تزايدت في الآونة الأخيرة معاناة اللاجئين الفلسطينيين الذين هاجروا إلى البلاد الأوروبيّة بهدف الهجرة وتحسين أوضاعهم الاقتصاديّة أو توفير مكانٍ آمنٍ لهم، وذلك بفعل سياسات دول الاتحاد الأوروبي الذي يجزم كثيرون من طالبي اللجوء أنّها "غير واضحة"، وتتغيّر وتتبدّل من حينٍ لآخر.

دول الاتحاد الأوروبي رفضت مئات طلبات اللجوء لفلسطينيين وأبلغتهم بذلك، خاصّة الذين قدموا من قطاع غزّة ومُخيّمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، إذ مُنع المئات منهم من الحصول على حق اللجوء في دول الاتحاد الأوروبي، وذلك بحجّة أنّ بلادهم تُصنّف آمنة، وفي ذات الوقت هم "بلا جنسيّة أو وطن"، وهناك من رُفض طلبُه دون إبداء الأسباب، وذلك في ظل أنّ التفاضل أصبح حاضراً أمام السلطات في الدول الأوروبيّة، خاصّة مع اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانيّة التي دفعت ملايين الأوكرانيين للنزوح إلى غربي أوروبا.

حياتنا صعبة حتى في أوروبا!

محمود سالم (اسم مستعار) فلسطيني من لبنان قرّر أنّ يغادر هذا البلد الذي يغرق يوماً بعد يوم في أزماته المختلفة، ولذات الأسباب التي دفعت المئات من جيله للرحيل إلى أوروبا، وانتهى به المطاف في ألمانيا بحثاً عن حياةٍ كريمة، لكنّه تفاجأ بأنّه "بلا وطن"، حسبما أخبرته السلطات هناك.

يوضح سالم لبوابة اللاجئين الفلسطينيين أنّ السلطات رفضت طلبه المُقدّم للجوء بحجّة أنّه قادم من لبنان أي قادم من بلد آمن، واليوم هو مطالب بالرجوع إلى البلد الأوروبي الأول الذي وصله وقدّم فيه طلب لجوء لأول مرّة.

ويُشير سالم أيضاً إلى أنّ هناك العشرات على ذات المنوال، ولا يعلمون أين سينتهي بهم المطاف بعد كل المعاناة التي مرّوا بها أثناء رحلات التهريب المختلفة براً وبحراً، ودفعوا مبالغ كبيرة للمهربين من أجل الوصول إلى دولة أوروبية، ويحاول هؤلاء التواري عن الأنظار قدر المستطاع حتى لا يتم القبض عليهم أو ترحيلهم.

مئات طالبي اللجوء الفلسطينيين في انتظار مجرد إقامة أوروبية

أمَّا علاء شبلاق (32 عاماً)، شاب فلسطيني من قطاع غزّة هاجر إلى بلجيكا مدفوعاً بالظروف الصعبة في القطاع المُحاصر، حيث واجه صعوبات معيشية كبيرة دفعته لاتخاذ مثل هذا الخيار، يقول لبوابة اللاجئين الفلسطينيين: لم نكن نفكّر يوماً في الهجرة أو الابتعاد عن وطننا، ولكن خلال السنوات الأخيرة لي في غزة، الأوضاع ازدادت صعوبةً وأصبحت الخيارات محدودة للغاية وقلّت فرص العمل وأغلقت المعابر، مما دفعني للخروج من غزّة.

يقول علاء وهو خريج تخصص إدارة تكنولوجيّة: إنّ رحلته إلى بلجيكا كانت مُيسّرة إلى حدٍ ما، إذ وصل إلى هناك من خلال مؤسسةٍ بلجيكيّة كان يعمل معها لفترةٍ معيّنة، وبعد انتهاء العمل قدّم للجوء في بلجيكا، "وكانت الدولة ترحّب باللاجئين على عكس اليوم"، مُشيراً إلى أنّ هناك المئات ممن يعانون من تأخير الحصول على الإقامة خاصّة بعد جائحة "كورونا" وتأثيراتها على الدول الأوربيّة، وبسبب إغلاق العديد من المؤسّسات ولجوء أعداد كبيرة جداً من طالبي اللجوء حول العالم إلى أوروبا وليس من فلسطين فقط.

فترة الانتظار هي الأسوأ

يؤكّد علاء أنّ أسوأ فترة تمر على مقدّم طلب اللجوء هي فترة الانتظار، وهذه المشكلة لا تقتصر على من هم في بلجيكا فقط، بل في جميع الدول الأوروبيّة، حيث تعتبر هذه الفترة صعبة جداً ومتعبة، كما تواجه الشبّان الفلسطينيين تحديّات عدّة أبرزها الاندماج في المجتمع الأوروبي الجديد، وتعلّم اللغة والثقافة، حيث يحتاج طالب اللجوء إلى وقت كافٍ ليتفهّم أنّه أصبح خارج وطنه وعليه التأقلم مع هذه الحال الجديدة والاستقرار في مكانٍ بعيد عن أهله ومجتمعه.

شبلاق الذي يعمل في المجال الإعلامي والفني، يشير إلى أنّه حاول قدر المستطاع الاندماج في المجتمع البلجيكي، وقام بتنفيذ عدد من الأنشطة الفنيّة بالتعاون مع مؤسساتٍ عدّة ما جعله قريباً أكثر من هذا المجتمع.

ولمعرفة مستجدات هذه العراقيل التي يواجهها اللاجئ الفلسطيني في أوروبا وحول الكيفيّة التي تتعامل بها الدول الأوروبيّة مع هذا الفلسطيني الذي لجأ إليها تاركاً خلفه مرارة العيش في المُخيّمات والأوضاع الاقتصاديّة المنهارة، ليُفاجئ كما يُقال في المثل الشعبي أنّه "هرب من تحت المطر ليقف تحت المزراب"، تحدّث بوابة اللاجئين الفلسطينيين مع عضو الأمانة العامة لاتحاد الجاليات والمؤسّسات الفلسطينيّة في أوروبا حمدان الضميري لاستيضاح العديد من الأمور في هذا الجانب.

الاتفاقيات هي التي تحكم الدول

يوضّح الضميري أنّ الجميع يجب أن يعلم أنّ هناك اتفاقيات دوليّة تفرض على الدول الموقّعة عليها احترامها وتنفيذ ما جاء في نصوص هذه الاتفاقيات، فمثلاً هناك اتفاقيّة لقضية اللاجئين بشكلٍ عام تم توقيعها عام 1951 وهي اتفاقية "فيينا" التي أقرت المفوضية العليا للاجئين أي المؤسسة الدوليّة التي ترعى شؤون اللاجئين حول العالم، وهذه الاتفاقيّة تفرض على الدول التي تستقبل اللاجئين بتطبيق مجموعة من الشروط تؤمّن الحياة لهؤلاء اللاجئين مع توفير الحقوق المدنيّة والقانونيّة في حال قبول طلباتهم، وهذه الاتفاقيّة تُلزم كل الدول الأوروبيّة وكل دولة تدخل لمنظمة الأمم المتحدة التوقيع على عدّة اتفاقيات ومنها اتفاقيّة "فيينا".

أمّا الاتفاقيّة الثانيّة، يُشير الضميري إلى أنّها اتفاقيّة "دبلن" وهي اتفاقيّة أوروبيّة بحتة وليست دوليّة، أي غير مُلزمة لكل دول العالم، ووقعت هذه الاتفاقيّة عام 1990، فيما تم توسيعها لتشمل كل دول الاتحاد الأوروبي في العام 2003 باستثناء الدنمارك، وفي عام 2006 انضمت الدنمارك إلى هذه الاتفاقيّة، أي معظم دول الاتحاد الأوروبي اليوم تسري فيها هذه الاتفاقيّة وهي ملزمة لدول الاتحاد، وعندما نتحدّث عن الحق في اللجوء فنقول أنّ هناك اتفاقيتين، الأولى دوليّة، والثانية فقط ملزمة لدول الاتحاد الأوروبي، وهذا هو الجانب القانوني بالنسبة للاجئين حول العالم وفي أوروبا على وجه الخصوص.

اللاجئ الفلسطيني له وضع خاص

ويُضيف الضميري: نحن هُنا نتحدّث عن اللاجئين بشكلٍ عام من الذين فرّوا من بلادهم إمّا بسبب الحروب أو الفقر أو الاستبداد أو محاربة الرأي ويلجؤون ويطلبون الحماية من بلدٍ آخر موقّع على اتفاقيّة "فيينا" لتتوفّر له حياة غير التي تركها في بلاده، "أمّا اللاجئون الفلسطينيون فلهم وضعهم الخاص لأنّهم لا يمتلكون دولة من الأساس، بالتالي فإن اتفاقيتي "فيينا ودبلن" لا تسريان على هؤلاء اللاجئين، فمثلاً إذا جاء الفلسطيني من غزّة، هل يعتبر ترك فلسطين؟ أم ترك بقعة جغرافيّة الأوضاع السياسيّة فيها غير واضحة وليست دولة؟"، لذلك الفلسطيني له وضعه الاستثنائي حول العالم، والدولة الأوروبية بإمكانها النظر في طلب لجوء الفلسطيني من زاويةٍ إنسانيّة ولا تتعامل مع لجوئه من منطلق سياسي أو مما نصّت عليه اتفاقية "فيينا"، بالتالي لا يحصل الفلسطيني عندما يأتي للدولة الأوروبيّة على لجوء سياسي بل يحصل على الإقامة الإنسانيّة لأنّه جاء من "مكان غير واضح ولا يوجد له دولة"، بحسب التعريفات الأوروبية أي يختلف التعامل معه مقارنةً بلاجئ آخر جاء من دولةٍ ذات سيادة.

طرق ثلاثة لحصول الفلسطيني على إقامة  في أوروبا

يشير الضميري إلى ثلاث طرق للفلسطيني يحصل من خلالها على حق اللجوء في أي دولةٍ أوروبيّة يأتي إليها، إمّا عن طريق اللجوء السياسي، وهنا لابد من تحقيق شروط اتفاقيّة "فيينا" وإثبات أنّ هناك قمع يرتكب بحقه في بلده أو يتم التضييق عليه بشكلٍ متعمّد، فبإمكانه تقديم طلب كلاجئ سياسي، أمّا الطريقة الثانية فهي السعي للحصول على الإقامة الإنسانيّة، فمثلاً قطاع غزّة يمر بظروف إنسانيّة سيئة إلى جانب مُخيّمات اللاجئين في لبنان وهنا يمكنه أن  يطلب إقامة إنسانيّة، وبإمكان البلد الأوروبي منحه هذه الإقامة، وهناك الطريقة الثالثة التي تميّز الفلسطيني عن بقية شعوب العالم من خلال تقديم طلب يقول فيه: "إنه لا يملك وطناً له، بمعنى أرض ودولة، والفلسطيني يمتلك الأرض ولكن لا يمتلك الدولة"، ويُسمى هذا النوع من طلبات اللجوء "طلب بلا وطن"، وهذا شيء يحصل كثيراً خاصّة في بلجيكا، وهناك من اللاجئين الفلسطينيين قدموا من غزة ولبنان وحصلوا على مثل هذا النوع من الإقامات. 

لماذا بلجيكا؟

من الملاحظ في ظل رفض غالبية الدول الأوروبية لطلبات لجوء الفلسطينيين، يتجه الأعم الأغلب منهم إلى بلجيكا، فماذا تقدّم هذه الدولة دوناً عن غيرها من دول الاتحاد للاجئين؟

 يوضح الضميري أنّ بلجيكا في عام 2010 تبنّت سياسة تسهيل قبول طلبات اللجوء لمن يأتي من لبنان أو من قطاع غزّة، وإذا وصل الفلسطيني إلى بلجيكا كان هناك موافقة سريعة من الممكن أن يحصل عليها اللاجئ الفلسطيني خلال شهورٍ قليلة، وبالتالي يبدأ بترتيب وضعه للسكن في بلجيكا إضافة إلى تمتعه بالحقوق الاجتماعيّة وتوفير دخل مالي له من مؤسسة الضمان، وإلى جانب ذلك ووفق اتفاقيّة "فيينا" بإمكان هذا اللاجئ أن يجلب إلى بلجيكا عائلته من زوجة وأولاد أي "لم الشمل"، وهذا حق مكفول في الدول الأوروبيّة، أي كل لاجئ يتم الموافقة على طلب لجوئه خلال سنة من قبول طلبه يمكنه أن يتقدّم بطلب لجمع شمل عائلته، وهذا له مسار قنصلي لدى دائرة الهجرة للحصول إلى تأشيرة للعائلة من أجل الدخول إلى الأرض البلجيكي، وهذا ما حصل مع الكثيرين من سكّان قطاع غزّة ومخيمات لبنان.

سياسة توزيع الأحمال

ويتساءل الضميري حول هذه التسهيلات وسرعة قبول الطلبات: هل هناك شيء سياسي وراء هذا الأمر؟ ويرجح اعتقاد أن الدول الأوروبيّة لديها سياسة توزيع الأحمال، فتتم توافقات فيما بينهم بشأن قضية اللجوء، والتسهيلات التي ذكرت سابقاً خاصّة في بلجيكا واستمرت منذ العام 2010 وصولاً للعام 2018 الذي شهد تصعيداً تجاه طلبات لجوء الفلسطيني من غزّة، فأصبح طلب اللجوء الذي كان يُرد عليه بالموافقة لصاحبه على اللجوء خلال أشهر يمكث  لدى دائرة الهجرة لأكثر من سنة أو سنتين، وهذا عكس ما كان سابقاً.

وبناءً على معلوماتٍ حصل عليها بوابة اللاجئين الفلسطينيين، فإنّ هناك المئات من طالبي اللجوء وأكثرهم من قطاع غزّة ما زالوا ينتظرون الرد على طلباتهم، وإلى ذلك الحين هم الآن يوجدون في مخيمات للاجئين إلى حين البت في طلباتهم، وتجدر الإشارة إلى أنّ التسهيلات القديمة هي التي شجّعت الآلاف من الفلسطينيين للجوء إلى بلجيكا على وجه الخصوص.

وكشف تقرير صادر عن مجلس العلاقات الدولية - فلسطين، أن أكثر من 60 ألف شاب فلسطيني هاجروا من قطاع غزة على مدار السنوات الماضية بفعل الحصار الصهيوني الجائر والظروف المعيشيّة القاهرة التي دفعتهم للهجرة.

ولفت تقرير المجلس، إلى أنّ العشرات من الشبّان توفوا في الطريق بفعل سياسات الاحتلال الجائرة التي حولت حياة الغزيين إلى جحيم لا يطاق اضطر العديد منهم معها إلى الهجرة بحثاً عن حياة أفضل.

إلى جانب القادمين من غزّة ولبنان، تظاهر مؤخراً العشرات من اللاجئين الفلسطينيين المهجّرين من العراق والمقيمين في السويد، احتجاجاً على حرمانهم من الإقامات القانونية الدائمة في البلاد منذ سنوات، حيث تجمّع العشرات أمام دائرة الهجرة في "فيكخو" وسط البلاد منددين بـ "السياسات التعسفية بحقهم".

أحمد حسين- صحفي فلسطيني

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد