المخيمات الفلسطينية في صيدا بين الاغتيالات وأزمات النزوح والتضييقات

الأحد 29 مارس 2026
عملية اغتيال لقيادي فلسطيني وزوجته في مخيم المية ومية شرقي صيدا
عملية اغتيال لقيادي فلسطيني وزوجته في مخيم المية ومية شرقي صيدا

في ظل العدوان "الإسرائيلي" على لبنان وما يرافقه من تصعيد أمني متسارع، تعيش المخيمات الفلسطينية، ولا سيما في مدينة صيدا، واقعاً إنسانياً ومعيشياً بالغ الصعوبة، يتداخل فيه القصف والاستهداف المباشر مع أزمات اقتصادية واجتماعية مزمنة.

ومع تضييق الإجراءات الأمنية، وتراجع الخدمات الأساسية، وتزايد موجات النزوح، يجد اللاجئون الفلسطينيون أنفسهم أمام تحديات متفاقمة تعمّق معاناتهم اليومية وتكشف هشاشة واقعهم.

وفي محاولة لتشخيص هذا الواقع، تتقاطع شهادات ناشطين وممثلين عن فصائل فلسطينية، إلى جانب تحليلات سياسية، لترسم صورة مركّبة للأزمة وتداعياتها على أبناء المخيمات.

ارتقاء مدنيين وأبرياء وملاحقة قيادات فلسطينية

في هذا السياق، قال الصحفي والمحلل السياسي أمين مصطفى لبوابة اللاجئين الفلسطينيين: إن "المخيمات الفلسطينية في لبنان تتعرض حالياً، في أجواء الحرب الدائرة من قبل العدو الصهيوني، لعمليات قصف وغارات تؤدي إلى سقوط أطفال ومدنيين أبرياء، تحت ذرائع وحجج واهية"، مشيراً إلى أن "ما حدث خلال قصف الملاعب والأندية ومنازل المدنيين الآمنين يشكل دليلاً واضحاً على ذلك، إذ تهدف هذه الممارسات الإرهابية إلى قتل أكبر عدد ممكن من أبناء الشعب الفلسطيني ودفعهم نحو هجرات جديدة".

وأضاف مصطفى أن "العدو يعمل جاهداً لملاحقة قيادات فلسطينية بارزة بهدف إضعاف المقاومة الفلسطينية أو الضغط عليها أو محاولة النيل من الروح المعنوية لديها"، مؤكداً أن "كل هذه السياسات لم تضعف الشعب الفلسطيني، بل زادته تماسكاً وعزيمة على الثبات، واضعين نصب أعينهم أن هذه المرحلة العصيبة لا بد أن تنقشع".

أزمات معيشية وإجراءات خانقة

وأكد مصطفى أن هذه الاعتداءات المتكررة أدت إلى أزمات جديدة لدى اللاجئ الفلسطيني، الذي يعيش أساساً واقعاً مأساوياً متعدد الأبعاد، منها الاقتصادية والبطالة ومشاكل الرعاية الصحية وتصدع المنازل وتوقف أعمال الترميم، فضلاً عن غياب الخدمات الأساسية، خاصة من قبل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا".

وأضاف: "يرافق هذا الواقع المرير إجراءات قاسية عند مداخل المخيمات، ما يعيق حركة الأهالي في الدخول والخروج ويؤدي إلى شلل في التنقل والحركة التجارية ويزيد من التوترات"، مشيراً إلى أن "العديد من المحاولات للتواصل مع الجهات الرسمية لتخفيف هذه الإجراءات، ومراعاة الظروف الإنسانية، لم تحقق أي نتائج إيجابية".

تشديد الاجراءات الأمنية عند مداخل المخيمات.jpeg
تشديد الإجراءات الأمنية على حواجز المخيمات - صيدا 

نزوح متفاقم وتقصير فصائلي

وفي ما يتعلق بأزمة النزوح، أوضح مصطفى أن "الحرب وتداعياتها فرضت أثقالاً جديدة على أسر المخيمات، ففي ظل التهديدات والإنذارات بالإخلاء اضطرت العائلات لترك منازلها بحثاً عن مأوى"، لافتاً إلى أن "بعض العائلات تشردت في الشوارع وعلى شاطئ البحر بعد أن عجزت أماكن الإيواء عن استيعاب العدد الكبير من النازحين"، مضيفاً أن "اللاجئ الفلسطيني في مخيمات صيدا يعيش في دوامة حياة غير مستقرة ومعقدة، شأنه شأن بقية أبناء شعبه في مخيمات اللجوء في لبنان".

وفي السياق ذاته، أكد عمار حوران، مسؤول العلاقات بمنطقة صيدا في حركة الجهاد الإسلامي، أن "هناك تقصيراً واضحاً من قبل الفصائل، رغم وجود بعض المبادرات المحدودة كإنشاء مطابخ لتقديم المساعدات"، مشدداً على أن "غياب خطة طوارئ شاملة ومنسقة بين جميع الجهات المعنية فاقم من معاناة النازحين، في وقت يسجل فيه تقصير كبير أيضاً من قبل أونروا"

وأضاف حوران: "نحن ضمن دائرة الاستهداف، حتى في غياب الحرب، إذ لا يزال كثيرون يتمنون زوال المخيمات، أما التشديد عند الحواجز فلا يبدو ذا جدوى حقيقية، رغم أننا شهدنا في الآونة الأخيرة إقامة حواجز جديدة عند مداخل الجنوب".

تراجع خدمات "أونروا" وضغط متزايد

من جانبه، قال مسؤول الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في صيدا، أبو ياسين: إن "الوضع داخل مخيمات صيدا يوصف بالصعب، سواء من ناحية المساحة الجغرافية الضيقة التي تضم أعداداً كبيرة من أبناء شعبنا، أو من حيث الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المتردية، في ظل غياب فرص العمل حتى قبل اندلاع الحرب الحالية".

وأضاف: إن الأزمة تفاقمت بشكل كبير مع تراجع تقديمات وكالة "أونروا"، وتزايد الضغوط نتيجة نزوح العديد من أبناء مخيمات الجنوب، في وقت تفتقر فيه الوكالة إلى خطة طوارئ واضحة، بالتوازي مع توقف الأعمال والأشغال بفعل الحرب.

نزوح في صيدا.jpeg
نزوح كثيف من وإلى صيدا

وأشار إلى أن "تشديد الإجراءات عند مداخل المخيمات من قبل الدولة اللبنانية يعيق حركة السكان ويؤثر بشكل مباشر على حياتهم اليومية"، لافتاً إلى أن "موجات النزوح الأخيرة زادت من حجم الأعباء على مختلف المستويات".

وأكد أبو ياسين أن "الفصائل الفلسطينية، رغم إمكانياتها المحدودة، تسعى إلى الوقوف إلى جانب أبناء شعبها النازحين والتخفيف من معاناتهم"، كاشفاً أنه "سيتم إطلاق مبادرة لتشغيل مطبخ ميداني يقدم نحو 500 وجبة ساخنة يومياً دعماً للنازحين".

أبعاد سياسية وتراجع الحماية

بدوره، قال الناشط الفلسطيني سامر بجيرمي: إن "تزامن الاغتيالات الإسرائيلية مع تشديد الإجراءات الأمنية حول المخيمات هي حالة لا تنفصل عن الواقع اللبناني ما قبل اندلاع المواجهة الأخيرة مع العدو الإسرائيلي"، موضحاً أن الاحتلال "عمد إلى تفعيل سياسات الاغتيالات في الجنوب والكثير من المناطق اللبنانية، رغم زعمه بالتزامه بوقف إطلاق النار، ضارباً بعرض الحائط الجهود التي بذلتها الدولة اللبنانية في سياق تثبيت بنود الاتفاق".

وأضاف أن "تفعيل سياسة الاغتيالات في هذه الفترة تحديداً هدفه ربط مسار الجبهة في لبنان بمسارات سياسية أخرى تعني الفلسطينيين بشكل خاص، ولو من باب عنوان المواجهة مع المقاومة اللبنانية"، مشيراً إلى أن "التعامل مع المخيمات الفلسطينية في الكثير من الأروقة السياسية اللبنانية والدولية يأتي على أنها جزء من القرار 1701 من حيث بسط سلطة الدولة وحصرية السلاح، وهو ما يتحفظ عليه عموم الفلسطينيين دون ضمانات محددة تفضي إلى الإقرار بحقوقهم الوطنية المشروعة، ومن بينها حقهم المقدس في العودة وتقرير المصير".

غارة على مشاريع الهبة - صيدا.jpeg
من العدوان "الإسرائيلي" على فلسطينيين ولبنانيين في مشاريع الهبة - صيدا

كما أكد بجيرمي أن "غياب دور المرجعيات الفلسطينية ووكالة أونروا، خاصة في سياق أزمة التهديدات الإسرائيلية وموجات النزوح، أدى إلى تراجع الحماية الاجتماعية والخدمات، ما قد يفرض تداعيات أمنية واقتصادية حادة، ويزيد من خطر امتداد الاضطرابات إلى الجوار، في ظل غياب قناة اتصال ندية مع الدولة المضيفة".

وفي ما يتعلق بتعامل العائلات مع القيود، أوضح أن "العائلات لا تزال تراعي بالدرجة الأولى الحفاظ على العلاقة الفلسطينية – اللبنانية، وعدم الانجرار إلى صدام أو مواجهة مع القوى الرسمية اللبنانية، رغم الآثار السلبية المترتبة على تلك الإجراءات".

وأشار إلى أن "العائلات في المخيمات تحاول سد الفراغ عبر جهود ذاتية من خلال التكافل والتعاضد، ما قد يساهم نسبياً في الحد من الأزمة، لكنه لا يعوّض دور الجهات الفاعلة والمسؤولة."

وتعكس هذه الشهادات واقعاً إنسانياً شديد الهشاشة داخل مخيمات صيدا، في ظل تداخل القصف والنزوح وتراجع الخدمات، ما يبرز الحاجة الملحة إلى خطط طوارئ متكاملة تضمن الحماية والاستجابة الفاعلة للاجئين الفلسطينيين، في مواجهة أزمة تتفاقم يوماً بعد يوم.

بوابة اللاجئين الفلسطينيين

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد