تتجدد أزمة الكهرباء في مخيم الجليل بالبقاع اللبناني مع حلول فصل الشتاء من كل عام، في ظل انقطاع التيار وضعف التغذية منذ سنوات، ما يفاقم معاناة اللاجئين الفلسطينيين، ولا سيما مع ازدياد الأحمال على الشبكات القديمة، الأمر الذي أدى إلى انقطاع شبه كامل للكهرباء في عدد من أحياء المخيم وانعكس سلباً على الحياة اليومية للسكان.
وفي متابعة لهذا الملف، التقى موقع بوابة اللاجئين الفلسطينيين باللجان الشعبية وأهالي حيّ المطبخ في المخيم، للوقوف على أسباب الأزمة والجهود المبذولة لمعالجتها.
مشروع تنظيم الشبكة: خلفيات ومعطيات
عضو اللجان الشعبية في مخيم الجليل، سليمان فيومي، أوضح لبوابة اللاجئين الفلسطينيين، أن المشروع الذي نفذته وكالة "أونروا" يندرج ضمن ما يُعرف بمشروع "تحسين المخيمات"، وجاء بعد دراسة مشتركة بين الوكالة واللجان الشعبية وبمشاركة شركة متخصصة في تحسين شبكات الكهرباء، وبيّن أن الخطة شملت إعادة ترتيب الخطوط داخل أحياء المخيم وخارجه للحد من الفوضى القائمة.
وأشار فيومي إلى أن اللجان الشعبية طالبت منذ سبع سنوات بإنشاء محطة كهرباء، وقد جرى تجهيز غرفة مخصصة لها، موضحاً أن أي محطة تفوق قدرتها معدّل 250 KVA لا يمكن تركيبها هوائياً، بل يجب أن تكون داخل غرفة خاصة.
وبالفعل، تم تركيب محطة بقدرة 630 KVA، مقابل الاستغناء عن محطتين: إحداهما أُوقفت كلياً، والأخرى كانت مخصصة أساساً لـ"أونروا" وكان الأهالي يستفيدون منها بشكل مؤقت قبل إعادتها للوكالة.
حيّ المطبخ وتوزيع الأحمال
وبخصوص حيّ المطبخ، أوضح فيومي أنه كان يتغذى سابقاً من محطة تقع أمام المخيم، وهي محطة لا تغذي المخيم فقط بل أحياء لبنانية مجاورة أيضاً. وبسبب الأعطال المتكررة، جرى فصل الخط الذي يغذي الحي وربطه بمحطة داخل المخيم.
وبيّن أن المشكلة الحالية مرتبطة بتوزيع الأحمال، وأن العمل جارٍ على معالجتها تدريجياً. ولفت إلى أن تنفيذ المشروع يواجه صعوبات إضافية مع دخول فصل الشتاء نتيجة زيادة الاستهلاك المرتبط بالتدفئة وتسخين المياه والغسيل.
وأوضح أن التغذية الكهربائية لا تتجاوز ساعتين من أصل 24 ساعة، وفي بعض الأيام تشهد تقطعاً، بينما تكون غالباً ليلاً بعد منتصف الليل ولمدة تقارب أربع ساعات.

خطوة غير مسبوقة لـ "أونروا"
وأكد فيومي أن ما قامت به "أونروا" يُعد خطوة غير مسبوقة، إذ إن الوكالة لا تمتلك وصاية مباشرة على ملف الكهرباء، ولم يسبق لها تنفيذ مشروع من هذا النوع. ولفت إلى أن الهدف الأساسي كان تنظيم التوزيع، خصوصاً الأسلاك العشوائية الممدودة فوق المنازل، لما تشكله من خطر على السلامة العامة.
وأشار إلى أن حارة المطبخ تتغذى حالياً من إحدى محطات المخيم الداخلية، موضحاً أن المخيم يضم ثلاث محطات بقدرة 250 KVA لكل واحدة، أي ما مجموعه 750 KVA، إضافة إلى محطة "أونروا" بقدرة 630 KVA، ليبلغ إجمالي القدرة المتاحة نحو 1380 KVA، وهي قدرة كافية في حال جرى تنظيم الشبكة وضبط التعديات، ما يتطلب تعاوناً كاملاً من الأهالي باعتبار أن القضية مصلحة عامة.
احتجاجات الأهالي ومناطق خارج المشروع
وحول الاحتجاجات التي صدرت عن بعض أهالي حيّ المطبخ، أشار فيومي إلى تباين الآراء بين عائلات تؤكد انتظام التغذية وأخرى تشكو من انقطاعها. ولفت إلى أن نحو 10% من العائلات القاطنة على أطراف المخيم بمحاذاة الطريق العام ما زالت على الشبكة القديمة المشتركة مع الجوار اللبناني، ولم يتمكن المشروع من شمولها حتى الآن.
أما بالنسبة للمغذي القريب من عيادة "أونروا"، فأوضح وجود تضارب في شهادات السكان، حيث يؤكد بعضهم انتظام الكهرباء فيما ينفي آخرون ذلك. وأشار إلى أن هذا المغذي يغطي مساحة واسعة داخل المخيم، وأن العمل جارٍ لتأمين كابل بطول يتراوح بين 120 و130 متراً، بكلفة تقديرية بين 500 و600 دولار، مع التواصل حالياً مع المنظمات و"أونروا" لتأمين التمويل اللازم.
نداء لضبط التعديات
وختم فيومي بدعوة أهالي المخيم إلى الالتزام وضبط التعديات على الشبكة، مؤكداً أن التمويل لإصلاح الأعطال، لا سيما الكبيرة منها، غير متوافر دائماً، وأنه مع مرور الوقت يصبح من الصعب على اللجان الشعبية إيجاد ممولين. وأشار إلى أنه بتاريخ 11 كانون الثاني/يناير 2026، جرت صيانة خارج المخيم بالتعاون مع شبكة الكهرباء، بعد تعطل إحدى المحطات نتيجة اشتداد الرياح.

شهادات من الأهالي
من جهته، قال أبو هيثم، وهو لاجئ يقطن في حيّ المطبخ، إن الكهرباء تصل بشكل طبيعي مع انقطاعات متفرقة، أسوة ببقية أحياء المخيم. وأكد جاره (ف.ح) أن التغذية منتظمة في معظم الأيام، بمعدل نحو أربع ساعات يومياً.
في المقابل، اشتكى أحمد حمدان من انقطاع الكهرباء لديه أكثر من عشر مرات في الساعة، موضحاً أن منطقته القريبة من الطريق العام ما زالت متصلة بالخط الخارجي، ما يحرمهم من تغذية مستقرة. وأضاف: "ننتظر وصول الكهرباء ونطفئ كل شيء في البيت لتتمكن زوجتي من الغسيل أو العمل"، مطالباً بإنصاف هذا الحي أسوة ببقية المخيم. وأيده جاره أبو حسام، الذي أكد أن الخط الذي يتغذى منه لا يوفر كهرباء كافية، ما يزيد من معاناتهم اليومية.
موقف "أونروا"
وبحسب معلومات بوابة اللاجئين الفلسطينيين، فإن مشروع الكهرباء نُفذ ضمن برنامج تحسين المخيم (CIP)، وبالتنسيق مع اللجان الشعبية وبحضور مهندسين مختصين، حيث جرى إنشاء المحطة داخل غرفة خارج المخيم. وأكدت المصادر أن المتعهد غير مسؤول عن بروز بعض الأسلاك الهوائية، نتيجة الالتزام بقوانين الدولة اللبنانية التي فرضت تركيب محطة 630 KVA داخل غرفة مخصصة.
وتبقى أزمة الكهرباء في مخيم الجليل واحدة من أبرز التحديات اليومية التي تواجه اللاجئين، خصوصاً في فصل الشتاء، ما يستدعي استمرار التنسيق بين اللجان الشعبية و"أونروا" وتعزيز تعاون الأهالي لضبط الشبكة والحد من التعديات، بما يضمن توزيعاً أكثر عدالة وحياة أكثر استقراراً لجميع سكان المخيم.
