مخيم دير بلوط - سوريا

الفلسطينيون في الشمال السوري..  أقسى الظروف لم تنل من هويتهم

الجمعة 15 مايو 2020
مخيم دير بلوط - سوريا
خاص

 

تقرير الوليد يحيى

 

72 عاماً على النكبة الفلسطينية، وتهجير الشعب الفلسطيني من أرضه إلى دول الشتات، حيث عاشوا في مخيّمات مارسوا فيها هويتهم، وانطلقوا منها للعمل الوطني والفدائي، مطوّرين في سبيل ذلك أدوات ماديّة ومعنويّة، طالما استهدفها الاحتلال الصهيوني وقوىً وأنظمة متواطئة معه، في مراحل مختلفة، سواء في الأردن" نكبة أيلول الأسود 1970"  وفي لبنان عبر مجازر طالت المخيّمات إبان الاجتياح الإسرائيلي وما بعده، و الذي اعترف رئيس الوزراء الصهيوني الأسبق ايهود باراك مؤخّراً، بأنّ أحد أهداف كيانه الرئيسية من اجتياحه كان "إنهاء وجود اللاجئين الفلسطينيين". 

وفي سوريا، لم يكن متوقّعاً عيانياً، أن تحل نكبة على اللاجئين، قد تكون الأكبر والأقسى منذ نكبة عام 1948، فقد دُمّرت مخيّماتٌ إمّا كليّاً أو جزئياً وأبرزها مخيّم اليرموك، حيث كانت تعيش الكتلة الأكبر من اللاجئين الفلسطينيين في الشتات، لتتشتت مرّة أخرى، وبعضهم دُفع قسراً إلى ظروف مجرّدة من كافة عوامل الاجتماع الفلسطيني، بلا أطر وطنية "منظمة التحرير وفصائلها"  ولا غطاء أممي على حالة لجوئهم والمقصود هنا وكالة "أونروا"، وهم الفلسطينيون المهجّرون إلى الشمال السوري، وحالتهم الراهنة شكليّاً قد تبدو المثاليّة لتحقيق حلم العدو الصهيوني بطمس هوية اللاجئين الفلسطينيين وتذويبهم، إلّا أنها تثبت له بأنّ الفلسطيني يحمل قضيته بـ"الجينات" ولا يحتاج لممارستها وتثبيتها والحفاظ عليها سوى أن يكون الفلسطيني موجوداً ويتنفّس.
 

عشنا مشهدية نكبة عام 1948

لم يتوقّع اللاجئ الفلسطيني المهجّر من مخيّم اليرموك إلى الشمال السوري ثائر أبو شرخ، أن يعيش جيله مشهديّة طالما تراءت أمام أعينهم، حين تلا تفاصيلها عليهم أباؤهم وأجدادهم الذين هجّروا من فلسطين عام 1948.

"مشاهد عملية تهجيرنا من جنوب دمشق ومخيم اليرموك، شبيهة ولا تقل بشاعة عن المشاهد التي عاشوها أهلنا وجدودنا أثناء عملية تهجيرهم من فلسطين، نفس السيناريو ونفس الفلم ويمكن نفس الأسلوب" يقول أبو شرخ لـ"بوابة اللاجئين الفلسطينيين"، ويستذكر ما روي له عن القطار الذي كان يحمل المهجّرين من الأراضي الفلسطينية، و"يرمي" كتلاً منهم في كلّ محطّة يتوقف فيها محوّلاً إيّاهم إلى لاجئين دون حول ولا قوّة.


تشابه المشهد، واستبدل القطار بحافلات، لكنّ التاريخ لم يتغيّر فيه سوى سنة التهجير، ففي أيّار/مايو 2018، وهو شهر النكبة الأولى، للمفارقة الأليمة، صعد أبو شرخ وأسرته الصغيرة مع مئات العائلات الفلسطينية إلى إحدى حافلات التهجير، ضمن قافلة كبيرة، أنزلت مجموعات صغيرة كلّ واحدة في مكان " بعضهم نزل في منطقة الباب وآخرون في عفرين، ونحن نتعرّض للتهجير كنّا نتعرّض للتشتيت أيضاً في مناطق الشمال" حسبما قال، واصفاً الأمر وكأنّه تهجير مقصود لتذويب الفلسطينيين بعد تهجيرهم.
 

هل نجح التهجير بإنهاء الهويّة؟

قبل "رمي" المهجّرين في مخيّمات ومناطق متناثرة في الشمال السوري، عاش أبناء اليرموك ومن ضمنهم اللاجئ ثائر أبو شرخ وأسرته ظروف ما أسماها بـ  "نكبة مخيّم اليرموك" والتي انتهت فصولها بتدمير المخيّم.

سنوات من ارتكاب الجرائم ضد الإنسانيّة بفعل الحصار والتجويع والقصف على أيدي النظام السوري وحلفائه، وسيطرة تنظيم "داعش" الإرهابي على المخيّم، وحصار مناطق جنوب دمشق المحاذية التي هجّروا إليها قبل تهجيرهم الأخير، كلّ ذلك لم ينه فعالية اللاجئين الذين تعرّضوا لكل ذلك عن ممارسة فروض الهويّة الراسخة.

 يقول أبو شرخ: "بكل الظروف التي مررنا فيها في مخيم اليرموك وجنوب دمشق، كنا حريصين كفلسطينيين أن نكون امتداداً لشعبنا وكنا حريصين على إحياء كافة المناسبات الفلسطينية الوطنية كيوم الأرض والنكبة والنكسة ومعركة الكرامة، كنا حريصين على إحيائها رغم كل الظروف الصعبة".

وفي الشمال السوري فور وصولهم، حيث حلّوا في خيام، لم يمنعهم هول الواقع الجديد، الذي تحتل فيه هواجس العيش والمستقبل، الذي بدا مظلماً وغير واضح المعالم، تلافيف الدماغ ومساحات النفوس، من التفكير في إحياء ذكرى النكبة الذي تزامن مع وصولهم.

يقول أبو شرخ: "فور وصولنا إلى الشمال، أصرّ الفلسطينيون في مخيمي دير بلّوط وأعزاز، على إحياء ذكرى النكبة الذي تزامن مع وصولنا، وذلك عبر تنظيم وقفات ورفع العلم الفلسطيني، لنؤكّد على أننا ما زلنا جزءاً من شعبنا وامتداداً له رغم كلّ الظروف".

ولا يخشى اللاجئ المهجّر من أن تنال أيّة ظروف تحل على الفلسطينيين، وأيّة عمليات محو ممنهجة لهويتهم، وأي ممارسات تهجير أو استهداف فكري وسواها، من هويتهم الراسخة، التي يقول عنها بأنّها تأتي بالجينات، ويؤكّد: "الفلسطيني أينما حلّ ومهما كانت الظروف، يبقى هاجسه الأساسي، كيف يحافظ على هويته وكينونته كفلسطيني، وذلك للحفاظ على حق عودته الى فلسطين، وهذا الحق ثابت لا يسقط لا بالتقادم وبأي ظروف وشعبنا ينتهز أية فرصة ليعبر عن هذا الانتماء".
 

مبادرات رغم الحضيض

"الحضيض" هو التوصيف الأكثر دقّة لأوضاع اللاجئين الفلسطينيين المهجّرين إلى الشمال السوري، حيث يعيشون أزمة مركّبة من شقّين، أوّله الجانب الإنساني والمعيشي، والآخر هو الجانب الحقوقي، ومفاده " كيف لّلاجئ أن يحافظ على هويته في ظل أي ترتيبات جديدة ممكن أن تشهدها المنطقة قد تدفع إلى ظروف أكثر حدّة تستدعي مواجهتها" كما قال أبو شرخ.

ولعلّ غياب منظمة التحرير الفلسطينية عن كتلة تعد 7 آلاف لاجئ فلسطيني في الشمال السوري، وغياب وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" عنوان وجود اللاجئين والشاهد الأممي على نكبتهم، ترتّب على أصحاب الهويّة مسؤوليات، تصدوا لها عبر مبادرات من جوانب عدة، وأبرزها الجانب النشاطي إن صحّ وصفه، والجانب الاعتباري الرسمي، وهناك جانب شديد الأهميّة يتعلّق بالمجهود الشخصي ضمن كلّ أسرة مهجّرة وتتعرض لعوامل الطمس الهوياتي.

في الجانب النشاطي، يقول ثائر أبو شرخ:  إنّ الظروف الراهنة بعد عامين من التهجير، وتحل اليوم الذكرى 72 للنكبة الفلسطينية، التي تتزامن مع جائحة "كورونا" يفكّر كثيرون كيث سيجري إحياء ذكرى النكبة، لما تشكّله من فرصة لإبراز الوجود الفلسطيني في الشمال السوري، وفي هذا الصدد أطلق نشطاء حملة تحت اسم " انتماء" حيث سيقوم كل فلسطيني في الشمال برفع علم فلسطين فوق خيمته أو منزله أينما وجد في تلك المناطق، كإحياء رمزي للذكرى.

كما تواظب الأسر الفلسطينية المهجّرة، على إحياء فلسطين داخل المنازل والخيام بشكل مستمر، عبر رواية حكاياها لأطفالهم، وترسيخ حقّهم في أرضها، وفق اللاجئ أبو شرخ، الذي قال: "نحن نربي أولادنا كما ربّونا أهلنا، على الحق الفلسطيني، وأينما ذهبنا ومهما حلّ بنا سنبقى نحمل هذا الانتماء وننقله لأولادنا وأحفادنا".
 

أطفال فلسطنيون في مخيم دير بلوط


الجانب الرسمي والاعتباري

لم يدخّر الفلسطينيون المهجّرون جهداً منذ وصولهم إلى مناطق الشمال، ليجمعوا بعضهم ضمن إطار اعتباري يعبّر عنهم، ويحفظهم ككتلة متمايزة تحميها من الذوبان، فتأسست روابط وهيئات، مارست العديد من الأنشطة قبل أن تتفكك لغياب الدعم، وصعوبة التواصل بين الأسر والأفراد، لتباعد المناطق التي يسكنوها، فكان لابد من التفكير بآلية جديدة تحفظ الهوية الفلسطينية بشكل اعتباري وقانوني موثّق وذو طابع رسمي، فكان تأسيس "مركز توثيق اللاجئين الفلسطينيين" في مدينة عفرين بريف حلب الشمالي.

تأسس المركز بمبادرة فرديّة من مجموعة من الناشطين، من منطلق سعيهم للحفاظ على الهوية الفلسطينية التي كان يهددها تشتت العائلات الفلسطينية في مناطق متباعدة، وعدم تضمّن الأوراق الثبوتية المعمول بها في الشمال الخاضع لسيطرة "الحكومة السوريّة المؤقّتة" المُعارضة، ما يشير إلى هويّة اللاجئين الفلسطينيين الأصليّة، فكانت المبادرة التي حققت نوعاً من النجاح، حسبما قال رئيس المركز أبو مهنّد لـ" بوابة اللاجئين الفلسطينيين".

يشدد أبو مهنّد، على أنّ غياب "منظمة التحرير الفلسطينية" ونسيانها للاجئين المهجّرين، كان عاملاً خطيراً يهدد الكيانية الفلسطينية في الشمال السوري، لكونه تاريخيّاً ولدى الجميع في العالم، ما تزال المنظمة هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، والوجود الفلسطيني ارتبط بوجودها، وغيابها عنّا جعلنا لابد من أن نبادر لحفظ وجودنا وهويتنا ضمن سياقات قانونية واعتباريّة.

وأضاف أبو مهنّد: استطعنا تأسيس المركز، بعد طرح الفكرة على الجهات المعنيّة، وهي الإدارة العامّة للشؤون المدنيّة التابعة "للحكومة السوريّة المؤقّتة" التي قدمّت لنا التسهيلات المطلوبة، ومن خلاله بدأنا بإصدار وثائق للفلسطينيين تتضمّن الهويّة الفلسطينية، إضافة إلى توثيق الواقعات المدنيّة كالزواج وتسجيل المواليد الجدد، كما وفّر لنا المركز إمكانيّة توفير قاعدة بيانات موثّقة للحالة الفلسطينية في مناطق الشمال السوري، يمكن تقديمها لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين " الأونروا" التي تتنكّر حتّى هذه اللحظة لهذه الشريحة الكبيرة من اللاجئين الفلسطينيين المنكوبين المهجّرين في الشمال السوري، حسب قوله.
 

بعضهم يحملون وثائق آبائهم ومفاتيح منازلهم في فلسطين

ومن الأمور اللافتة التي قابلها أبو مهنّد خلال عمله في مركز التوثيق، هو احتفاظ أحد اللاجئين المهجّرين إلى الشمال، بوثيقة ولادة والده في فلسطين قبل النكبة، ويعود تاريخها إلى العام 1939، صادرة عن دائرة الصحّة في الجليل، ومدوّن عليها (جنسيّة الأب: فلسطين)، وكذلك مفتاح منزل أجداده الذي هجّروا منه، وهي من أثمن الأشياء التي خفّ وزنها، وحملها معه خلال تهجيره من منزله في مخيّم اليرموك، تاركاً فيه كلّ ما أسس ويمتلك.

وثيقة بحوزة لاجئ مهجّر  

 


وهو ما علّق عليه أبو مهنّد، بأنّ اللاجئون الفلسطينيون أينما هجّروا، يحملون ذكرياتهم ووثائق حقّهم في وطنهم، ويفتحّون وعي أبنائهم على ذلك الحق المكّرس ماديّاً ومعنويّاً، وهو حقّ لا يقبل التبديد مهما بلغت الظروف والمؤامرات التي يتعرض لها اللاجئون الفلسطينيون.
 

ابن لاجئ فلسطيني مهجّر في الشمال يحمل مفتاح منزل جدّه في فلسطين المحتلّة

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد