كشفت نتائج استطلاع المؤشر العربي 2024/2025 الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات عن اتجاهات واضحة وحاسمة في الرأي العام العربي، تؤكد أن قضية التطبيع مع "إسرائيل" ما تزال مرفوضة على نطاق واسع، وأن فلسطين، وغزة على وجه الخصوص، تحتل موقعاً مركزياً في وعي المجتمعات العربية، سياسياً وإنسانياً ونفسياً.
رفض شبه إجماعي للتطبيع والاعتراف بـ "اسرائيل"
أظهرت نتائج الاستطلاع أن 87 % من المستجيبين العرب يرفضون اعتراف بلدانهم بـ "إسرائيل"، مقابل 6 % فقط أبدوا قبولهم بذلك، واشترط نصف الموافقين قيام دولة فلسطينية مستقلة.
وتبيّن أن هذا الرفض لا يستند، وفق تفسير المستجيبين، إلى اعتبارات ثقافية أو دينية، بل إلى طبيعة "إسرائيل" الاستعمارية والعنصرية والتوسعية.
وسُجّل هذا الموقف الرافض بنسب متقاربة بين مختلف أقاليم الوطن العربي، ما يعكس إجماعاً عربياً حول مسألة التطبيع، رغم التباينات السياسية بين الدول.
فلسطين قضية العرب جميعاً
في موازاة ذلك، عبّر 80 % من الرأي العام العربي عن قناعة راسخة بأن القضية الفلسطينية هي قضية العرب جميعاً وليست قضية الفلسطينيين وحدهم، مقابل 12% فقط اعتبروا أنها تخص الفلسطينيين وحدهم.
وسجّلت دول مثل الأردن وتونس والجزائر والكويت أعلى نسب التأييد لهذا الموقف، فيما ظهرت أعلى نسب التشكيك بمركزيّة القضية الفلسطينية في بعض بلدان إقليم المشرق العربي، دون أن يغيّر ذلك من الصورة العامة التي تؤكد استمرار مركزية فلسطين في الوعي الجمعي العربي.
غزة: حرب تُعاش كمعاناة شخصية
وعلى صعيد الحرب على غزة، أظهرت النتائج أن الرأي العام العربي يتعامل مع ما يجري بوصفه حدثا يمسّه بشكل مباشر، إذ أفاد 87 % من المستجيبين أنهم يشعرون بضغط نفسي بسبب الحرب، فيما قال 70 % إنهم يتابعون أخبارها بشكل مستمر.وتبيّن أن القنوات الفضائية ما تزال المصدر الأبرز لمتابعة الحرب بنسبة 57%، تليها شبكة الإنترنت بنسبة 35%.
كارثة إنسانية غير مسبوقة داخل غزة
أما على المستوى الإنساني، بيّن المؤشر صورة قاتمة للأوضاع المعيشية للفلسطينيين في قطاع غزة خلال الحرب. إذ أفاد 93 % من المستجيبين أنهم نزحوا من منازلهم مرة واحدة على الأقل، بينما قال 90 %: إنهم احتاجوا إلى أدوية أو مستلزمات طبية ولم يتمكنوا من الحصول عليها.
وأقرّ 85 % بأنهم أو أحد أفراد أسرهم عانوا الجوع عدة مرات، فيما أكد 81 % أنهم واجهوا انعداماً متكرراً لمياه الشرب.
وفي ما يتعلق بمواقع الإقامة، أوضح 48% أنهم يعيشون في منازل مكتملة أو متضررة، مقابل 24 % في خيام، و13 % في مبانٍ عامة مثل المستشفيات أو مراكز الإيواء.

كما أشار 35-40 % إلى عدم توافر فراش أو بطانيات للنوم، في حين عبّر64-89 % عن انعدام الكهرباء والإنترنت والأدوية، ما يعكس حجم الانهيار شبه الكامل في مقومات الحياة الأساسية.
وأفاد ما بين 46 و57% بأنهم شاهدوا حالات اضطر فيها أشخاص إلى التوسل من أجل الحصول على طعام أو ماء.

تقييم سلبي للقوى الدولية… واستثناء جنوب أفريقيا
سياسياً، قيّم الرأي العام العربي سياسات معظم القوى الدولية والإقليمية تجاه فلسطين تقييماً سلبياً، بما في ذلك الولايات المتحدة وروسيا وإيران وتركيا وعدد من الدول الأوروبية.
وكان الاستثناء الأبرز هو جنوب أفريقيا، حيث رأى 62 % من المستجيبين أن سياستها تجاه فلسطين إيجابية، مقابل 17% فقط اعتبروها سلبية. كما جاءت إسبانيا في صدارة الدول الأوروبية من حيث التقييم الإيجابي، بنسبة 43%.
الأمن القومي العربي: "إسرائيل" التهديد الأول
أظهرت النتائج أيضا أن 76 % من العرب يرون أن سكان الوطن العربي يشكلون أمة واحدة، رغم اختلاف شعوبها، وأن هناك إجماعاً واسعاً على وجود مفهوم مشترك لـ"أمن الوطن العربي".
وفي هذا السياق، اعتبر 44 % أن "إسرائيل" تمثل التهديد الأكبر لأمن المنطقة، تليها الولايات المتحدة بنسبة 21%. كما رأى 84 % أن سياسة "إسرائيل" تهدد أمن المنطقة واستقرارها، مقابل 77% للسياسة الأميركية، و53% لإيران، و48% لروسيا، و47% لفرنسا.
أكبر استطلاع رأي في تاريخ المنطقة
يُذكر أن الاستطلاع شمل 40,130 مستجيباً من مختلف البلدان العربية، عبر مقابلات شخصية مباشرة، بهامش خطأ تراوح بين ±2 و3%. ونُفذ خلال الفترة من تشرين الأول/أكتوبر 2024 حتى آب/أغسطس 2025، بمشاركة نحو 1000 باحث وباحثة، واستغرق أكثر من 413 ألف ساعة عمل ميداني، نفّذها نحو ألف باحث خلال أقل من عام.
ويُعد المؤشر العربي، في دورته التاسعة، أضخم مسح للرأي العام في العالم العربي، ومصدراً أساسياً للباحثين والمؤسسات الأكاديمية وصنّاع القرار، في ظل ما يقدمه من معطيات معمّقة حول اتجاهات المجتمعات العربية في القضايا المصيرية، وفي مقدمتها فلسطين.
