انتهت اليوم الثلاثاء 31 آذار/ مارس، ولاية المفوض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" "فيليب لازاريني"، وسط تحذيرات حادة أطلقها في ختام مهامه من استمرار الكارثة الإنسانية في قطاع غزة، وتراجع قدرة الوكالة على الاستمرار في ظل نقص التمويل والضغوط السياسية.
وفي حوار مع أخبار الأمم المتحدة، عبّر "لازاريني" عن "مشاعر مختلطة" مع نهاية ولايته، قائلاً: إن ما يطغى عليها هو المرارة والحزن، نتيجة مشاهدته انتهاكات جسيمة للقانون الدولي خلال العامين الماضيين، إلى جانب فظائع وهجمات على الأمم المتحدة، مشيراً إلى مقتل نحو 400 من موظفي المنظمة خلال هذه الفترة، في سابقة لم تشهدها الأمم المتحدة من قبل.
ورغم ذلك، أكد شعوره بالفخر تجاه العاملين في "أونروا"، مشيداً بما وصفه بـ"التزام استثنائي" أبدوه في ظل الظروف القاسية، لمحاولة التخفيف من معاناة مجتمعاتهم.
وسلّط "لازاريني" الضوء على الأثر الكارثي للحرب "الإسرائيلية" على قطاع غزة، والتي اندلعت عقب هجمات السابع من تشرين الأول/أكتوبر، مشيراً إلى أن البؤس والموت لا يزالان مستمرين، رغم إعلان وقف إطلاق النار، الذي وصفه بأنه "اسمي فقط".
وقال: إن السكان لا يزالون يُقتلون في ظل غياب وضوح الحدود الميدانية، مضيفاً: "إنه بؤس محض… ربما نجحنا في الحد من تفاقم الجوع، لكن لا شيء آخر، الناس يعيشون بين الأنقاض، ينتظرون لساعات للحصول على الماء، ويكافحون الأمراض".
واستعاد "لازاريني" إحدى أكثر الصور تأثيراً في ذاكرته، عندما التقى طفلة صغيرة في مدينة رفح بعد أربعة أسابيع من اندلاع الحرب، قائلاً: إن "عينيها كانتا خاويتين تتوسلان للحصول على رشفة ماء أو رغيف خبز"، في مدرسة تحولت من مكان للتعليم إلى ملجأ للبؤس، مؤكداً أن هذه الذكرى لا تزال تؤرقه.
لا بديل عن "أونروا"
وفي مواجهة الدعوات لإيجاد بدائل للوكالة، شدد "لازاريني" على أنه "لا يوجد بديل قائم في غزة"، موضحاً أن "أونروا" هي الجهة الوحيدة التي تمتلك الكوادر والخبرة وثقة المجتمع في مجالي التعليم والصحة، وأنه لا توجد منظمات أو وكالات أممية أخرى قادرة على أداء هذا الدور، كما أن السلطة الفلسطينية "غير مستعدة" لتولي هذه الخدمات.
لكنه أشار في الوقت ذاته إلى أن قدرة الوكالة على تقديم خدماتها الأساسية تراجعت بشكل كبير، سواء في غزة أو خارجها، نتيجة النقص الحاد في التمويل الدولي، رغم تمديد ولايتها لثلاث سنوات بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة في كانون الأول/ديسمبر الماضي.
وكشف أن إجراءات التقشف التي اتخذتها الوكالة شملت تقليص الخدمات وخفض رواتب معظم الموظفين المحليين بنسبة 20%، محذراً من أن "أونروا" قد تصبح غير قادرة على الاستمرار دون تدفق تمويل نقدي عاجل.
واعتبر "لازاريني" أن الهجمات التي طالت "أونروا" ليست معزولة، بل جزء من نمط أوسع يستهدف وكالات الأمم المتحدة، محذراً من أن التسامح مع استهداف "أونروا" قد يفتح الباب لتكرار ذلك مع وكالات أخرى.
وأضاف أن الاتهامات التي وُجهت للوكالة في غزة، بزعم اختراقها من قبل حركة حماس، استُخدمت لتبرير الهجمات ضدها، مشيراً إلى أن الرواية نفسها بدأت تتكرر في لبنان.
حرب صامتة في الضفة وانتهاكات في القدس
وفي الضفة الغربية، وصف "لازاريني" الوضع بأنه "حرب صامتة" في ظل تصاعد هجمات المستوطنين "الإسرائيليين"، مع "إفلات تام من المساءلة".
كما أشار إلى حادثة اقتحام الجرافات "الإسرائيلية" لمقر "أونروا" في شرقي القدس في كانون الثاني/يناير، وبدء هدم المباني ورفع العلم "الإسرائيلي" فوق مجمع تابع للأمم المتحدة، معتبراً ذلك استخفافاً صارخاً بالقانون الدولي.
ورأى أن غياب احترام قواعد الحرب ساهم في توسيع رقعة التوتر الإقليمي، محذراً من تداعيات أوسع على المنطقة.
ضغوط شخصية وخطط لما بعد المنصب
وعلى الصعيد الشخصي، أقر "لازاريني" بأنه واجه "ضغوطاً هائلة" خلال العامين الماضيين، مشيراً إلى أن دعم عائلته كان عاملاً أساسياً في استمراره، رغم غيابه الطويل عنها.
وأوضح أنه يعتزم بعد انتهاء ولايته تعويض الوقت الذي فقده مع أسرته، إلى جانب العمل على توثيق تجربته في قيادة وكالة أممية "يبقى مستقبلها رهناً بالتقلبات الجيوسياسية".
ويغادر "لازاريني" منصبه في لحظة توصف بأنها من الأكثر حرجاً في تاريخ "أونروا"، وسط تصاعد الأزمات الإنسانية، وتزايد الشكوك حول قدرة الوكالة على مواصلة أداء مهامها في ظل التحديات المالية والسياسية المتفاقمة.
