الأربعاء 18 سبتمبر 2019
المرحلة الانتقالية
مع غياب قيادة جماهيرية قوية تنتقل السلطة في المناطق الفلسطينية إلى أيدي العصابات المتحاربة

عربي ودولي | 2016-09-05 | صحيفة القدس العربي

انضم في هذا الأسبوع رئيس الموساد السابق، تمير بردو، إلى قائمة خريجي الأجهزة الأمنية التي تدير ظهرها من اليسار للحكومة وللمجتمع الإسرائيلي. وحسب اقوال بردو، فإن التهديد الوجودي الذي يواجه إسرائيل في هذه الاثناء، ليس خارجيا، من إيران أو أي دولة اخرى، بل هو تهديد داخلي. «اذا تجاوز المجتمع المنقسم خطا معينا فقد يصل إلى مظاهر مثل الحرب الأهلية في الحالة المتطرفة»، قال، «أخشى أننا نسير في هذا الاتجاه».
اقوال بردو كانت هامة، لا سيما على ضوء حقيقة أنه قبل يومين من تقليله لأهمية التهديدات الخارجية، قدم التلفزيون الرسمي في إيران صورا لصواريخ اس.300 الروسية الجديدة التي وصلت مؤخرا ووضعت حول مفاعل تخصيب اليورانيوم في فوردو. هذا هو المفاعل المشتبه بأنه مخصص لمشروع إيران العسكري النووي، كان من المفروض تحييده في فترة الاتفاق النووي مع براك اوباما. واضافة إلى ذلك، بعد تصريح بردو بيوم، قالت صحيفة «ديلي ميل» إنه حسب منظمة إيرانية معارضة، فإنه يتواجد في سوريا اليوم 60 ألف جندي تسيطر عليهم إيران. هذا مقابل ادعاءات رسمية تتحدث عن 16 ألف جندي فقط.
بردو استمر في حديثه وتحدث عن المسألة الفلسطينية. «رئيس الحكومة قال إنه بين النهر والبحر ستكون دولتان، وهو على حق»، هذا ما زعمه. كيف سيكون ذلك؟ ليس حسب الجمهور الإسرائيلي، وليس حسب الجمهور الفلسطيني. في الاسبوع الماضي نشر المعهد الإسرائيلي للديمقراطية مع المركز الفلسطيني للسياسة والرأي العام، نتيجة الاستطلاع المشترك حول مستوى تأييد المجتمعين لحل الدولتين.
طرحت على المستطلعين الصيغة: دولة فلسطينية في غزة وفي اغلبية يهودا والسامرة وتبادل للاراضي وتقسيم القدس ودخول نحو 100 ألف فلسطيني كـ «سكان عائدين» إلى إسرائيل. وحسب الاستطلاع، فقط 46 في المئة من الإسرائيليين و39 في المئة من الفلسطينيين يؤيدون هذه الصيغة، الامر الذي يعني أن من هو على يقين من الصيغة السحرية، نسي الجمهور الذي يعيش فيها.
وفيما يتعلق بالإسرائيليين، واضح منذ زمن أن هؤلاء الـ 46 في المئة سيتحولون إلى اغلبية بسيطة، إذا آمنوا أن هناك رغبة لدى الطرف الثاني في العيش معنا بشكل حقيقي. وفي الطرف الفلسطيني الأمر مختلف.
بعد نحو خمسة أسابيع ستجري الانتخابات المحلية في السلطة الفلسطينية. وخلافا للانتخابات التي جرت قبل اربع سنوات، فإن حماس شكلت قوائمها. الاعتقاد في الميدان هو أن المرشحين من حماس سينتصرون ويسيطرون على السلطة في معظم المدن الكبيرة. إن توقع فوز حماس يؤثر على اللاعبين في الميدان. فمنذ بضعة اشهر تعيش نابلس «فوضى مطلقة»، كما قال بنحاس عنبري، الباحث في مركز القدس لشؤون الجمهور والدولة. الصحافي الفلسطيني خالد أبو طعمة يعتقد أن رجال فتح في هذه الأيام يشكلون تهديدا كبيرا على سلطة أبو مازن وعلى السلطة الفلسطينية أكثر من تهديد حماس.
منذ شهر حزيران ورجال فتح في نابلس يديرون معارك في الشوارع مع قوات أبو مازن، وهذا ينبع من صراعات مالية وصراعات سيطرة. قبل اسبوع ونصف قتل بالضرب في سجن السلطة في نابلس أحمد حلاوة، وهو ضابط أمن سابق وعضو في فتح. وحسب اقوال أبو طعمة السبب هو أن حلاوة أخذ خاوة من سكان نابلس في الأماكن التي طلبت فيها قوات السلطة دفع «الكفارة».
إن تلك العصابات المحلية التي تنافس السلطة على المال والسيطرة، يتوقع أن تنقل ولاءها من فتح إلى حماس بشكل فوري تقريبا، إذا سيطرت حماس على السلطة المحلية وعلى الميزانيات، تماما مثلما فعل رجال فتح في غزة بعد سيطرة حماس على القطاع في 2007. اليوم في نابلس، مثل منطقة الخليل واماكن اخرى في يهودا والسامرة، فإن القوات تستعد لليوم الذي يلي هزيمة فتح في الانتخابات.
إن رفض صيغة السلام من قبل اغلبية الفلسطينيين، والتأييد المتزايد للجمهور لحماس والفوضى في نابلس واماكن اخرى على ابواب الانتخابات المحلية، تؤكد لنا درسين هامين: حل الدولتين مات ولا يمكن احياؤه، وحان الوقت لإجراء نقاش حقيقي حول الحكم الذاتي الفلسطيني.
الأفضليات المعادية للفلسطينيين ليست شيئا جديدا. عمليا كان هذا اعترافا في اشكالية افضلياتهم التي وقفت، ولو بشكل جزئي، من وراء مبادرة اوسلو. انطلاقا من معرفة أن الفلسطينيين يسيرون بين الجهاد وبين الإرهاب القومي، قرر شمعون بيرس واسحق رابين، اختيار الإرهاب القومي واعطاء «م.ت.ف» فرصة السيطرة على الفلسطينيين.
اليوم، بعد 22 سنة، من سلطة «م.ت.ف» في يهودا والسامرة (و9 سنوات من سلطة حماس في غزة) ضاق الفلسطينيون ذرعا من «م.ت.ف» ومن أبو مازن. انهم يريدون توسيع دولة حماس من غزة إلى يهودا والسامرة ايضا.
وبماذا سيستبدلون حماس في يوم ما؟ في غزة نحن نرى المستقبل. بالضبط مثلما أن فتح تعاونت مع حماس في يهودا والسامرة حتى 2007، وبذلك شقت طريقها إلى الخارج. فإن حماس تتعامل الآن مع قوات «داعش» في سيناء.
إن مناطق يهودا والسامرة ما زالت تعيش فترة «م.ت.ف» مع فشل سلطة أبو مازن القمعية، والحكم الذاتي الفلسطيني يُذكر بالصومال أكثر من سنغافورة أو أبو ظبي. في ظل غياب سلطة محلية قوية وذات شرعية جماهيرية، فقد انتقلت السلطة إلى زعماء العصابات التي تحارب بعضها البعض من اجل المال والسلاح والسيطرة.
من سخرية القدر أنه رغم اقامة الحكم الذاتي الفلسطيني منذ 22 سنة، لم يحدث أي نقاش جدي حول ما إذا كانت هذه مصلحة إسرائيلية. هذا نظرا لأنه منذ المصافحة في البيت الابيض، اعتبر الحكم الذاتي مرحلة انتقالية في الطريق إلى شيء آخر، وليس هدفا بحد ذاته.
بالنسبة لليسار المعتدل، فإن الحكم الذاتي كان وما زال مرحليا في الطريق إلى المدينة الفاضلة التي ستنشأ في لحظة نشوء الدولة الفلسطينية. وهكذا يتحقق حلم الدولتين. على مدى السنين تجاهل حزب العمل واشخاص من الاجهزة الأمنية ووسائل الإعلام فساد السلطة الفلسطينية والتحريض من قبل الشركاء في «عملية السلام» من «م.ت.ف».
لقد سامحوا ياسر عرفات وأبو مازن على تعاونه مع حماس ومنحوا الشرعية للحرب السياسية التي يقوم بها شركاؤنا في المفاوضات ضد إسرائيل في الساحة الدولية. هذا بادعاء أن هذه الامور السيئة ستتلاشى في لحظة قيام الدولة الفلسطينية.
في اليسار الراديكالي كان الحكم الذاتي وما زال شيئا بلا قيمة، لأن المشكلة الوحيدة التي يجب إعطاء الرأي حولها هي «الاحتلال». بالنسبة لميرتس واصدقاءها في الجمعيات المختلفة وفي أوروبا، فإن جوهر الحكم الذاتي الفلسطيني بشكل عام ليس هاما. حماس، «م.ت.ف»، «داعش» ليست هامة. فإسرائيل هي المتهمة. إسرائيل هي المحتلة. وبالتالي فإن من العنصرية دراسة الوضع في أوساط الفلسطينيين.
لكن ما العمل، حيث أخطأ هؤلاء وأولئك وما زالوا يخطئون؟ حيث أن الفلسطينيين لا يريدون أي تعايش، وحماس يتوقع أن تفوز في انتخابات السلطات المحلية. لأن رجال فتح يتحاربون مع أبو مازن الذي حول نابلس إلى مقديشو ـ حان الوقت لإجراء نقاش حول الحكم الذاتي، حتى لو كان بتأخير 22 سنة.
حان الوقت لطرح السؤال الأساسي: هل نؤيد الحكم الذاتي الفلسطيني؟ هل السلطة في يهودا والسامرة هي البديل الافضل بالنسبة لإسرائيل؟ لقد تحولت غزة من قلق تكتيكي إلى تهديد استراتيجي. هل هذا الأمر غير مرغوب فيه، ما هو الأفضل لنا وما هو الوضع الذي يجب أن نسعى اليه؟.
هذا يعيدنا إلى تحذير بردو الخطير عن الحرب الأهلية. صحيح أن مجتمعنا منقسم، لكن إذا كنا نخشى من الانقسام فإن الطريق الأفضل لمنعه هو وجود نقاش جماهيري مسؤول وناضج يستند إلى المعطيات الحقيقية في الميدان وليس استمرار لنقاش عقيم منذ 22 سنة. كل شيء يعتمد على تفضيل أو رفض حلول ناجعة للمشكلات الحقيقية.

معاريف 2/9/2016

منشورة في زاوية
رابط مختصر
الأخبار المرتبطة