لا تمرّ ذكرى يوم الأرض الفلسطيني كحدث عابر في مخيم الجليل بالبقاع اللبناني، كما في معظم مخيمات الشتات، بل تتجدد بوصفها عنواناً للصمود وحكاية حيّة تتناقلها الأجيال من الآباء إلى الأبناء والأحفاد، لتؤكد أن الأرض ما زالت راسخة في الوجدان الفلسطيني، رغم عقود اللجوء وتكرار النزوح.

وفي ظل التوترات الأمنية التي يشهدها لبنان، وما رافقها من موجات نزوح جديدة، تكتسب هذه الذكرى أبعاداً أعمق، إذ لم تعد مجرد محطة تاريخية، بل واقعاً يومياً يعيشه اللاجئون الفلسطينيون في الشتات، حيث يمتزج الألم بالتمسك بالهوية والحقوق.

وجال موقع بوابة اللاجئين الفلسطينيين داخل المخيم، مستطلعاً آراء اللاجئين والنازحين حول دلالات يوم الأرض ومعانيه في ظل الظروف الراهنة التي تعيد إنتاج تجربة التهجير.

من الأب إلى الابنة… ذاكرة متوارثة

تقول اللاجئة الفلسطينية فاطمة الزقطة إن الأرض تمثل الكرامة التي يتمسك بها الإنسان، مؤكدة أن هذه الذكرى تعزز ارتباطهم بها، خاصة في ظل ما تعرض له الفلسطينيون في مدينتي سخنين وعرابة عام 1976.

وتستعيد الزقطة ذكرياتها مع والدها، الذي كان يصطحبها إلى المسيرات قبل استشهاده خلال الاجتياح، حيث كانت ترفع علم فلسطين إلى جانبه، مشيرة إلى أنه زرع في قلبها وإخوتها حب الوطن منذ الصغر. وتضيف أنها لا تزال تتذكر الاحتفالات التي كانت تُقام في المخيم، حين كان الناس يحملون الصور، ويحيون هذه الذكرى.

وتوجّه رسالة إلى الأجيال القادمة تدعوهم فيها إلى عدم نسيان "الأرض المغتصبة"، معبرة عن إيمانها بأنها "ستتحرر يوماً ما".

البوصلة في وجدان الشباب

أما الشاب حسين العبد، فيرى أن يوم الأرض ليس مجرد تاريخ على الروزنامة، بل هو البوصلة التي تحدد اتجاه الهوية والانتماء. ويقول إن الحياة داخل المخيم، رغم ضيقها، تعزز هذا الإدراك: "هنا، بين هذه الجدران الضيقة، ندرك أن الأرض هي الكرامة، وأن جذورنا ستبقى ضاربة في العمق مهما طال الزمن".

ويصف المخيم بأنه "محطة مؤقتة"، مؤكداً أن الأرض ستعود إلى أصحابها الأصليين، مشيراً إلى أن الاهتمام بشوارع المخيم وبيوته، رغم ضيق مساحته، يعكس روح الثبات والتمسك بالانتماء.

ويختم العبد برسالة موجهة إلى الشباب: "الأرض ليست مجرد تراب، بل هي هويتنا ووجودنا. والانتماء يبدأ من الحارة، ومن أمام باب المنزل. من لا يحافظ على مكانه اليوم، لا يستطيع أن يصون حقه غداً".
 

النزوح… يعمّق التعلّق بالأرض

بالنسبة للاجئ الفلسطيني النازح (ع.ه)، فقد غيّرت الحرب مجرى حياته، وفرضت عليه واقعاً من الخوف وعدم الاستقرار، لكنها في الوقت ذاته عمّقت ارتباطه بالأرض. ويقول: "الإنسان عندما يُحرم من شيء، يشعر بقيمته أكثر".

ويشير إلى أن يوم الأرض بات يحمل بالنسبة له معنى أعمق، إذ لم يعد مجرد ذكرى، بل تذكيراً دائماً بالحق، خاصة في ظل النزوح والظروف الصعبة. ويؤكد أن عائلته تحافظ على هذا الارتباط من خلال استذكار قريتهم لوبية وتعليم الأطفال حب الأرض والانتماء لها.

ويصف أصعب ما يواجهه اليوم بفقدان الأمان وصعوبة تأمين أبسط مقومات الحياة، مضيفاً: "كنا نعيش في بيتنا، لكن اضطررنا للنزوح إلى أقاربنا في المخيم لأن محيطنا أصبح خطراً"، متسائلاً إن كانت حياته ستبقى سلسلة من التهجير المستمر.

ويختم بالتأكيد أن يوم الأرض رسالة للعالم عن معاناة الفلسطينيين وتمسكهم بحقهم رغم النزوح.

محطة تاريخية تتجدد في زمن الحرب

من جانبه، يؤكد الباحث في تاريخ فلسطين الحديث والمعاصر، الدكتور أحمد عيسى، أن يوم الأرض يشكّل محطة تاريخية مفصلية في حياة الشعب الفلسطيني، تأسست على تضحيات جسيمة في مواجهة سياسات المصادرة عام 1976.

ويشير إلى أن هذا اليوم شكّل لحظة نادرة من وحدة الفلسطينيين في الجليل والمثلث والنقب، في مواجهة محاولات محو الهوية والسيطرة على الأرض، ما جعله جزءاً من الوعي الوطني الجمعي.

ويضيف أن أهمية يوم الأرض تتعاظم اليوم في ظل الحرب المستمرة، حيث يعكس الواقع الحالي أن جوهر الصراع ما يزال يدور حول الأرض والهوية والوجود، مشدداً على أن هذه الذكرى تمثل فرصة لإعادة قراءة الواقع الفلسطيني، والتأكيد على أن الأرض ليست مجرد مساحة جغرافية، بل عنوان الكرامة والحقوق.

ويرى عيسى أن يوم الأرض يمكن أن يتحول إلى منصة دولية لإعادة طرح القضية الفلسطينية، من خلال حملات إعلامية رقمية توثق واقع التهجير والاستيطان، وتنظيم فعاليات ثقافية وتعليمية تعزز وعي الأجيال، إضافة إلى استخدام أدوات القانون الدولي لشرح الحقوق الفلسطينية وربطها بالسياق العالمي لحقوق الإنسان.

من ذكرى إلى تجربة يومية

ويؤكد عيسى أن الحرب أعادت تعريف رمزية يوم الأرض داخل المخيمات، حيث يعيش اللاجئون تجربة التهجير للمرة الثانية والثالثة، ما يجعل هذه الذكرى تنبع من الذاكرة الشخصية لا الوطنية فقط.

ويضيف أن يوم الأرض لم يعد مجرد مناسبة، بل "مرآة يومية" تعكس فقدان المنازل وضيق المساحات وتكرار النكبة، ما يمنحه بعداً جديداً بوصفه فعلاً من أفعال "المقاومة الوجودية".

ويختم بالتأكيد على دور الشباب في إبقاء هذه الذكرى حيّة، عبر توظيف الفن البصري والرسم الجداري والإنتاج السينمائي والرقمي، لتحويلها إلى مساحة للإبداع والاحتجاج السلمي.

ففي مخيم الجليل، تتجاوز ذكرى يوم الأرض حدود التاريخ لتتحول إلى عهد يتجدد كل عام، تبقى فيه الأرض حاضرة في الذاكرة والوجدان كحق لا ينسى وهوية لا تمحى.

ورغم تكرار حكايات النزوح، يؤكد اللاجئون الفلسطينيون أن الأرض تبقى أوسع من كل المسافات، وأن الحكاية لم تنتهِ بعد، وأن العودة، مهما طال الزمن، ستبقى ممكنة.

بوابة اللاجئين الفلسطينيين

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد