يشكّل واقع الطرقات الأساسية داخل مخيم نهر البارد شمالي لبنان، ولا سيما الشارع العام، إحدى أبرز القضايا المعيشية العالقة التي تثقل كاهل الأهالي منذ سنوات طويلة.
فبعد أن كان من المفترض أن يتحوّل هذا الشارع إلى شريان حيوي يسهّل حركة السكان ويجسّد مرحلة ما بعد الإعمار، بات اليوم مصدراً دائماً للمعاناة اليومية، نتيجة الحفر والمطبات العشوائية، وغياب التعبيد الكامل، وسوء تنفيذ البنية التحتية.
في فصل الشتاء، تغرق الشوارع بالمياه والطين، وتختفي الحفر تحت البرك، مهدِّدة سلامة المارة والسائقين، بينما يتحوّل الغبار في الصيف إلى عبء صحي إضافي على الأطفال وكبار السن ومرضى الجهاز التنفسي.
موقع بوابة اللاجئين الفلسطينيين يسلّط الضوء في هذا التقرير، على واقع الشارع العام، وينقل شهادات موسّعة من الأهالي، ويطرح تساؤلات حول أسباب التأخير، والمسؤوليات المتداخلة، وغياب الحلول العملية.
إهمال ممتد منذ سنوات
يؤكد عدد من سكان المخيم لبوابة اللاجئين الفلسطينيين، أن الشارع العام يعاني من الإهمال منذ ست إلى سبع سنوات، إذ لم يُستكمل مشروع تعبيده بشكل نهائي، واقتصر العمل على طبقة أولى سرعان ما تضرّرت، فيما بقيت الطبقة الثانية غائبة حتى اليوم.
اللاجئ الفلسطيني إياد سويدان يصف الشارع بأنه نموذج صارخ للإهمال المزمن، مؤكّدًا أن معاناة الأهالي لم تعد تحتمل المزيد من التسويف.
ويقول: إن الشارع يفتقر إلى أبسط مقومات السلامة، ولا يكاد يخلو متر واحد من حفرة أو مطب أو تكسير، ما يجعل التنقّل اليومي بالغ الصعوبة.
ويضيف: أن ما جرى خلال السنوات الماضية لم يتعدَّ أعمال ترقيع مؤقتة باستخدام الباطون، سرعان ما تتلاشى مع أول تساقط للأمطار، ليعود الوضع بعد كل شتاء أسوأ مما كان عليه، مع ازدياد عمق الحفر واتساعها وبقاء المشكلة الأساسية من دون معالجة حقيقية.

ويفصّل سويدان انعكاسات هذا الواقع على الحياة اليومية، مشيراً إلى أن أصحاب السيارات يدفعون ثمن الأعطال المتكررة يومياً، فيما تتعرّض مركبات "التوكتوك" التي تشكّل مصدر رزق لكثير من العائلات، للاهتراء السريع، أما المصابون بأمراض مزمنة أو مشاكل في الظهر، فتزيد المطبات والحفر من أوجاعهم بشكل يومي. وفي الشتاء تتحوّل الحفر إلى برك كبيرة تخفي تحتها المخاطر، وقد يؤدي أي خطأ بسيط إلى حادث، بينما يتسبّب الغبار المتطاير صيفا بسعال متكرر لدى الأطفال وصعوبات في التنقّل لدى كبار السن.
ويختم سويدان بمطالبته بتعبيد حقيقي وفق المواصفات، لا حلولاً مؤقتة، مؤكداً أن مخيم نهر البارد يستحق بنية تحتية تحفظ كرامة الناس وسلامتهم.
تداعيات مباشرة وغياب للمساءلة
من جهته، يؤكد بشار النصار أن عدم استكمال تعبيد الشارع انعكس سلباً على مختلف تفاصيل الحياة اليومية، موضحاً أن الشارع غير معبّد منذ سنوات، ما أثّر بشكل مباشر على حياة الناس، حيث تتضرّر السيارات باستمرار، وتتأثر المحال التجارية المحاذية للطريق بالغبار والحفر.
ويشير إلى أن الأعمال السابقة لم تُنفّذ وفق الحد الأدنى من المعايير الفنية، إذ إن "الريغارات" (المصارف الصحية) مرتفعة أو مكسورة، ما يشكّل خطراً دائماً على السيارات والمارة.

ويصف النصار المشهد في فصل الشتاء، حيث تطفو "الريغارات" مع أول تساقط للأمطار، وتفيض المياه في الشارع، بما في ذلك "الريغارات" الفرعية، فتتحوّل الطريق إلى مساحة خطرة، ولا سيما في ساعات الليل حين تصبح الحفر غير مرئية. ويضيف أن كثيراً من الأهالي اضطروا إلى تغيير مساراتهم اليومية لتجنّب الحوادث، ما يضاعف وقت التنقّل ويزيد الأعباء الاقتصادية.
