تمر المخيمات الفلسطينية في لبنان بمرحلة حرجة، تجبر اللاجئين الفلسطينيين على العيش في حال دائمة من القلق والخوف من مصير مجهول، في ظل تراكم الأزمات المتتالية، بدءاً من تقليص الخدمات الأساسية لوكالة "أونروا"، وصولاً إلى تقليص عدد أيام الدوام في العيادات، كأحدث حلقات هذا التدهور المستمر، وليس ختاماً بالمشاكل الفصائلية والتحولات التي فرضتها السلطة في رام الله على قيادات وكوادر الأمن الوطني في المخيم، وكذلك التغيرات في مقاربة الدولة اللبنانية لملف المخيمات الفلسطينية، والذي تجسد بإغلاق مداخل لمخيمات واقتحام أخرى و الطلب باستلام الحواجز على مداخل ثالثة.

ويعترف اللاجئون الفلسطينيون بأن المخيمات تعيش حالة من الفوضى والتخبط في إدارة الأزمات، مع تراجع واضح في دور اللجان الشعبية والفصائل الفلسطينية ووكالة "أونروا" ما ألقى بحمل ثقيل على كاهل اللاجئ الفلسطيني الذي يجد نفسه أمام معاناة مضاعفة.

ويشعر اللاجئون الفلسطينيون بأنهم تركوا وحدهم في مواجهة الأزمات، بدءاً من انقطاع المياه عن المنازل نتيجة تقليص كميات المازوت المشغلة لآبار المياه من 4000 ليتر إلى 2500 ليتر، مروراً بتقليص دوام المدارس والعيادات، ووصولاً إلى الأحداث الأمنية المتنقلة بين المخيمات.

من يهتم بالمخيمات الفلسطينية؟

وأجمع لاجئون فلسطينيون، في مقابلات أجراها موقع بوابة اللاجئين الفلسطينيين، على أن الوضع بات "على كف عفريت" بالتعبير المحلي، في ظل تفشّي الفقر وغياب الحماية الاجتماعية التي كانت متوفرة لعقود طويلة.

وطرح الأهالي أسئلة مصيرية حول مستقبلهم: ماذا لو استمرت "أونروا" في سياسات التقليص؟ من سيحمينا؟ وهل يُعقل أن نموت على أبواب المستشفيات؟ وأين اللجان الشعبية والفصائل من مسؤولياتها تجاهنا؟

وفي تصريح لبوابة اللاجئين الفلسطينيين، أشار الناشط أحمد الشولي إلى أن مخيم برج البراجنة يعيش حالة فوضى غير مسبوقة نتيجة تراكم الأزمات دون حلول فعلية من اللجان أو الفصائل، معتبراً أن التركيز على الاعتصامات في حين يُترك اللاجئ مكتوف اليدين أمام مصيره المجهول، أتاح لـ "أونروا" المضي في تقليصات تمس ركائز أساسية لحياة اللاجئ كالتعليم والطبابة.

وأضاف الشولي: "الحياة داخل المخيم شديدة القسوة. يكفي أن تنظر في وجوه الناس لتدرك حجم الخوف والقلق. نصفنا مريض ومتهالك، والنصف الآخر يركض خلف رغيف الخبز لإطعام أطفاله، فيما يُستهدف أمن المخيمات وتُسحب مقومات الحياة منها".

وأكد أن المياه، شريان الحياة لأي منزل، باتت مهددة يومياً بعد تقليص كميات المازوت التي تقدمها "أونروا" من أجل تشغيل الآبار، محذراً من أن المخيم قد يعيش يوماً بلا مياه وآخر بلا أمن اجتماعي، متسائلاً: "كيف لنا أن نعيش؟ ولماذا نُجبر على التفكير بالهجرة بحثًا عن كرامتنا، لنقع ضحية السماسرة والمهربين"؟

وأوضح الشولي أن اللاجئين فقدوا الكرامة والعيش الكريم، وأن كثيرين يبحثون عن مستقبلهم خارج المخيم، تاركين عائلاتهم خلفهم في ظل إحباط وضياع ينذران بفقدان السيطرة على معظم مقومات الحياة.

