يشهد مخيم الرشيدية، الواقع في جنوب لبنان، أزمة متفاقمة في ملف السكن، مع الارتفاع المتواصل في إيجارات المنازل، حيث يعمد عدد من المالكين إلى فرض زيادات مفاجئة على المستأجرين من دون سابق إنذار.
وفي ظل حرب الإبادة وتداعياتها المتواصلة مع استمرار الاعتداءات على لبنان، ولا سيما مناطق الجنوب، تراكمت الديون على العديد من العائلات، لتفاجأ لاحقاً بموجة جديدة من ارتفاع الإيجارات، ما يضع أرباب الأسر، ولا سيما ممن يعملون بالأجر اليومي، أمام عجز حقيقي عن تأمين بدل الإيجار الشهري.
وتزداد الأزمة حدّة مع توقّف مساعدة الخمسين دولاراً التي كانت تقدمها وكالة "أونروا" للأطفال، في وقت أصبحت فيه المؤسسات والجمعيات غير قادرة على سدّ فجوة الاحتياجات المتزايدة.
أسعار الإيجارات ترتفع إلى 200 دولار
في هذا السياق، أشار نمر حوراني، عضو لجنة المتابعة الأهلية في مخيم الرشيدية، في حديث لبوابة اللاجئين الفلسطينيين، إلى أن أسعار إيجارات المنازل شهدت خلال الفترة الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً، إذ تراوحت بين 100 و200 دولار للشقق المؤلفة من غرفتين مع منافع أو ثلاث غرف. وأكد حوراني أن هذه الأسعار تعد مرتفعة جداً قياساً إلى الواقع المعيشي للفلسطينيين، ما يدفع بعض العائلات إلى إخلاء منازلها لعدم قدرتها على تحمّل الكلفة.
وأوضح حوراني أنه لا توجد قوانين أو معايير محددة تنظم عملية الإيجار داخل المخيم، حيث تقوم العلاقة بشكل أساسي بين المالك والمستأجر. ولفت إلى إجراء معمول به مؤخراً ينص على ضرورة مراجعة اللجنة الشعبية أو اللجنة الأمنية فقط من قبل من يرغب في الاستئجار من خارج المخيم، بهدف التحقق من هوية الشخص، دون أن يشمل ذلك تحديد سقوف أو ضوابط للأسعار.
وأكد حوراني أن ارتفاع الإيجارات ينعكس سلباً على الحياة العائلية في ظل محدودية مداخيل الأسر، ما يدفع جميع أفراد العائلة، أحياناً، إلى العمل لتأمين بدل الإيجار ومتطلبات المعيشة وتغطية الاحتياجات الأساسية.
ورداً على سؤال طرحته بوابة اللاجئين الفلسطينيين حول الشكاوى الواردة إلى الجهات المعنية، أكد حوراني أن لجان المتابعة واللجان الشعبية تتلقى عدداً كبيراً من الشكاوى المتعلقة بارتفاع الإيجارات، موضحاً أن التدخل غالباً ما يكون محدوداً، إذ يعتبر بعض المالكين أن تأجير المنازل يدخل في إطار الاستثمار الخاص.
غياب الحلول وتفاقم الأزمة
وحول وجود خطط أو مبادرات للحد من ارتفاع الإيجارات، أوضح حوراني أن المسألة تبقى مرتبطة بعاملَي العرض والطلب، مشيراً إلى أنه مع استمرار الطلب على السكن ستبقى الأسعار مرتفعة. وأكد أن النزوح السوري شكّل ضغطاً إضافياً على المخيم، لافتاً إلى أن أكثر من 200 عائلة ما زالت تقيم داخله بسبب تدمير منازلها في سوريا، وقد نشأت بينهم وبين أهالي المخيم علاقات اجتماعية ومصاهرة.
وختم حوراني بالإشارة إلى أن منع الدولة اللبنانية إدخال مواد البناء إلى المخيم يعرقل أي إمكانية للتوسع أو البناء الجديد، ما يؤدي إلى تفاقم أزمة السكن وارتفاع الإيجارات بشكل مستمر.
عائلات بلا معيل… وتهديدات بالإخلاء
في مشهد يعكس قسوة الواقع، استعاد الحاج أبو محمد علي ذاكرته وهو يقارن بين الماضي والحاضر، وقال: "قبل أزمة المنازل في المخيم، كان إيجار أفضل بيت لا يتجاوز 70 دولاراً، أما اليوم، ومع ارتفاع سعر الدولار وغلاء المعيشة، أصبح أصحاب المنازل يستغلوننا، وأقل إيجار يتراوح بين 100 و150 دولاراً".
وأوضح أبو محمد أنه لا يملك معيلاً ثابتاً، ويعمل بالأجر اليومي، بدخل لا يتجاوز 300 دولار شهرياً، وهو مبلغ لا يكفي لتأمين متطلبات الحياة الأساسية التي تتزايد يوماً بعد يوم.
من جهتها، أكدت أم أحمد حسن، أنها اضطرت إلى تغيير منزلها أكثر من مرة؛ بسبب الارتفاع المتكرر في الإيجارات، مشيرة إلى أن المنازل التي انتقلت بينها كانت "من سيئ إلى أسوأ".
وقالت أم أحمد إنها أم لثلاثة أطفال، وتواجه صعوبة في تأمين المستلزمات المدرسية، مؤكدة أن ارتفاع الإيجار أثر بشكل مباشر على تحصيل أطفالها الدراسي.
وأضافت: "كنت أؤمّن دروساً خصوصية لولدين مقابل 40 دولاراً، لكن اليوم، عندما يحتاج الطفل إلى قرطاسية أو مستلزمات للنشاطات المدرسية، لا أملك القدرة على شرائها، وأنتظر مساعدة الجمعيات أو المؤسسات، خاصة بعد أن أوقفت "أونروا" مساعدة الـ50 دولاراً لكل طفل".
وأوضحت أم أحمد أن زوجها يعمل في فرن، ويتقاضى راتباً شهرياً يبلغ 300 دولار، وهو دخل لا يكفي لتأمين الاحتياجات الضرورية للعائلة، مشيرة إلى أنهم ما زالوا حتى اليوم يسددون الديون التي تراكمت عليهم خلال فترة الحرب.
وتروي أم أحمد حادثة تعرّضت لها عندما حضر صاحب المنزل لتحصيل الإيجار، ولم يكن المبلغ متوفراً لديها، حيث قال لها: "معكم يومان لتأمين الإيجار، أو ستغادرون المنزل". وفي اليوم التالي، عاد المالك برفقة مستأجر جديد لمعاينة الشقة، ما اضطرها إلى طلب المساعدة من أصحاب "الأيادي البيضاء"، تفادياً لإخلاء المنزل.
تتصارع عشرات العائلات في مخيم الرشيدية من أجل البقاء في منازل لا تملكها، بين مالك يرفع الإيجارات بلا ضوابط، وأسر أثقلتها الديون وقلّة الدخل. ومع استمرار منع إدخال مواد البناء وغياب الحلول الجذرية، تضيق مساحات الحياة أمام الفلسطينيين، لتبقى معاناة أهالي مخيم الرشيدية مفتوحة على انتظار طويل لحلول تحفظ كرامتهم وحقوقهم في السكن الآمن.
