيل في المثل العربي قديماً: "رُبّ ضارة نافعة".. فلعل إجراءات وزير العمل اللبناني كميل أبو سليمان تحقق ما عجزت عنه مختلف الفصائل والقوى السياسية الفسطينية لسنين، وتكون فاتحة لمستقبل جديد لمخيم عين الحلوة يغيب فيه الاقتتال والمنازعات التي تستنزف جهود اللاجئين الفلسطينيين السياسية في غير مكانها، الذي يجب أن يتوجه دوماً نحو فلسطين وإيجاد سبل النضال من أجل تحقيق التحرير والعودة.

 

دعماً للحراك.. تكافل اجتماعي بين مختلف المخيمات والتجمعات

أيضاً، انطلاقاً من تصدره المشهد الأبرز في الحراك، تداعت باقي المخيمات والتجمعات الفلسطينية لدعم صمود الاحتجاجات والإضرابات في عين الحلوة، في مشهد وحدوي تضامني، أثبت اللحمة المجتمعية للاجئين الفلسطينيين في مختلف أماكن وجودهم في لبنان.

وهكذا، وتحت شعار "#كلنا_عين_الحلوة"، تصدرت صور الشاحنات المحملة بالخبز والخضراوات من مخيمي الرشيدية والبص إلى عين الحلوة شاشات التلفزة ومواقع التواصل الاجتماعي، وصور أخرى من تجمع القاسمية محملة بالخبز، وأخرى لمطاعم وملاحم ورجال أعمال يتبرعون بوجبات الغداء والعشاء للمشاركين في الاحتجاجات في مختلف أرجاء عين الحلوة.
 


أمين سر اللجنة الشعبية في مخيم الرشيدية جمال سليمان أبو كامل قال إن المخيمات الفلسطينية كافة متكافلة ومتوحدة من أجل تحقيق مطالب اللاجئين بقوانين تنصفهم كحق العمل والتملك والحصول على ضمان اجتماعي.

وأوضح لـ "بوابة اللاجئين الفلسطينيين" أن أي نقص يعاني منه مخيم فلسطيني، تحاول المخيمات الأخرى سده، مشيراً إلى صندوق التكافل الاجتماعي الموضوع على باب مخيم الرشيدية في سبيل جمع التبرعات وشراء منتوجات المزارعين المحلية في المخيم وتقديمها إلى عين الحلوة دعماً لمواصلة الحراك.

مشاهد على هامش الحراك المتمثل بالإضرابات والمظاهرات داخل المخيمات، أدخلت السرور إلى قلوب اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، وأعادت إلى ذاكرتهم تلك الكينونة الفلسطينية المتحدة حول مطالب محقة في الداخل اللبناني، وأهداف نضالية وسياسية تتعلق بحقهم الأول في فلسطين، يؤمل منها أن تستمر وتتعاظم، لا سيما مع إصرار اللاجئين الفلسطينيين على ممارسة دورهم النضالي في المعركة مع الاحتلال الإسرائيلي، والتي تتطلب موقفاً شعبياً موحداً حقيقياً، وخطاباُ قيادياً يرتقي إلى مستوى تطلعات الشارع في المخيمات، يبدو أنه لم يتحقق حتى اللحظة.
منشورة في زاوية
رابط مختصر
الأخبار المرتبطة
أكثر الأخبار قراءة
آخر الأخبار المضافة