القدس 27
دمشق 26
بيروت 22
عمان 26

مقال : هدم المنازل في قلنسوة ليس استثناء

الأحد 15 يناير 2017

هدم المنازل في قلنسوة ليس استثناء
هدم المنازل في قلنسوة ليس استثناء

فلسطين المحتلة - محمد كبها

استيقظنا، مرة أخرى، خلال الأسبوع الماضي على خبر هزّ أعماقنا. فقد اجتاحت جرافات الاحتلال الصهيوني في وضح النهار بلدة قلنسوة الواقعة في الداخل الفلسطيني (غربي طولكرم) وقامت بهدم أحد عشر منزلًا.

تشبه هذه البيوت التي هدمت بحجة عدم الترخيص، أكثر من 70 ألف بيت في الداخل الفلسطيني تفتقد للتراخيص، وهنالك الآلاف منها مهددة بالهدم الفوري. ويعود ذلك طبعًا لعدم إصدار السلطات "الإسرائيلية" لهذه التراخيص. فالخرائط الهيكلية للبلدات العربية لم تتوسع أبداً منذ قيام دولة "إسرائيل". هذا، على الرغم من تضاعف عدد الفلسطينيين بسبعة أضعاف. كما أن الحكومة "الإسرائيلية" لم تسعَ إلى بناء مدينة أو قرية عربية واحدة، مقابل بناء أكثر من 700 مستوطنة لليهود.

لقد صدر قرار الهدم بحق بيوت قلنسوة قبل يومين فقط من تنفيذه، وبتوجيه القيادة السياسية الصهيونية وعلى رأسها بنيامين نتنياهو الذي وعد بذلك في الأسابيع الأخيرة خلال مسرحية النقاش حول نقل مستوطنة عامونا، ولم يتَح لأصحاب البيوت الفلسطينيين حتى تقديم الاستئناف ضد هذا القرار.

بعد تنفيذ الهدم مباشرة، سارع نتنياهو إلى تبشير جمهور مشجعيه الفاشيين متفاخرًا بمشاركة الخبر عن صفحة أخبار صهيونية عنونته بـ"قواتنا هدمت 12 بيتا عربيا في قلنسوة".

وتشهد تصريحات نتانياهو بأن هذا الهدم هو فصل آخر من فصول معركة التطهير العرقي التي يمارسها الاستعمار الصهيوني والتي بدأت مع غزو بلادنا منذ نهايات القرن التاسع عشر، وهي هجمة مستمرة حتى يومنا هذا، بهدف التضييق على الفلسطينيين من أجل اقتلاعهم والتخلص منهم بشتّى السبل. هنا يتمثّل جوهر السياسة الصهيونية في جميع أنحاء فلسطين التاريخية رغم التجزئة الرسمية واختلاف آليات التحكّم في المناطق المختلفة، والتي ابتدعتها "إسرائيل" من أجل تجزئة المقاومة الفلسطينية ضدّ مشروعها.

لاحقاً، قامت جرافات الاحتلال بهدم قرية العراقيب الفلسطينية في النقب للمرة الـ 108. وقد سلمت إخطارات بهدم منازل في مدينة باقة الغربية وقرية عرعرة. فما الذي يجعل "إسرائيل" تطلق هذه الحملة في هذا الوقت بالذات؟

الانفلات "الإسرائيلي" بدعم أمريكي

يتنافس الساسة "الإسرائيليون" فيما بينهم، في الأعوام الأخيرة، على الإفصاح عن عنصريتهم، فقد شكّلت المحاكمة الوهميّة للجندي القاتل إليؤور أزاريا خلال الأسبوع الماضي مسرحًا للمنافسة على دعم واحتضان القاتل، وقد دعا قادة ما يسمى باليسار الصهيوني، قبل اليمين، لمنحه العفو.

ومنذ بداية الانتفاضة الثالثة التي انطلقت في تشرين الأول من العام 2015، صدرت أوامر قتل الفلسطينيين من القيادة السياسية لتصل مباشرة عبر وسائل الإعلام إلى الجنود في الميدان وإلى المستوطنين "الإسرائيليين" الذين يحمل معظمهم السلاح، وقد مهّد هذا إلى ما يقارب مائتي عملية قتل لفلسطينيين.

