في استقبال شهر رمضان المبارك، اعتادت العائلات الفلسطينية في مخيم عين الحلوة، جنوبي لبنان، على التحضير لـ"مونة رمضان"، ولا سيما الرقائق والكبب وورق العنب وغيرها من المأكولات التراثية التي تشكّل جزءاً أصيلاً من العادات والتقاليد المرتبطة بالشهر الفضيل.
غير أنّ هذه الطقوس بدت هذا العام مهددة بالتراجع أو الغياب لدى شريحة واسعة من العائلات، في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة وارتفاع أسعار المواد الغذائية بشكل غير مسبوق.
فقد شهدت أسعار اللحوم والزيوت والخضار ارتفاعاً ملحوظاً، ما جعل تحضير المأكولات الرمضانية أشبه بترف لا تقوى عليه كثير من الأسر، التي باتت تضع تأمين الاحتياجات الأساسية في مقدمة أولوياتها اليومية.
هذا الواقع انعكس بوضوح في أحاديث الأهالي داخل المخيم لبوابة اللاجئين الفلسطينيين، حيث عبّرت ربات البيوت عن معاناة يومية متصاعدة لتأمين أبسط المستلزمات، في ظل تراجع القدرة الشرائية وغياب أي أفق لتحسّن قريب.
مونة رمضان… عادة مهددة بالغياب
الحاجة طريفة عبد الله تقول: إن تحضير المونة كان في السابق جزءاً أساسياً من الاستعداد للشهر الفضيل، مضيفة: "كنت أجتمع مع بناتي وكنايني ونحضّر كميات تكفينا طوال الشهر، أما اليوم فنعيش كل يوم بيومه. الأسعار ارتفعت كثيراً، خاصة اللحوم، وأصبحت الأولوية لتأمين الحاجات الأساسية".
وتوضح أن مظاهر الفرح التي كانت ترافق رمضان تراجعت هي الأخرى، قائلة: "لم نكن نكتفي بتحضير الطعام، بل كنا نزيّن منازلنا بالفوانيس والأضواء، اليوم حتى هذه حُرمنا منها، فأقل فانوس سعره أربعة دولارات، وهناك أولويات أهم، مثل إيجار المنزل وفاتورة اشتراك الكهرباء"
التمسك بالطقوس رغم القلة
في المقابل، تحاول بعض العائلات التمسك بهذه العادة ولو بكميات محدودة، معتبرة أن مونة رمضان تحمل بُعداً معنوياً يتجاوز الطعام، إذ تعبّر عن روح المشاركة والصمود في مواجهة الأزمات.
السيدة سوزان حسن تشير إلى أنها سعت إلى التحضير ضمن إمكاناتها، قائلة: "قبل أيام حضرت بعض الكبب والرقائق والشيش برك وورق العنب بالخضار، كنت قد اشتريت اللحمة وجمّدتها قبل موجة الغلاء، وبالصدفة وجدت بائعاً يبيع سبع ضمم من الحشائش بمئة ألف ليرة، فاشتريتها واستخدمتها لحشوة ورق العنب"
وتتابع: "ما حضرته لا يكفي سوى لأسبوع إذا قسّمناه بعناية، خاصة أننا عائلة من سبعة أفراد، لكنني على الأقل أشعر بالرضا لأنني حافظت على الطقوس ولو بالحد الأدنى".
بهجة رمضان بوسائل بسيطة
أما السيدة ريهام السعدي، فتؤكد أن الأوضاع المعيشية غيّرت ملامح استقبال رمضان داخل المخيم، قائلة: "كنا نستقبل الشهر بالفرح والخير، أما اليوم فننشغل بتأمين سفرة لأولادنا".
وتوضح أن ارتفاع الأسعار فاقم التفاوت الطبقي بين العائلات، فبينما تستطيع بعض الأسر التموين للشهر الفضيل، تعجز أخرى عن ذلك. وتضيف: "حضّرت كميات قليلة بحسب قدرتنا، زوجي يعمل سائق تاكسي ولدينا طفلان، أحدهما يحتاج إلى نوع خاص من الحليب مرتفع الثمن إضافة إلى الحفاضات، لذلك اكتفيت بتحضير بعض الرقائق والسمبوسك لأن ابني يحبهما، واشتريت زينة وفوانيس من الكرتون لأنها أقل كلفة من تلك المعروضة في السوق، فقط ليشعر طفلي ببهجة رمضان".
المساعدات تتراجع
وتشير السعدي إلى أن كثيراً من العائلات كانت تعتمد خلال رمضان على المساعدات الغذائية، لكنها تراجعت العام الماضي بشكل ملحوظ مقارنة بالسنوات السابقة. وتقول: "كنا نتلقى كراتين مونة تحتوي على أرز وسكر ومعلبات مثل الجبنة والفول والتونة، ونستخدمها للسحور، نتمنى أن تكون التبرعات هذا العام أكبر، لأن أوضاعنا تزداد سوءاً يوماً بعد يوم، خاصة مع تقليصات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين أونروا، التي تزيد من معاناتنا وترفع من أعبائنا المعيشية"
في ظل هذه الظروف القاسية، يبقى شهر رمضان حاضراً في وجدان أهالي مخيم عين الحلوة، رغم ضيق الحال وشح الإمكانات. تحاول العائلات الحفاظ على ما تبقى من طقوسه ولو بالقليل، متمسكة بالأمل بأن تحمل الأيام المقبلة انفراجات تخفف من أعباء الحياة، وتعيد شيئاً من الدفء والكفاية إلى موائد الصائمين.
