الإثنين 16 ديسمبر 2019
مقال: إجراءات وزارة العمل بحق اللاجئين الفلسطينيين .. ذهنية لبنانية تستجر الكوارث
من احتجاجات مخيّم عين الحلوة ضد إجراءات وزارة العمل " كاميرا بوابة اللاجئين"
مقالات | 2019-07-16 | خاص _ بوابة اللاجئين الفلسطينيين

الوليد يحيى 

دائماً ما يُمتدح الثبات على المبادئ، الّا أنّ بعض الثبات إثماً وعدواناً يطال مرتكبيه من أنفسهم، خصوصاً إذا كان ثباتاً عِنَديّاً، على ذهنيّة جرّ تعاطيها مع القضايا والموضوعات السياسية والاجتماعيّة في بلدها، أزمات وكوارث ما تزال آثارها لم تنجل رغم مضي سنوات طوال على انتهائها.

إنّهُ "اليمين" اللبناني"، الذي لا يعرف من الثبات سوى العناد، ولا يفقه من المبادئ والأصول الدولتيّة، سوى ما يتنطّع به من شعارات الحفاظ على الخصوصيّة والكيانيّة اللبنانية، من "بعابع" لا يكف عن تخيّلها وتصويرها كعثرة أمام انبلاج "مدينته الفاضلة"، حتّى صار ذلك جلّ مبدئه في تعاطيه مع أزمات بلاده، دون تغيّر يذكر أو مراجعات يُعتد بها.

 لبنان المشتهى الذي يحول اللاجئين الفلسطينين، ومؤخّراً السوريّين دون أن يكون حرّاً سيّداً مستقلّاً مرفهّاً، وفق خطاب مستهلك، خبر هذا البلد الصغير في مساحته والكبير في محتواه، تهافت مفرداته، وهو الذي منذ تشكله قبل مئة عام، يصارع أزمات خدميّة واقتصاديّة وأهليّة، بعضها ممتد منذ ما قبل استقراره ضمن حدوده السياسية الراهنة، وقبل توافد اللاجئين الفلسطينيين وسواهم.

ذهنيّة لا تجيد التعاطي الدولتي مع أزمات بلدها، ولا تتقن سوى التمتمرس كمقاتل قبلي، خلف بندقيّته المتهالكة، يتغنّى بغزواته ويحلم بإعادتها، ويجد منافذ مؤسسية و قانونيّة لاستكمالها بعد وقف إطلاق النار.

 هكذا يتمظهر وزير العمل اللبناني ومفتشوه، كجنود منتشين بغزواتهم على عمّال لاجئين، ومؤسسات ومحال تجاريّة تعود ملكيّتها للاجئين فلسطينيين، خلص معاليه إلى أنّها سببٌ في تفشّي البطالة بين أبناء بلده، فشملها في إجراءاته التي طالت من لا مصادر عيش لهم في بلد يحرمهم من شتّى صنوفه ومن أيّة حقوق مدنية واجتماعيّة، في التملّك وسواه، ويحوّل مخيّماتهم إلى معتقلات مسيّجة بالجدران العازلة، ليلاحقهم في قطع آخر حبل يوازن معيشتهم بين فقر الحال وهاويّة القهر الاجتماعي المطلق.

غزوة تستهدف آخر نقطة توازن مائلة أساساً لصالح الإفقار، عمّال وكسبة في ورشة هنا أو مطعم هناك، أو صاحب دكّان أو مؤسسة، تشكّل مصدر دخل تحمي عشرات الأسر في مخيّمات اللاجئين الفلسطينيين من الجوع.

دفعٌ بآلاف اللاجئين الفلسطينيين في مخيّمات لبنان إلى ما دون الحضيض، إلى نقطة اللاخيّار سوى الانفجار، لتشهد مخيّمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان منذ الإثنين 15 تموز/ يوليو، تحرّكات شعبيّة غاضبة، بعد إغلاق العديد من المحال وطرد العديد من العمّال بدعوى عدم حصولهم على إجازة عمل وفق القانون اللبناني، كبداية ليست مرشحة لشيء آخر سوى التصعيد.

ماذا يريد اليمين اللبناني، الذي لم ينفك بعد من ذهنيّة الحرب والغزوات، من ذهنيّة الرهاب المذهبي والديمغرافي، ماذا يريد لبنان بكل شرائحه السياسيّة، التي تعجز بمجملها عن إنتاج مقاربة قانونية وحقوقية، تقي البلد من شرّ أزمات بغنىً عنها، ولا يؤدي التعامل الراهن معها سوى لإعادة إنتاج مشهديّات ولّت، يهرب منها اللاجئ الفلسطيني قبل سواه، غير مطالباً بشيء سوى حقّه الإنساني في العمل والإنتاج، وأن يكون جزءاً معترفاً به في الفاعليّة الاقتصاديّة والمجتمعيّة، في حالة خلّاقة يستفيد منها الجميع.

لم تخبرنا يوماً تلك الذهنيّة اللبنانية، التي باتت ناظماً لعمل المؤسسة الحكوميّة اللبنانية على تبايناتها، والتي لا ترى باللاجئين سوى عنصراً معادياً لها، عن أيّة حلول جديّة لواقع اللاجئين الفلسطينيين الاقتصادي والحقوقي، في مقاربة تليق بدولة قائمة منذ مئة عام، وهي تدرك تمام الإدراك أنّ لا حلَّ خلاصيّاً منهم على المدى المنظور، يرضي اللاجئين أوّلاً قبل إرضائها هي، بشكل يبدد هواجسها الوجوديّة المتخيّلة، ورُهابها من حالة تكرّست أصلاً في صفة اللجوء بكل ما تتضمّنه من ثوابت قانونية دوليّة ومحليّة.. حالة ترفض أساساً التوطين، وفي أقصى حالات قرفها تطالب بالهجرة من كانتوناتها اللبنانية غير الصالحة لمعيشة البشر.

من سيستفيد في لبنان، من تحويل فاعليّة اللاجئين الفلسطينيين المهمشّة والمستلبة، إلى قنبلة اجتماعيّة، خبر الجميع انفجارها سابقاً، إبان حقبة التعاطي الأمني الخانق عبر المكتب الثاني في خمسينيات وستينيات القرن الفائت، والتي أدّت إلى انتفاضة المخيّمات، في حين تعيد تلك الذهنيّة إنتاج ذاتها، عبر ممارسات الخنق الاقتصادي.

ثبات ذهني وسياسي لا يتزحزح منذ خمسينيات القرن الفائت، يعود ليضرب من جديد، معززاً بقوى طالما ادعت وقوفها مع فلسطين، ذهنيّة عاجزة عن حلّ أزمات مجتمعاتها المحليّة، لا تجيد سوى استخدام أدوات القهر، والمقاربات الفاشلة، وتصدير الأزمات، وليس المطلوب من القابعين تحت أقسى صنوف القهر الاجتماعي التعقّل في ممارسة خيارهم الأوحد، فليس للمقهور سوى الصراخ والانفجار في نهاية المطاف، أو تراجع المقاتل القبلي عن ثباته !.

 

 

 

 

منشورة في زاوية
رابط مختصر
الأخبار المرتبطة
أكثر الأخبار قراءة
آخر الأخبار المضافة