يحيي الفلسطينيون اليوم ذكرى اغتيال الأسير المحرر عمر النايف، في السادس والعشرين من شباط/فبراير، والذي وجد جثمانه داخل مبنى سفارة السلطة الفلسطينية في صوفيا عام 2016، بعدما لجأ إليها طلبًا للحماية من خطر تسليمه إلى الاحتلال "الإسرائيلي"، في حادثة ما زالت ملابساتها وأسئلتها الأخلاقية والسياسية حاضرة.

وكان عمر النايف، وهو من كوادر وقادة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وأسيرًا سابقًا في سجون الاحتلال، قد تمكّن من الهرب عام 1990 بعد إضراب عن الطعام، واستقر في بلغاريا. ومع تصاعد المساعي لتسليمه بطلب من سلطات الاحتلال، لجأ إلى السفارة الفلسطينية في العاصمة البلغارية طلبًا للحماية. إلا أن صباح السادس والعشرين من شباط/فبراير 2016 حمل نهاية مأساوية، إذ عثر عليه جثةً داخل المبنى.

ورغم الرواية الرسمية البلغارية التي تحدثت عن "سقوط من علو"، فإن عائلة النايف والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أكدتا منذ اللحظة الأولى أن ما جرى كان عملية اغتيال داخل مقر دبلوماسي يُفترض أنه مكان للحماية، ووجهتا اتهامًا مباشرًا إلى جهاز "الموساد" التابع للاحتلال "الإسرائيلي" بالوقوف وراء تصفيته، معتبرتين أن الجريمة جاءت في سياق ملاحقة كوادر المقاومة الفلسطينية في الخارج.

وفي بيان لها آنذاك، أكدت الجبهة الشعبية أن الاحتلال "الإسرائيلي" يقف خلف اغتيال النايف، مضيفة أن "هناك من نفذ مخطط الاحتلال باغتياله، وهؤلاء لن يفلتوا من العقاب، وستكشف عنهم الجبهة الشعبية"، في إشارة إلى وجود أطراف في سفارة السلطة الفلسطينية متورطة في تنفيذ الجريمة وفق روايتها.

كما حمّلت العائلة والجبهة الجهات الفلسطينية المعنية مسؤولية التقصير في تأمين الحماية له داخل السفارة، معتبرتين أن اغتياله داخل مبنى يفترض أن يتمتع بالحصانة الدبلوماسية يشكل سابقة خطيرة تمسّ مفهوم الحماية السياسية والأخلاقية.

وفي سياق تعزيز هذه الرواية، أنجز الصحفي أحمد البيقاوي تحقيقًا استقصائيًا تناول تسلسل الأحداث داخل السفارة، وكشف عن ثغرات جوهرية في رواية "السقوط"، مشيرًا إلى وجود مؤشرات على اعتداء سبق الوفاة، وعبث في موقع الحادثة قبل وصول الشرطة البلغارية، إضافة إلى تناقضات في الإفادات الرسمية. وخلص التحقيق إلى أن فرضية الانتحار لا تصمد أمام الوقائع والمعطيات المتاحة، وأن ما جرى يحمل مؤشرات واضحة على عملية تصفية انتهت بمقتله، مع محاولات لاحقة لتثبيت رواية مغايرة.

وفي مقال للكاتب الفلسطيني محمود كلّم بمناسبة الذكرى، شدد على أن استحضار اسم عمر النايف لا يأتي بوصفه حادثة سياسية عابرة، بل كإنسان بحث عن ملاذ، فوجد نفسه وحيدًا في مواجهة مصيره. واعتبر أن الذكرى تمثل لحظة مساءلة أخلاقية حول معنى الحماية وقيمة التمثيل، حين لا يتحول الرمز إلى درع فعلي لأبنائه.

ووضع الكاتب اغتيال النايف في سياق وطني أوسع، مستعيدًا محطات موجعة في الذاكرة الفلسطينية، من اغتيال رسام الكلمة والضمير ناجي العلي عام 1987، إلى استشهاد الناشط السياسي نزار بنات عام 2021، معتبرًا أن الأزمنة تتبدل، لكن الألم واحد حين يصبح الصوت الحر هدفًا، ويدفع أصحاب الرأي ثمن مواقفهم.

ومع مرور السنوات، تبقى قضية عمر النايف جرحًا مفتوحًا في الذاكرة الفلسطينية، بلا كشف كامل للحقيقة ولا مساءلة واضحة للمسؤولين. وتظل الحقيقة مطلبًا وطنيًا لا يسقط بالتقادم، وحقًا لعائلته ولشعبه في معرفة ما جرى داخل مبنى يفترض أن يكون عنوانًا للحماية.

إن إغلاق الملف دون تحقيق شفاف ومستقل لا يمكن أن يشكل نهاية للقضية، بل يكرّس مزيدًا من الأسئلة. وعليه، تتجدد الدعوات إلى فتح تحقيق جدي يكشف كل التفاصيل، ويحدد المسؤوليات وفق الأطر القانونية، وصولًا إلى مساءلة عادلة لكل من يثبت تورطه أو تقصيره، صونًا لكرامة الشهيد وترسيخًا لمبدأ أن دم الفلسطيني ليس مباحًا.

بوابة اللاجئين الفلسطينيين

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد