لسنوات طويلة، لم تكن المخيمات الفلسطينية محط الحديث السياسي والإعلامي اللبناني كما هي عليه اليوم.
"نزع سلاح المخيمات"، ثلاث كلمات يمكن أن تختصر جل الخطاب السياسي والإعلامي اللبناني في عام 2025.
فمع التقلبات الكبرى التي تشهدها المنطقة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، أعيد الزج بالمخيمات الفلسطينية والسلاح فيها من أطراف متعددة: الدولة اللبنانية التي تعتبر نزع سلاح المخيمات مقدمة لا بد منها لتحقيق الأمر المفروض عليها من الخارج والمتمثل بنزع سلاح حزب الله. ومن الحزب نفسه، الذي يربط نزع سلاحه بسلاح المخيمات. ومن السلطة الفلسطينية، التي بادرت منفردة ودعت إلى نزع السلاح وبسط الدولة اللبنانية سلطتها الكاملة على المخيمات. وأخيرا من الاحتلال "الإسرائيلي"، الساعي إلى اغتنام فرصة تاريخية والتخلص من هذا السلاح.
في هذا التقرير نرصد حصر الخطابات السياسية والإعلامية اللبنانية في عام 2025 المخيمات الفلسطينية في جانب أمني ضيق دون اكتراث لحيوات مئات آلاف اللاجئين، في إعادة إنتاج خطاب قديم يعود إلى السنين الأولى التي تلت النكبة والتهجير.
كيف ارتسمت العلاقة تاريخياً بين الدولة اللبنانية والمخيم الفلسطيني؟
تاريخيا، وعلى الرغم من تصريحات الرئيس اللبناني، بشارة الخوري، ووزير خارجيته، حميد فرنجية، المرحبة بالفلسطينيين المهجرين قسرا من مدنهم وقراهم في عام 1948، والاستعداد لـ "اقتسام رغيف الخبز معهم"، إلا أن العلاقة بين الدولة اللبنانية والمخيم الفلسطيني ارتسمت منذ البدايات بنظرة لبنانية أمنية بحتة.
لا ينسى الجيل الأول من اللاجئين "المكتب الثاني"، الذي سلط سيوفه على رقاب اللاجئين، حارما إياهم من أبسط الحقوق المعيشية ومتحكما بأدق تفاصيل حياتهم داخل وخارج المخيمات، قبل انتفاضة اللاجئين في عام 1969 التي نتج عنها "اتفاقية القاهرة" وأعطت متنفسا للاجئين، استطاعوا من خلالها إدارة شؤونهم بشكل محدود داخل تلك المخيمات.
خلال الحرب الأهلية، اختفت مخيمات ودمرت أخرى، واستشهد آلاف اللاجئين على يد جيش الاحتلال الإسرائيلي وأطراف يمينية لبنانية، لكن "اتفاقية القاهرة" بقيت هي الناظمة للعلاقة بين الدولة والمخيم. ومع انتهاء الحرب بـ "اتفاق الطائف"، احتفظ الفلسطينيون بسلاحهم داخل المخيمات كضامن للدفاع عن النفس، خصوصا بعد مجازر صبرا وشاتيلا وما تلاها من حرب وحصار مطبق على المخيمات.
في فترة ما بعد الحرب، لم يُسلط الضوء على المخيمات واللاجئين فيها إلا في إطار الأحداث الأمنية وتجارة المخدرات والخارجين عن القانون، دون أي التفات لعشرات آلاف اللاجئين القابعين في فقر مدقع وحرمان وسوء معيشة يتخطى الحدود الإنسانية الدنيا.
يعود التركيز السياسي والإعلامي اللبناني على المخيمات الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة إلى أحداث مخيم نهر البارد المأساوية في عام 2007، الذي جرى اختزاله أيضا بالجانب الأمني البحت، وهو ما يفسر، إلى جانب عوامل أخرى بالطبع، عدم اكتمال عملية إعادة الإعمار حتى يومنا هذا بعد مضي 18 عاما. تلا ذلك الأحداث المتفرقة التي شهدها مخيم عين الحلوة، إن كان لجهة الاشتباكات الداخلية والنزاعات الفصائلية أو لدخول خارجين عن القانون إليه والانعكاسات المباشرة التي شهدها أكبر مخيمات لبنان في ذروة أحداث الثورة السورية.
حتى عندما قام الفلسطينيون بحراكهم ضد وزارة العمل في عام 2019، لم تحظ مطالبة الفلسطينيين بحقوقهم المدنية والإنسانية باهتمام لبناني يُذكر، عدا عن الخوف من انفجار أمني في المخيمات وانعكاساته على لبنان.
الخطاب السياسي – الإعلامي اللبناني في 2025.. إعادة إنتاج خطاب قديم
أعاد الرئيس اللبناني جوزيف عون المخيمات الفلسطينية إلى الواجهة منذ "خطاب القسم" في التاسع من كانون الثاني/يناير، حينما أكد بشكل عام في البداية على "حق الدولة في احتكار حمل السلاح"، ثم حدد بالإشارة إلى اللاجئين الفلسطينيين ورفض التوطين والتمسك بحل الدولتين و "حق الدولة اللبنانية في ممارسة سلطتها على كافة الأراضي اللبنانية ومن ضمنها مخيّمات لجوء الاخوة الفلسطينيين والحفاظ على كرامتهم الإنسانية".
وفي شهر شباط/فبراير، أعاد "البيان الوزاري" لحكومة نواف سلام ما جاء في "خطاب القسم" من رفض التوطين وتأييد حل الدولتين واحتكار السلاح وممارسة السلطة على المخيمات الفلسطينية مع الحفاظ على كرامة الفلسطينيين وحقوقهم الإنسانية.
وتتالت بيانات الحكومة والوزراء والسياسيين اللبنانيين حول السلاح، في غياب كامل لأي خطاب يرتكز على مقاربة إنسانية حقوقية للاجئين.
كانت ذروة الحديث عن سلاح المخيمات مع زيارة رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، إلى لبنان في 21 أيار/مايو، التي تركزت حول تسليم السلاح، مع إشارة عرضية إلى "تحسين الظروف المعيشية للاجئين". وُصفت الزيارة لبنانيًا بـ "التاريخية"، على اعتبار أنها تؤسس لمرحلة ما بعد "اتفاقية القاهرة".
وعلى الرغم من كلام عباس، وتصريحات الوفد المرافق له، برز انقسام حاد بين الفصائل والقوى الفلسطينية، بل حتى بين حركة فتح نفسها، خصوصا بعدما تبين أن التنسيق حول "نزع السلاح" كان غائبا بين السلطة الفلسطينية ومختلف الفصائل.
إعلاميا، تركزت تغطيات أكثرية وسائل الإعلام اللبنانية من جانب أمني بحت، غاب عنها أي ذكر لحقوق اللاجئين المدنية والمعيشية.
على سبيل المثال، لاقى أحد المقاطع للمحلل السياسي اليميني، جوزيف أبو فاضل، خلال مشاركته في البرنامج السياسي الشهير "صار الوقت"، رواجا واسعا على وسائل التواصل الاجتماعي، إذ دعا، كعادته، إلى سحب السلاح ولو بالقوة مشددا على أنه "لا يجوز الحوار بين الدولة والمخيمات الفلسطينية".
وهكذا الحال لمعظم القنوات اللبنانية والصحف الكبرى، كقنوات "mtv" أو "lbc" أو "الجديد"، التي غاب عنها أي تقرير يركز على انعدام الحقوق الأساسية للاجئين، رغم التغطيات المتواصلة المتمركزة حول المخيمات والسلاح والأمن.
ذروة التحريض المباشر ضد المخيمات جاءت مع مقتل الشاب اللبناني إيليو أبو حنا في مخيم شاتيلا في أواخر شهر تشرين الأول/أكتوبر الماضي. وصل التحريض إلى حد الدعوة إلى "تدمير المخيمات على رؤوس ساكنيها"، واستغلت هذه الحادثة المأساوية، رغم الاستنكار الفلسطيني الواسع والمسارعة إلى تسليم المتهمين بالقتل، للتحريض على المخيمات بوصفها "بؤرا خارجة عن القانون" واستعادة خطاب الحرب الأهلية بوصف الفلسطينيين "قتلة" للبنانيين و"إرهابيين" داخل المخيمات والتركيز على "مسيحية" الضحية. (https://www.mtv.com.lb/news/1624016)
يعتبر الصحفي والكاتب الفلسطيني، أحمد الحاج، أن تصاعد الخطاب الإعلامي التحريضي ضد المخيمات جزء من خطاب عام لدى فئة من السياسيين اللبنانيين كـ "مادة ارتزاق سياسي".
ويوضح في حديثه مع "بوابة اللاجئين الفلسطينيين" أن ذلك يعود لأسباب متعددة:
أولا: في العام الأخير تصاعد التشنج بالخطاب اللبناني الداخلي، نتيجة التغيرات الإقليمية وكذلك كجزء من نتائج العدوان "الإسرائيلي" على لبنان، وترك ذلك أثراً على الخطاب الإعلامي ضد الفلسطينيين الموجودين في لبنان، لأن الخطاب لا يمكن أن يكون متشددا في مكان ومعتدلا في مكان آخر، فالتمييز لا يعرف تمييزا، وفق تعبيره.
ثانياً: تسليم السلاح الفلسطيني، والآلية التي تمت به، وغياب الشفافية والوضوح في هذا المسار، بدلا من أن يخفف الاحتقان تجاه الفلسطينيين، على العكس من ذلك أوجد مادة إعلامية للمحرضين، وسلط الضوء على غياب التنظيم لدى الفلسطينيين، وسيطرة الفوضى الأمنية.
ثالثا: في إطار النقد الذاتي، يقول الحاج إن" الإشكالات المسلحة في بعض المخيمات، والتي لها ما يشابهها ويفوقها بالمناطق اللبنانية الأخرى، وغياب الضابط الأمني، دفع باتجاه تصاعد الاتهامات للمخيمات والتجمعات الفلسطينية بأنها بؤر أمنية، وهذا ما يستوجب لدينا كفلسطينيين مزيداً من الوعي والعمل".
وفي هذا السياق، يؤكد الحاج أن القليل من وسائل الإعلام اللبنانية محايد، فيما يتبع الأكثر توجهات ومشاريع، وهو ما سمح بتثبيت خطاب الكراهية كآلية سياسية لتحقيق مآرب محلية أو دولية تستهدف الوضع الفلسطيني في لبنان.
ويضيف: "غني عن القول إن الفلسطيني إذا ارتكب جريمة فيعرّف إعلاميا بصفته الوطنية، أما إذا ارتكب اللبناني جُرما مماثلاً فيُعرّف بالأحرف الأولى من اسمه".
من المستفيد؟
يشير الحاج، الذي يغطي ويكتب عن أوضاع المخيمات، إلى أن المستفيد الأول من الخطاب السياسي والإعلامي اللبناني "من يضمرون للبنان شرا، أو من يقدّمون مصالح شخصية على مصالح وطن. لأنه بالنهاية هذه الكراهية لا بدّ أن تجد ترجمة عملية على الأرض للتنفيس، ولن تبقى حبيسة الصدور، وهنا المخاوف جدية من انفجار الكراهية بكل اتجاه في لبنان".
ويتابع متخوفا: "في ظروف كلبنان، قد تكون الكراهية مادّة مربحة انتخابيا، وقابلة للاستثمار بكل اتجاه، وهنا على العقلاء أن يعوا إلى أين يقودهم الغوغائيون والمستثمرون بالأحقاد وحفر القبور".
ويشدد على أن الخطاب العنصري يضر بالفلسطينيين، إذ يدفعهم إلى التقوقع أكثر داخل حيزهم الجغرافي بصفتهم غير مرغوب بوجودهم، ويضيّق عليهم فرص العمل، ويحدّ من فرص تطورهم الاجتماعي في سياق طبيعي.
وحول دور السلطة الفلسطينية والفصائل، يقسّم الحاج ذلك في عدة مسارات:
الأول: إصلاح البيت الفلسطيني في لبنان بما يساعد في كبح الخطاب العنصري ولو نسبيا.
الثاني: مسار قانوني لملاحقة مثيري الفتنة والعصبيات.
الثالث: مسار حقوقي لتحصيل الحقوق الإنسانية والاجتماعية للفلسطينيين في لبنان بما ينعكس على تحسين واقعهم.
تأصيل قانوني غير سليم يؤسِّس لخطاب تحريضي
إلى ذلك، يشير أستاذ القانون الدولي وحقوق الإنسان، الدكتور محمود الحنفي، إلى أن الخطاب العام تجاه الفلسطينيين في لبنان يستند إلى توجهين يدعم أحدهما الآخر.
ويوضح لبوابة اللاجئين الفلسطينيين أن التوجه الرسمي، يعزز الخطاب الإعلامي، والخطاب الإعلامي بالمقابل، يعزز الخطاب الرسمي، بمعنى أنه عندما تقوم الدولة بتشريع قوانين وإصدار قرارات متعلقة بالفلسطيني ولا تمنحه الشخصية القانونية وتعتبره أجنبيا من نوع خاص، هذا يؤسس لخطاب إعلامي غير سليم، وفق كلامه.
ويشدد على رفض المساس بأمن لا المجتمع اللبناني، ولا حتى المجتمع الفلسطيني، داعيا إلى إجراءات عادلة يغيب فيها التعميم والعقاب الجماعي على اللاجئين الفلسطينيين.
ويضيف: "نحن نريد أن تقوم الدولة بإجراءاتها الأمنية العادية تجاه أي مخل بالأمن، لكن لا يجوز أن تكون هذه الإجراءات تطال كل السكان، وهذا يرتبط بالخطاب أيضا.. يعني إذا ارتكب فلسطيني مخالفة أو ارتكب جريمة، فلأنه شخص وليس لأنه فلسطيني، ولأن هذه الجريمة قد يرتكبها يعني زيد أو عبيد، مواطن أو غير مواطن".
ويربط الحنفي بين التأصيل القانوني للفلسطيني في لبنان من جهة، وهو تأصيل غير سليم كما يقول، وبين الخطاب المرافق له.
ويعتبر أن هذا الخطاب اللبناني تجاه اللاجئين الفلسطينيين تأصل لدرجة يصعب تجاوزها سوى بحوارات كثيفة مدعومة من وكالة "أونروا" والأحزاب السياسية اللبنانية المؤيدة لحقوق اللاجئين، وأطراف دولية داعمة لهم.
ويتابع: "هذا سيساعد في التخفيف من هذه اللهجة، النظرة للفلسطيني نظرة أمنية، ومتهم حتى يثبت العكس".
وفيما يتعلق بالدور الفلسطيني، يقول الحنفي: إن على الفلسطينيين اتخاذ إجراءات مقابلة من ضبط الوضع داخل المخيمات وملاحقة المخلين بالأمن بشكل يمنع المساهمة بالمساس بالأمن اللبناني.
ويستدرك: "نحن لا يجب أن نسمح بالمخلين أو المجرمين بأن يتخذوا من المخيمات ملاذا آمنا، لكن أيضا في المقابل إذا كان هناك مجرم أو اثنين أو عشرة.. هذا لا يعني أن مئتين وخمسين ألف فلسطينيين هم كذلك، نحتاج إلى نظرة عاقلة عقلانية موضوعية تجاه الفلسطينيين"
