شهد مركز لجنة مخيم اليرموك توقيع العقود الرسمية لتسلّم سيارة إسعاف مخصّصة لخدمة أهالي المخيم، في خطوة وُصفت بالضرورية لكنها غير كافية، وذلك بين الجهة المانحة والجمعية الخيرية الفلسطينية، بتنسيق وتعاون مباشر مع لجنة مخيم اليرموك، في ظل واقع صحي يُعد من الأسوأ منذ سنوات، الّا أنّ ذلك سلّط الضوء على ملف الواقع الصحي المتردي في المخيم بعد أن دمّر النظام السابق المستشفيات، دون وجود خطة واضحة لاعادة الحياة للمنظومة الصحية في المخيم بعد التحرير.
الواقع الصحي في المخيم، الذي يفتقر فيه مخيم اليرموك لأي مشفى عاملة داخل حدوده، بعدما دُمّرت البنية الطبية بالكامل على يد النظام السابق، يُجبر السكان على البحث عن العلاج خارج المخيم، وتحمل أعباء التنقل والمسافات والتكاليف.

واقع صحي منهار على آخره
عضو لجنة مخيم اليرموك، باتر تميم، أكد في حديث لبوابة اللاجئين الفلسطينيين، أهمية وجود سيارة إسعاف، باعتبارها حاجة ملحّة في ظل غياب المشافي داخل المخيم، مشيرا إلى أن الحالات الطارئة من أمراض مفاجئة أو إصابات لا تجد وسيلة نقل سريعة وآمنة، ما يعرّض حياة المرضى للخطر.
وأوضح تميم أن سيارة الإسعاف مقدّمة من منظمة أطباء بلا حدود كتبرع للهيئة السورية لحماية المدنيين، التي قامت بدورها بتسليمها إلى مشفى الجمعية الخيرية الفلسطينية، بالتنسيق الكامل مع اللجنة المحلية في المخيم.
وأضاف أن الواقع الطبي في المخيم "سيئ للغاية"، إذ يضطر المرضى إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى مشافي دمشق، وسط ازدحام مروري وسوء في الطرق، الأمر الذي يؤدي في كثير من الأحيان إلى تدهور حالتهم الصحية. وأشار إلى أن مناشدات متكررة وُجّهت لدعم الملف الطبي بعد التحرير وسقوط النظام السابق، دون استجابة تُذكر حتى اليوم.
خدمة مجانية للفئات الأكثر حاجة
من جهته، قال الدكتور حسام عودة، رئيس مجلس إدارة الجمعية الخيرية الفلسطينية: إن استلام سيارة الإسعاف يشكّل خطوة مهمة لخدمة أهالي المخيم، موضحاً أنها جاءت بدعم كامل من منظمة أطباء بلا حدود السويسرية عبر الهيئة الدولية لحماية المدنيين، بعد جهود وتواصل طويلين.
وبيّن عودة أن السيارة ستُخصّص لخدمة المرضى غير القادرين على الوصول إلى المشافي، وذوي الاحتياجات الخاصة، والحالات التي تتطلب نقلاً طبياً أو علاجاً متقدماً غير متوافر داخل المخيم، وأكّد أن الخدمة ستكون مجانية بالكامل، مع تنسيق مباشر مع اللجان الفاعلة لضمان وصولها إلى الفئات التي وُجدت من أجلها.
وفي تشخيصه للواقع الصحي، أشار عودة إلى وجود نقص حاد في العيادات التخصصية، مثل العيون والقلب والأسنان، إضافة إلى غياب الأجهزة الطبية الأساسية كالإيكو والدوبلر وأجهزة التصوير الشعاعي، ما يضطر الأهالي إلى التوجه لدمشق وتحمل مشقة التنقل والكلفة المرتفعة، داعياً إلى دعم المشفى الوحيد العاملة حالياً في المخيم، إلى جانب تزويد الجمعيات الطبية بالأجهزة النوعية.
من "سلة الشفاء" إلى منطقة منكوبة
المدرس المتقاعد عبد الرحمن عودة استعاد صورة مخيم اليرموك قبل الدمار، حين كان يُعد "سلة الغذاء والدواء" للمنطقة الجنوبية، ويخدم أكثر من 16 قرية ومدينة، ويضم أكثر من سبعة مشافٍ وعشرات المخابر والمراكز الصحية.
وأوضح أن مشفى الجمعية الخيرية الفلسطينية تحوّلت خلال الحصار إلى مشفى ميداني، وفقدت معظم كوادرها بين القتل بالقصف والاعتقال على يد النظام السابق. واليوم، وبعد سقوط النظام، يحاول المخيم التعافي، لكنه ما يزال بحاجة إلى مبادرة طبية حقيقية يشارك فيها الأطباء والمسعفون والصيادلة والمخبريون، سواء عبر العمل التطوعي أو بأجور رمزية، في ظل أوضاع معيشية قاسية يعيشها السكان، حيث يضع بعضهم البلاستيك مكان النوافذ، وآخرون يعيشون تحت الشوادر.
ورأى عودة أن وصول سيارة إسعاف خطوة مباركة لكنها غير كافية، فالمخيم يحتاج إلى أكثر من سيارة، وإلى إعادة ترميم مشافٍ ومراكز طبية ما تزال قابلة للتأهيل، مثل مشفى اليمان ومشفى حلاوة، وبعض مراكز منظمة التحرير الفلسطينية التي يمكن تجهيزها بأقسام لغسيل الكلى أو أجهزة تصوير شعاعي.
ووجّه نداءً خاصًا إلى المنظمات الإنسانية، وعلى رأسها أطباء بلا حدود، للنظر إلى مخيم اليرموك بوصفه "غزة ثانية"، وذكّر بسنوات الحصار الطويلة التي عاشها المخيم وما رافقها من مجاعة ووفاة المئات.
وعود باستكمال الدعم
بدوره، أكد الدكتور نور السقاطي، رئيس الهيئة الدولية لحماية المدنيين في هولندا، أن الهيئة تعمل بالتعاون مع الهيئة السورية لحماية المدنيين ومنظمة أطباء بلا حدود السويسرية، وأن التقييمات الميدانية أظهرت حاجة المخيم الماسة لسيارات إسعاف ومستلزمات طبية أساسية.
وأشار إلى أن المرحلة الأولى شهدت تأمين سيارة الإسعاف الحالية، على أن تتبعها سيارات أخرى قريباً، إضافة إلى مستلزمات طبية سيتم توفيرها في المستقبل القريب.

كما لفت إلى أن ما بين 70 و80% من مشافي سوريا بحاجة إلى إعادة ترميم وتأهيل، موضحاً أن بعض المشافي في مخيم اليرموك قد تكون ضمن أولويات العمل القادمة، مع توقع بدء خطوات عملية في الفترة القريبة المقبلة.
وبينما شكّل توقيع العقود وتسليم سيارة الإسعاف في مركز لجنة مخيم اليرموك خطوة عملية طال انتظارها، تجمع شهادات المسؤولين والأهالي على أن هذه المبادرة، رغم أهميتها، تبقى بداية محدودة في مواجهة واقع صحي منهك، يحتاج إلى خطة شاملة لإعادة بناء القطاع الطبي في المخيم، وتأمين حق السكان في العلاج والرعاية الصحية بعد سنوات طويلة من الدمار والحصار.