كما يلفت النصار إلى غياب المرجعية الواضحة للمساءلة، معتبراً أن المشكلة الكبرى تكمن في عدم معرفة الجهة التي يمكن التوجّه إليها للمطالبة بالحقوق، فلا توجد جهة تتحمّل مسؤولية واضحة، ولا إجابات حول أسباب التأخير أو موعد استكمال المشروع، الأمر الذي ولّد شعوراً واسعاً بالخذلان لدى الأهالي الذين وُعدوا منذ سنوات بتحسين الشارع، ويختم برسالة حازمة يدعو فيها الجهات المعنية إلى التعاطي الجدي والمسؤول مع هذا الملف، معتبراً أن استكمال التعبيد وفق المواصفات حق أساسي، وأن أي تأخير إضافي هو استخفاف بالمعاناة اليومية للناس.
معاناة مستمرة طوال العام
بدوره، يشير أبو عاصم السعدي إلى أن واقع الشارع أصبح مصدر قلق دائم، ليس فقط بسبب سوء التنفيذ، بل نتيجة تراكم المشكلات التي تهدّد سلامة السكان وحركتهم اليومية.
ويقول: إن الشارع مليء بالحفر والمطبات، وتتجمّع فيه المياه الراكدة شتاءً، ما يجعل التنقّل خطراً على الكبار والصغار على حد سواء، فيما تتضرّر السيارات يومياً وتُستنزف أموال الناس في أعمال الصيانة المستمرة بسبب سوء الزفتة وارتفاع "الريغارات."
ويضيف أن المعاناة لا تقتصر على موسم واحد، ففي الشتاء تتحوّل الحفر إلى برك من الطين والمياه تزيد احتمالات الحوادث، بينما يتسبّب الغبار المتطاير صيفًا بمشكلات صحية، خصوصًا للأطفال وكبار السن، لتبقى المعاناة قائمة على مدار العام.
ويؤكد السعدي أن الإهمال لا يعود إلى نقص التمويل فحسب، بل إلى سوء التنفيذ وغياب المتابعة الجادة، معتبرًا أن المشروع نُفّذ بشكل سيئ منذ البداية، بزفتة ضعيفة وغير مطابقة للمواصفات، و"ريغارات" وُضعت بطريقة خاطئة، ما خلق فجوة كبيرة بين الوعود التي قُدّمت للأهالي والواقع الذي يعيشونه اليوم.
اللجنة الشعبية: المال صُرف… والتنفيذ عالق بلا أفق
في المقابل، قدّم عضو اللجنة الشعبية في مخيم نهر البارد، أبو خالد فريجة، قراءة تفصيلية لواقع مشروع تعبيد الشارع العام، مؤكدًا أن المشكلة لا تكمن في التأخير فحسب، بل في سوء التنفيذ وغياب الجودة منذ البداية.
ويقول فريجة لبوابة اللاجئين: إن الأهالي واللجنة الشعبية يتمنّون أحياناً لو أن المشروع لم يُنفّذ بهذه الطريقة، موضحاً أن التكلفة كانت مرتفعة جدًا، لكن التنفيذ جاء دون المستوى المطلوب من حيث الجودة ونظافة العمل. ويشير إلى وجود حفر خطيرة عند مداخل المخيم وفي نقاط أساسية، قد تتسبّب بتدهور أي سيارة تمرّ فوقها.
ويعزو فريجي معظم الأعطال الحالية إلى تنفيذ غير مطابق للمواصفات، لافتًا إلى أن الطبقة الأولى من الزفتة وُضعت بشكل "مغشوش"، ولم تُراعَ فيها الأسس الهندسية السليمة، ما أدّى إلى تفسّخها سريعًا وبروز "الريغارات" بصورة خطيرة.
وعن أسباب عدم استكمال المشروع، يوضح فريجي أن العائق لم يعد مالياً فقط، بل إدارياً بالدرجة الأولى، إذ إن التمويل معروف وقد صُرف، وتم تمديد فترة المشروع أكثر من مرة، إلا أن المتعهد امتنع عن استكمال العمل قبل تسلّم المشروع كاملًا، رغم وجود عقد هندسية كبيرة لم تُحلّ.
ويعبّر عضو اللجنة الشعبية عن استياء واضح من انقطاع التواصل مع الجهات المعنية، مشيراً إلى أن محاولات عقد اجتماعات رسمية أو الحصول على توضيحات لم تُثمر، مع تغيّب بعض المسؤولين عن الاجتماعات وتوقّف آخرين عن الرد، ما أبقى المشروع من دون خطة زمنية واضحة أو التزام بموعد للإنهاء.
ويؤكد فريجة أن هذا الغياب في المتابعة انعكس مباشرة على حياة الناس، حيث تتضرّر السيارات يوميا، ويتعثّر المواطنون في الشارع، وتتوسّع الحفر بدل معالجتها، معتبراً أن الأمر لم يعد مشكلة بسيطة، بل خطراً دائماً يهدّد السلامة العامة.
وفيما يتعلّق بدور وكالة "أونروا" يوضح فريجي أنها غير معنية مباشرة بهذا المشروع، إذ يقع ضمن صلاحيات مجلس الإنماء والإعمار والجهات المموّلة، مؤكداً أن غياب التنسيق والمحاسبة هو ما أبقى المشروع عالقًا حتى اليوم.
فريجة حديثه بنبرة قلق، معتبراً أن المؤلم هو ترك الناس لمصيرهم، من دون مساءلة أو إجابات، فيما يبقى الشارع محفّراً والمشاريع نائمة والتمويل مجمّداً، ليكون اللاجئ وحده من يدفع الثمن يومياً من سلامة سيارته وصحته وأمانه.
