الثلاثاء 22 أكتوبر 2019
مقاربة سياسية لمرحلة حصار المخيّم
مخيم تل الزعتر قبل المجزرة
المخيمات الفلسطينية في لبنان | 2017-08-11 | بيروت - بوابة اللاجئين الفلسطينيين

لبنان - بوابة اللاجئين الفلسطينيين

جاء الحصار لمخيم تل الزعتر في ظل ظروف دولية، اتسمت بالحرب الباردة. وكان الصراع على أشده بين المعسكر الاشتراكي، وعلى رأسه الاتحاد السوفيتي سابقاً من جهة، وأمريكا والدول الغربية من جهة أخرى، وفي وقت التراجع الكبير لمعسكر دول عدم الإنحياز بعد غياب مؤسسيه: "عبد الناصر، نهرو وتيتو". كان ذلك بعد شهور قليلة من التوقيع على الإتفاقية المصرية - الإسرائيلية حول سيناء. وتهيئة الأجواء لكامب دايفيد. فيما بعد، بدأت الولايات المتحدة من خلال أدواتها في المنطقة، ولتمرير هذه الإتفاقية، مخططاً لإثارة الفوضى في المنطقة، بقيادة هنري كسينجر وزير خارجيتها في ذلك الحين. وكان لبنان أرضاً خصبة لهذا المخطط، لوجود "الثورة الفلسطينية" على أرضه.

ذات يوم وفي اجتماع للقائد أبو عمار في بيروت في سبعينيات القرن الماضي قال: "إن المسافة بين جزيرة قبرص، وباب المندب هي مسافة استراتيجية، كما أن المسافة بين الخليج العربي وشرق البحر المتوسط هي أيضاً مسافة استراتيجية، وإن الثورة الفلسطينية تقع ضمن تقاطع هاتين المسافتين"، أي في عين العاصفة.

إنّ حرب لبنان، كما يقول جوزيف أبو خليل بدأت سنة 1969، وليس 1975. وإنّ الكتائب بدأت بالتسليح والتدريب منذ عام 1969، أي منذ توقيع إتفاقية القاهرة. وبدأ الحديث عن التجاوزات الفلسطينية وتضخيمها، كما بدأ قادة اليمين الماروني يتحدثون بلغة قاسية عن "الاحتلال الفلسطيني" وعن سيادة الوطنية، و"تحرير لبنان من الغرباء".

 ولم تكن "إسرائيل" بعيدة عن هذا، فقد اجتمعت قيادة اليمين المسيحي ممثلة بـ "كميل شمعون وبشير الجميّل" في مرفأ جونيه في نهاية كانون الثاني 1976، مع "شمعون بيريز" وزير الدفاع في حكومة رابين. والحديث عن "الغيتو المسيحي"، وعن توطين الفلسطينيين في لبنان، كان قد بدأ يحتل الصدارة في مانشيتات الصحف والخطابات النارية، مقروناً في لبنان، كان قد بدأ يحتل الصدارة في مانشيتات الصحف والخطابات النارية، مقروناً بكلام آخر عن خطة كيسنجرية "تقوم على دفن القضية الفلسطينية في لبنان، وأن هذا الكلام جعل المسيحيون يعيشون في ما يشبه الغيتو". ويقول جوزيف أبو خليل: الزعماء المسيحيين فوجئوا، بكلام الموفدين والمبعوثين، وخاصة الموفد الأمريكي "براون" وكلامه بمثابة دعوة المسيحيين للهجرة إلى أميركا وتشجيعهم عليها.

كانت حادثة "بوسطة" عين الرمانة في 13 نيسان عام 1975، والتي أدّت إلى مقتل عدد من الفلسطينيين من أهالي تل الزعتر، وهم في  طريق عودتهم من إحتفال وطني في صبرا. كانت هذه الحادثة الشرارة التي أشعلت النار، وامتدت لهيبها إلى باقي الأراضي اللبنانية.

في بداية كانون الثاني، قامت القوات الانعزالية بحصار تل الزعتر ومنعت وصول التموين وفي الوقت ذاته، قاموا بالهجوم على مخيم الضبية شمال بيروت، وارتكبوا مذابح ضد الفلسطينيين. في 19 كانون الثاني ارتكبت القوات الانعزالية، مجزرة مروّعة في منطقة المسلخ والكرنتينا، وكان أن قامت القوات المشتركة بالرد على هذه المجازر، بإحتلال بلدة الدامور الواقعة إلى الجنوب من بيروت على الطريق الرئيسي للجنوب، كانت تقطنها أكثرية من المؤيدين لكميل شمعون، الذين كانوا يقيمون الحواجز على الطريق العام، حيث قتل الكثير من اللبنانيين والفلسطينيين برصاص القنص.

في السادس عشر من حزيران 1976 اختطف السفير الأمريكي "فرنسيس ميللوي"وهو في طريقه إلى القصر الجمهوري مع الملحق الاقتصادي والسائق اللبناني. ثمّ وُجدوا قتلى بعد أيام حسب ما قاله (أبو إياد).

 بعد عملية الاغتيال بـ 6 أيام، أي في الثاني والعشرين من حزيران عام 1976، بدأت معركة تل الزعتر الكبرى. لقد بدأ حصار تل الزعتر، بعد دخول الجيش السوري إلى لبنان بعشرة أيام، وقد رفض قادة القوات الانعزالية أي تسوية سلمية للصراع. لأنهم كانوا يراهنون على كسب المعركة عسكرياً، بحكم أن الموقع الجغرافي لتل الزعتر وسط حزام مسيحي، هو بحكم الساقط عسكرياً، بالإضافة إلى تواجد القوات السورية التي ستشل أي حركة للقوات المشتركة الفلسطينية والحركة الوطنية، لفك الحصار عن المخيّم (أبو إياد).

يقول "كريم بقرادوني" على لسان الرئيس حافظ الأسد: "إننا نتقدم في حقول ألغام". لم يكن سهلاً على سوريا، أن تبدو متصدية للمنظمات الفلسطينية ومنتصرة للمسيحيين على المسلمين. لقد كان قرار دخول القوات السورية إلى لبنان، قراراً إقليمياً ودولياً، بحسب رأي جوزيف أبو خليل في مؤلفه: "قصة الموارنة في الحرب". لقد ألقت مصالح كثيرة من جهات متحاربة على تخوم تل الزعتر، الإسرائيليون كانوا هناك أيضاً.

ففي رسالة مفتوحة إلى وزير الدفاع الإسرائيلي "بن أليعيزر" كتبت الصحفية البريطانية "هيلينا كوبان" المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط: "الواقع أنني لم أعلم إلا لاحقاً، بعدما أخبرنا "يوسي ميليمان"، بوجودك مع قادة الكتائب خلال حصار تل الزعتر الفلسطيني شرق بيروت، هل تعتبر عملية تل الزعتر من إنجازاتك؟ لا بد من أن التعاون ومحاولة تنظيم ميليشيا الكتائب و"نمور" كميل شمعون كان صعباً، إذ لم يبرهنوا على فاعلية في المعارك. لكنك ثابرت على المهمة، ونجحت بعد ثمانية أسابيع من الحصار القاسي الاستيلاء على المخيم" (جريدة الحياة: لندن 9 ابريل 2001).

وبدوره يقول "امنون كابليوك" الصحفي الإسرائيلي في كتابه "تحقيق حول مجزرة صبرا وشاتيلا" (ص 120) عن لجنة التحقيق القضائية، وفي دورة طارئة للكنيست: صعد شارون المنصة مدافعاً عن موقفه في جرائم صبرا وشاتيلا، موجهاً كلامه إلى وزير الدفاع قائلاً: "أنت يا سيد بيريز، عندما كنت وزيراً للدفاع، أين كان ضباط الجيش الإسرائيلي أثناء مذابح مخيم تل الزعتر؟ أتحداك أن تقول أين كانوا؟" وسارع بيريز إلى نفي المزاعم نفياً قاطعاً. وبعد مرور أيام قليلة، صرّح الجنرال في الاحتياط "بنيامين بن أليعزر"، أن ثلاثة ضباط إسرائيليين، وكان هو واحداً منهم، قاموا بزيارة الكتائب صيف 1976 وأكد أنه رجع إلى إسرائيل قبل وقوع مجزرة تل الزعتر بخمسة عشر يوماً. (يديعوت أحرنوت، 24 أيلول 1982).

أما الموقف العربي الرسمي فكان مثيراً للشبهة، وفيه كثير من الكيدية بين الدول العربية نفسها، في وقت كانت هناك احتجاجات ومظاهرات، في عدة دول أوروبية وعربية، استنكاراً على ما يحدث في تل الزعتر.

حتى القيادة الفلسطينية، لم يكن لديها رؤية على المستوى السياسي أو العسكري، للحفاظ على المخيمات الفلسطينية في لبنان، وخاصة في المنطقة الشرقية من بيروت، وإلا لما وقع مخيم تل الزعتر ضحية الخلاف السياسي، بين سوريا من جهة ومنظمة التحرير الفلسطينية، المتحالفة مع الحركة الوطنية اللبنانية من جهة أخرى.

يقول أبو أياد: "ولم نكن ندرك خطورة الوضع في بداية المعركة، إلى أن اتصل بنا ذات يوم، طبيبان من أطباء المخيّم، لطلب النجدة. وكانوا يصرون على الحديث مع مسؤولين سياسيين من المقاومة، وليس مسؤولين عسكريين. وأحسست بغيظهم وهيجان نفوسهم، عندما قالوا لي بلهجة جافة: "إذا كنتم لا تستطيعون التوصل لوضع حد لهذه المجزرة، فجدوا على الأقل وسيلة لتمويننا بالماء والغذاء".

ولكن القيادة لم تستطع إلا إدخال، بعض المجموعات الصغيرة للمخيم، بالإضافة إلى القيام "بحزام ناري" حول المخيم لضرب القوات المهاجمة. ولكن ذلك كان غير كاف لحدوث ما حدث.

 

"من كتاب يوميات طبيب في تل الزعتر للدكتور يوسف العراقي"

منشورة في زاوية
رابط مختصر
الأخبار المرتبطة