وتيرة الانفلات هذه تتسارع على جميع الأصعدة وفي جميع أنحاء فلسطين التاريخية، فهدم المنازل وإزالة أحياء وقرى بأكملها في النقب والقدس وغور الأردن على حد سواء، من جهة، وعمليات الإعدام الميداني للفتيان والفتيات الفلسطينيين في شوارع الضفة الغربية والقدس الشرقية. وتكثيف حملة الاستيطان في حي سلوان المقدسي. و تشديد الخناق على قطاع غزّة المهدد بكارثة إنسانية لو استمرّ الحال على ما هو عليه في الوقت ذاته، علمًا بأن غزة تعاني في هذه الأيام الباردة، فوق معاناتها المستمرة، من أزمة حادة في تزويد المواطنين بالكهرباء، سببها الأول، والمسؤول المباشر عن ذلك هو الحصار الصهيوني الذي بدأ مع إعلان مجلس الكابينِت في 2007 بالبدء في حصار غزة للتضييق على حكومة حماس، والذي ضرب في عدة مناسبات محطة توليد الطاقة الغزّية، ويتحكم بضخ الوقود لمحطات التوليد، ما يتسبب في هذه الأزمة الخانقة. بل إن المطّلع على تفاصيل هذا الحصار يدهش لدى علمه بأن قوائم الحظر تشمل من ضمن ما تشمله: زيت الخروع، مثلا، الذي من غير الواضح سبب منع إدخاله إلى القطاع. أو مادة الألياف الزجاجية (الفايبر غلاس) الضرورية لترميم قوارب الصيد التي تتعرض لإطلاق النار تحت أوهى الذرائع من قبل البحرية "الإسرائيلية". أو رش المنطقة الزراعية في غزة بالمبيدات الكيماوية. كل هذا يتضاءل أمام المعادلة الرياضية التي وضعها الحكم العسكري "الإسرائيلي"، والتي تهدف إلى تقليص المواد الغذائية الداخلة إلى قطاع غزة إلى الحد الأدنى، لإبقاء 2 مليون فلسطينيًا أحياء على حافة الكارثة الإنسانية.

تتبدى ملامح وحشية التصعيد هذه أيضاً في المصادقة على قوانين تمنح المستوطنين في الضفة الغربية مزيدًا من الصلاحيات من أجل سلب الأراضي الفلسطينية وترهيب المواطنين، إلى جانب الهجمة الشرسة على الحركة الوطنية في الداخل الفلسطيني، المتمثلة في إخراج الحركة الإسلامية عن القانون وحتى ملاحقة حزب التجمع الوطني الديموقراطي والاعتقالات المستمرة للناشطين الفلسطينيين.

تجد الأفكار المجنونة مكانًا لها في الخطاب "الإسرائيلي" اليوم، وخاصة في ظل تراجع دور النخبة "العقلانية" الصهيونية. حيث تقوم النخب السياسية بتقديم اقتراحات مثل الاقتراح بتهجير عائلات منفذي العمليات الاستشهادية إلى سوريا، أو الدعوة إلى هدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل الثالث مكانه، أو دعوة بعض الوزراء إلى ضمّ الضفة والإعلان عن دولة يهودية من النهر إلى البحر.

هذه التطورات، جميعها، هي نتاج طبيعي للدعم التاريخي المطلق ولإفلات الحبل الذي تلقته "إسرائيل" من قبل الإدارات الأمريكية المتعاقبة، للتغطية على الجرائم بحق الإنسانية التي ترتكبها.

تأتي إدارة ترامب للاستمرار في النهج ذاته والذي يمهّد للمرحلة القادمة، فبعد صدور قرار مجلس الأمن الأخير طمأنَ ترامب "الإسرائيليين" قائلًا بأن كل شيء سيتغير عند استلامه إدارة البيت الأبيض في العشرين من الشهر الجاري. وخلال الأسابيع الماضية زارت بيكي نورتون دانلوب، إحدى مستشارات ترامب فلسطين المحتلة، وصرّحت خلال زيارتها بأنها تبدي تعاطفها مع ما سمته "الشعب الإسرائيلي" و"دعمها لحقه الطبيعي في التوسّع على أراضيه وتطوير مجتمعه بما في ذلك على أراضي الضفة الغربية" التي تعتبرها نورتون جزءاً لا يتجزأ من "إسرائيل."

هذا، وسيعين ترامب، على ما يبدو، دافيد فريدمان اليهودي، سفيرًا أمريكياً في "إسرائيل"، وهو صهيوني متعصب يربطه رابط قوي بدولة الكيان، وقد زار "إسرائيل" وفق تصريحاته أكثر من 100 مرة خلال الثلاثين سنة الماضية، وقد أسس وترأّس جمعية "أصدقاء مستوطنة بيت إيل" ، وهو من داعمي الاستيطان في الأراضي المحتلة عام 1967، وقد أعلن بدوره بأن أولى خطواته عند استلام مهامه ستكون نقل السفارة "الإسرائيلية" من "تل أبيب" إلى القدس.

سقوط وهم حلّ الدولتين وأزمة السياسة الفلسطينية

لمدة تجاوزت الـ 40 عامًا سقط الكثير من الفلسطينيين في فخّ وهم حل الدولتين الذي رسمته الصهيونية بناءً على قرار الإمبريالية بتقسيم البلاد، لقد ركضت بعض القيادات الفلسطينية لاهثة وراء ذلك الحل المضلل مثلما يركض تائه عطش في الصحراء وراء السراب.

إن سقوط الأقنعة الصهيونية والأمريكية يكشف لمن تمّ التغرير به من الفلسطينيين بأن "إسرائيل" لم تسعَ ومنذ إقامتها الى التوصل إلى تسوية مع الفلسطينيين، وكما هو معهود من قبل حركات الاستعمار الاستيطاني، فإن هدف "إسرائيل" كان ومازال، التوسع واقتلاع السكان الأصلانيين من أراضيهم والتخلص منهم بشتى الوسائل.

لا تتوافق سياسة إسقاط الأقنعة مع توجّه ما يسمى باليسار الصهيوني، أو من أطلقنا عليهم تسمية "العقلانيين" الصهاينة لخوفهم على مشروعهم، فبعد قرار الأمم المتحدة الذي يقضي بوقف الاستيطان في الضفة والقدس، وبعد خطاب كيري الذي تلاه كان ردّ رئيس الوزراء "الإسرائيلي" وحاشيته شرسًا، وقد اتهم هؤلاء الدول المبادرة للقرار بمعاداة السامية، وبدأوا بخطوات قطع العلاقات معها، ووجهوا تهم "خيانة الديموقراطية" لإدارة أوباما وكيري.

تعقيبًا على كلّ ذلك قال إيهود باراك والذي يعتبر أحد رموز معسكر ما يسمى باليسار الصهيوني، بأن حكومة نتنياهو المتعنتة وغير الحكيمة تجرّ "إسرائيل" نحو الهاوية. لقد انتقد باراك وبشدّة ما يفعله نتنياهو الذي يعلن الحرب على العالم، وقال بأنّ ذلك سيعزز من قوة حركة مقاطعة "إسرائيل". اللافت في تصريح باراك هو توضيحه بأن وتيرة بناء المستوطنات في الضفة قد بلغت أربعة أضعاف ما كانت عليه في فترات حكم نتنياهو، ولكن، يقول باراك، كنا نوهم العالم بأننا نسعى لتحقيق السلام، وكنا نحاور الفلسطينيين ونوهمهم بأننا مهتمين بالتوصل الى حل نهائي معهم.

في الأستوديو إلى جانب باراك جلس المحلل السياسي "الإسرائيلي" المعروف، أمنون أبراموفيتش وقال بأنه وخلال استماعه لخطاب نتنياهو الذي أعلن فيه الحرب على العالم شعر بأنه ماضٍ باتجاه دولة أبارتهايد، وبأنه قد خيّل له أنه عاد في الزمن إلى العام 1986 وقد كان يستمع للتو لخطاب رئيس حكومة نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا.

ما من شك بأن إدارة ترامب ستدعم توجّه حكومة "إسرائيل"، تمامًا كما دعم الغرب وعلى رأسه مارغريت ثاتشر رئيسة الوزراء البريطانية في الثمانينيات، نظام الأبارتهايد.

قد نستفيق في الغد لنقرأ في الصحف عن إعلان حكومة نتنياهو دولة يهودية في جميع أنحاء فلسطين، ولن يفاجئ ذلك أحدًا.

في ظل هذا كلّه، مازالت معظم القيادات الفلسطينية على جانبي الجدار، وحتى في غزّة، تتحدث عن "حلّ الدولتين"، الفكرة التي لم تكن منطقية وواقعية في أية مرحلة من المراحل، عدا عن مدى الظلم المتجسد فيها لشعبنا، فهي تتخلّى عن أكثر من نصف الشعب الفلسطيني (اللاجئين وفلسطينيي الداخل) ولم تكن لتحقق العدل لشعبنا. إن تخليد وضع يتم فيه تقسيم فلسطين إلى مركز استعماري وهامش خاضع وتابع للاستعمار ومحاصر تمامًا بالإرادة الاستعمارية لن يحقق سلامًا أبدًا في فلسطين، وهو يكرّس الظلم والاضطهاد بموافقة المضطّهَدين وتنازلهم التاريخي عن حقوقهم. إن شعبنا الذي دفع ضريبة الدم منذ ما قبل عام 48 ولا زال يدفعها حتى اليوم يستحق ما هو أكبر من استقلال البلديات. فصراعنا مع الاحتلال لم يكن ولن يكون إداريًا حول صلاحيات جمع القمامة ومد خطوط الكهرباء والبنية التحتية. بل إنه صراع نحو التحرر وتقرير المصير، وفي صلبه مسألة عودة اللاجئين الفلسطينيين.

الأمر الواقع في فلسطين يدعونا للتفكّر في إعادة الاعتبار لبرنامج الإجماع الوطني الفلسطيني الذي سقط من أجله غسان كنفاني ودلال المغربي والآلاف من شهداء شعبنا في المجازر وفي المعارك، من أجل حل عادل لقضية شعبنا، أسس هذا الحل تكمن في تفكيك البنية الصهيونية للكيان "الإسرائيلي"، وفي عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى قراهم ومدنهم، هذا هو صلب الحل الكامن في الميثاق الوطني الفلسطيني، الذي تم اغتياله على مراحل متعددة، وصولاً إلى شطبه في العام 1997. هذه الرؤية المتمثلة في إقامة نظام ديمقراطي في فلسطين ستشكّل حلًا ليس للفلسطينيين وحدهم، بل وستحرر مستوطني الكيان الصهيوني نفسه من الكارثة التي ألحقوها بأنفسهم وبشعبنا.

المصدر : خاص-بوابة اللاجئين الفلسطينيين