هل فشلت الفصائل الفلسطينية في إدارة المخيمات؟

بدوره، أكد الناشط سامر المختار أن قوى التحالف فشلت على مدى 35 عاماً في إدارة المخيمات، مطالباً بتسليم إدارتها إلى منظمة التحرير الفلسطينية. وتساءل: "كيف يمكن إدارة مخيم يضم نحو 50 ألف نسمة فيما تعجزون عن إصلاح بئر مياه معطلة منذ أكثر من عشرة أيام؟" وأضاف أن "أونروا سحبت يدها من دعم وصيانة المنشآت، في وقت تعجز فيه الجهات المسؤولة عن تحمل التكاليف".

وشدد المختار على أن الفساد متغلغل في المخيمات على كل المستويات، مؤكداً أن مصير الشعب الفلسطيني مجهول، وأن الأوضاع الحالية تفوق بمراحل ما كانت عليه سابقاً.

وأضاف أن القرار الأخير لـ "أونروا" بتقليص الخدمات سينتج عنه صرخة اجتماعية وأمنية قادمة، معتبراً أن كبار السن والمرضى والأطفال هم الأكثر تضرراً.

ووصف المختار قرار الوكالة بتقليص الدوام بأنه جائر وظالم، مشيراً إلى أن الحكومة الألمانية، كونها الداعم الأكبر للوكالة بعد توقف التمويل الأميركي منذ ولاية ترامب الأولى، تملي شروطها على الوكالة.

أما اللاجئة فاتن الأزدحمد، من حي الوزاني في مخيم برج البراجنة، فقالت: إن حياتها اليومية أصبحت مليئة بالقلق والخوف نتيجة انقطاع المياه، ما يضطر العائلات لشراء المياه بمبالغ تصل إلى 40 دولاراً أسبوعياً، بينما دخل زوجها محدود يصل إلى 450 دولاراً شهرياً، كاشفة عن صعوبة تغطية الاحتياجات الأساسية من تعليم وطباية ومياه وأمن، متسائلة: "كيف لنا أن نعيش في ظل هذا التخبط؟ وإلى متى سيبقى الخوف يسكن قلوبنا"؟

مخيم شاتيلا فقد الأمن الاجتماعي!

أما مخيم شاتيلا، فلم يكن أفضل حالاً، مع تزايد الأحداث الأمنية المتنقلة التي أثرت على حياة السكان. وذكر الناشط عائد محمد أن المخيم فقد الأمن الاجتماعي الذي كان يميز اسمه كمخيم للشهداء، وأصبح "جزيرة أمنية تحكمها عصابات المخدرات والخارجين عن القانون"، فيما فقدت الفصائل واللجان الشعبية السيطرة على الوضع، وحلت الفوضى مكان التنظيم والخوف والرعب مكان الطمأنينة، مما جعل السكان يشعرون بأن المخيم بات متروكاً للمصير المجهول.

في ظل تراجع دور الجهات الرسمية والفصائلية، واستمرار تقليص الخدمات الأساسية، يعيش سكان المخيمات الفلسطينية في لبنان حالة مستمرة من القلق والفقر والحرمان، حيث تتأثر حياتهم مباشرة بالقيود الإدارية والسياسات التقليصية.

ومع تصاعد المعاناة اليومية، يؤكد اللاجئون أن ضمان حياتهم الكريمة يتطلب تدخلات عاجلة وواضحة، وتفعيل آليات دعم حقيقية تحمي حقهم في التعليم والصحة والمياه، وتمنحهم القدرة على العيش بكرامة واستقرار في مخيماتهم.

بوابة اللاجئين الفلسطينيين

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد