تواجه وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" أزمة مالية جديدة، بعد قرار غير مسبوق أصدره المفوض العام للوكالة فيليب لازاريني صباح اليوم 12 كانون الثاني/يناير، يقضي بتقليص ساعات العمل والرواتب بنسبة 20%، على أن يبدأ تنفيذ القرار اعتباراً من الأول من شباط/فبراير المقبل.
وجاء القرار، الذي أُبلغ به موظفو الوكالة عبر رسالة نصية، بذريعة عدم توفر دول داعمة قادرة على سد العجز المالي، ما أثار حالة من الجدل الواسع في صفوف الموظفين والمؤسسات الفلسطينية، ومخاوف متزايدة لدى اللاجئين من انعكاساته المباشرة على مستوى الخدمات الأساسية.
القرار سياسي وخطير ويمهد لتفكيك أونروا من الداخل
في هذا السياق، طرح موقع بوابة اللاجئين الفلسطينيين جملة من الأسئلة على علي هويدي، المدير العام للهيئة (302 ) للدفاع عن حقوق اللاجئين، حول خطورة رسالة المفوض العام وتداعياتها.
واعتبر هويدي أن ما يجري "استكمال للمجزرة في غزة ولكن بأسلوب آخر، عبر تفكيك الأونروا من الداخل"، واصفاً القرار بأنه "خطير، تعسفي وجائر"، خاصة أنه يتضمن تخفيض ساعات الدوام من 37.5 ساعة أسبوعياً إلى 30 ساعة، إلى جانب خفض 20% من رواتب الموظفين.
وأشار هويدي إلى أن هذا القرار هو الخامس الذي يتخذه المفوض العام منذ بداية عام 2026، بحجة وجود عجز كبير في موازنة "أونروا" ونقص في التمويل، إلا أنه شدد على أن الوكالة واجهت أزمات مالية مماثلة في السابق، ما يؤكد بحسب قوله، أن "القرار سياسي بامتياز وليس مالياً"، ويأتي في إطار محاولة فاشلة سابقاً لتفكيك الأونروا من الخارج، ويجري اليوم استكمالها من الداخل.
ولفت هويدي إلى أن المفوض العام كان قد دعا في عام 2022 إلى توزيع برامج "أونروا" على وكالات أممية أخرى، كما دعا في شباط/ فبراير 2025 إلى نقل الخدمات إلى مؤسسات فلسطينية تمهيداً لنقلها لاحقاً إلى الدولة الفلسطينية، معتبراً أن هذه الطروحات تصب في الاتجاه ذاته.
تراجع الخدمات… خطر مباشر على حياة اللاجئين
وأوضح هويدي أن تقليص 7.5 ساعات عمل أسبوعياً يعني عملياً تراجعاً حاداً في مستوى الخدمات المقدمة، لا سيما في قطاعات الصحة والتعليم، إضافة إلى بقية البرامج الإنسانية، نتيجة عدم قدرة الموظفين على متابعة أعمالهم بالشكل الكامل.
واعتبر أن اللاجئين صاروا اليوم أمام "خطر حقيقي وكارثة إنسانية" تمس حياتهم اليومية، محذراً من أن قرارات المفوض العام، وآخرها قرار اليوم، تنسجم مع الرؤية الاستراتيجية للإدارة الأميركية والكيان المحتل بشأن مستقبل "أونروا".
وأكد هويدي أن هذه السياسات تمثل مقدمة لشطب قضية اللاجئين الفلسطينيين، مشدداً في المقابل على أن "حق العودة لا يمكن المساس به"، لأن وجود فلسطيني مهجّر ومطرود من أرضه يعني بالضرورة أنه لاجئ، وله حق العودة إلى وطنه مهما طال الزمن.
المستفيد المباشر من إضعاف أونروا هو الولايات المتحدة
وحول الجهة المستفيدة من إضعاف الوكالة، أكد هويدي أن المستفيد المباشر هو الإدارة الأميركية، وتحديداً وزير الخارجية "ماركو روبيو"، الذي سبق أن اتهم "أونروا" بأنها "تابعة لحركة حماس"، واعتبر هويدي أن المُدان في قضية اللاجئين الفلسطينيين و "أونروا"هو تقاعس المجتمع الدولي، الذي سمح للوكالة بالاستمرار 76 عاماً من دون تطبيق حق العودة، وهو ما كان سيؤدي تلقائياً إلى إنهاء دور "أونروا".
وأضاف أن هناك استراتيجية واضحة للتخلص من الوكالة في قطاع غزة والضفة الغربية وسائر مناطق عملها، عبر استهداف تدريجي ومنهجي.
الهدف هو الوصول إلى معادلة: لا لجوء .. لا نكبة
وشدد هويدي على أن لا أحد يملك حق إعادة تعريف دور "أونروا" كونها أنشئت بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 302 الصادر في 8 كانون الأول/ديسمبر 1949. واعتبر أن ما يجري هو محاولة للالتفاف على صفة "لاجئ" ضمن رؤية أميركية–صهيونية تهدف إلى التلاعب بالمصطلحات.
وعلى الصعيد اللبناني، أكد أن القوانين المعتمدة تثبت صفة اللاجئ له ولأبنائه وأحفاده.
وقال هويدي: "الهدف الحقيقي هو غسل يد الكيان الصهيوني من جريمة النكبة، والوصول إلى معادلة: لا لجوء، لا نكبة".
وتطرق هويدي إلى قرار حذف اسم فلسطين من خريطة كتاب الجغرافيا للصف السادس الابتدائي في لبنان، معتبراً أن هذه المحاولة فشلت، وأن نتائجها جاءت عكسية، حيث زاد تمسك الطلاب والأهالي بفلسطين وهويتهم الوطنية.
ووجّه رسالة تحذير لإدارة التعليم بضرورة الانتباه وعدم تمرير مثل هذه القضايا، مؤكداً أن ما جرى "ليس خطأ تقنياً أو إدارياً بل فعل مقصود"، سواء من الإدارة المركزية للوكالة أو من الإدارة التعليمية.
وطالب بسحب هذه المادة فوراً وتكريس الهوية الوطنية للطلاب، معتبراً أن ما حدث يتناقض مع اتفاقية حقوق الطفل، ولا سيما المادة 29 التي تنص على تعزيز الانتماء الوطني والهوية. كما رأى أن ما ارتكبته "أونروا" يشكل مخالفة قانونية، متوقعاً مرحلة "صعبة وحساسة" تستدعي التماسك والحذر، سواء داخل الوكالة أو بين المؤسسات، خصوصاً أن بعض الموظفين لا يشملهم التخفيض.
دعوات إلى التصعيد الشعبي والوحدة الفلسطينية
وأكد هويدي أن المرحلة الراهنة تتطلب تصعيداً شعبياً عبر الاعتصامات والتظاهرات، ورفع الصوت إعلامياً لتوضيح حقيقة ما يجري، إلى جانب توجيه رسائل مباشرة إلى صناع القرار. وعلى المستوى الفلسطيني، شدد على أن "وحدتنا قوتنا"، واصفاً ما يحدث بـ"الإعصار" الذي يضرب جميع مناطق وجود اللاجئين وليس لبنان فقط، ودعا إلى التحام فلسطيني واسع، خاصة على مستوى الاتحادات السبعة في مناطق لبنان الخمس، والانخراط في نزاع العمل الذي أعلنت عنه غزة قبل أيام، إضافة إلى التحرك داخل الأمم المتحدة لتشكيل لوبيات ضغط مع الدول الصديقة.
القرار فاجأ الموظفين وخيارات صعبة تلوح في الأفق
من جهته، كشف مصدر خاص في "أونروا" لـ بوابة اللاجئين الفلسطينيين أن قرار المفوض العام كان صادماً لمعظم الموظفين، وأثار حالة من الانزعاج الشديد، خاصة أن التقليص طال الرواتب بنسبة 20%. وأوضح أن موظفاً يتقاضى 1000 دولار شهرياً سيخسر 200 دولار، وهو مبلغ أساسي لتغطية الإيجار والأدوية ومتطلبات المعيشة.
وأشار المصدر إلى أن قيادة التعليم في "أونروا" تعتزم عقد اجتماع موسع مع مديري المدارس والمناطق، لبحث خيارين أحلاهما مرّ: إما اعتماد دوام أربعة أيام مع تقليص الحصص، أو الإبقاء على خمسة أيام مقابل الاستغناء عن عدد من الموظفين.
وأضاف: "نحن أمام مفترق طرق خطير، والخوف مما هو قادم يتزايد"
وحذر المصدر من أن خصم 20% قد يكون بداية لسلسلة اقتطاعات أكبر، تشمل إلغاء الامتيازات والحوافز والبونص، معتبراً أن ما أقدم عليه المفوض العام «أمر بالغ الخطورة» ويجعل الموظفين يشعرون بأنهم الهدف التالي. ولفت إلى أن القرار أعاد إلى الأذهان إجراءات سابقة، مثل استبدال حراس الأمن في عمّان بشركات خاصة، وصولاً إلى تخفيض الرواتب اليوم، وهو ما وصفه الموظفون داخل الوكالة بـ"رصاصة الرحمة".
تقليص الخدمات يفاقم المعاناة الإنسانية
بدوره، أكد حسان السيد، مدير سابق في مدرسة القدس وناشط اجتماعي، في حديث مع بوابة اللاجئين الفلسطينيين، أن قرار تقليص الرواتب بنسبة 20% يشكل خطراً مباشراً على الخدمات، لا سيما الصحية منها، بما في ذلك علاج مرضى السرطان. وأوضح أن ما يجري اليوم هو استكمال لسياسات سابقة في ظل "صمت مريب" من الجهات المعنية، متسائلاً عن دور الاتحادات، وعلى رأسها دائرة اللاجئين الفلسطينيين في منظمة التحرير.
وأشار السيد إلى أن الواقع المعيشي للموظفين لم يعد يحتمل، إذ إن راتب 1200 دولار بات 800 دولار في ظل ارتفاع كلفة المعيشة، لافتاً إلى معاناة عائلات لديها أطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة. كما بيّن أن الأزمة تطال جميع مناطق عمل الأونروا، حيث انخفض عدد الموظفين من نحو 33 ألفاً إلى قرابة 22 ألفاً نتيجة سياسات التقليص والفصل.
وأكد وجود حراك شعبي رافض لهذه القرارات، مشدداً على أن الشعب الفلسطيني "لم يكن يوماً مستسلماً"، ودعا "أونروا" والمجتمع الدولي إلى التراجع الفوري عنها. ولفت إلى أن الأموال التي صُرفت لبناء مساكن لإيواء نازحي مخيمات الجنوب، إضافة إلى الرواتب العالية التي يتقاضاها بعض الأجانب، كفيلة بتغطية رواتب الموظفين.
وختم السيد بالتأكيد على رفض هذه السياسات، داعياً اللاجئين والموظفين إلى عدم الاستسلام والمشاركة في الاعتصامات السلمية، محذراً من أن استمرار هذا النهج سيقود إلى مخاطر أكبر على المجتمع الفلسطيني.
وفي ظل تراكم الأعباء المعيشية على اللاجئين والموظفين، وتراجع خدمات "أونروا" يرى نشطاء ومعنيون أن قرار المفوض العام لا يمكن فصله عن قرار سياسي يستهدف الوكالة، بوصفها الشاهد الدولي الوحيد على نكبة الشعب الفلسطيني. ومع خصم 20% من الرواتب، وغياب أي تراجع عن القرار وسط صمت دولي، يبقى السؤال مفتوحاً: هل ستتحول الأزمة المالية إلى كارثة شاملة تطال جميع اللاجئين الفلسطينيين؟
